إيران ومأزق السقوط الحتمي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
لم يعد الحديث عن &"انهيار نظام ولاية الفقيه&" مجرد تكهنات سياسية أو آمال بعيدة المنال؛ بل أضحى واقعاً ملموساً يتردد صداه في شوارع أكثر من 60 مدينة إيرانية ثائرة. إن انتفاضة 28 كانون الأول (ديسمبر) 2025، التي لا تزال رحاها تدور في معظم المدن الإيرانية حتى لحظة كتابة هذا المقال في 15 كانون الثاني (يناير)، لم تستطع آلة القمع ولا تهديدات &"محسني إيجئي&" (رئيس السلطة القضائية للملالي) أن تُخمد لهيبها المتصاعد؛ فهي لم تكن مجرد رد فعل عفوي على التدهور الاقتصادي، بل جاءت لتُعلن بصوت عالٍ أن العلاقة بين الشعب وهذا النظام قد وصلت إلى نقطة اللاعودة.
الشرارة: الاقتصاد كبوابة للسياسة
في الأيام الأخيرة من عام 2025، ومع تجاوز سعر الدولار حاجز الـ 1.5 مليون ريال في السوق الموازية، وانهيار القوة الشرائية إلى ما يقارب الصفر، أدرك الشارع الإيراني أن &"ميزانية 1405&" التي يطبخها النظام ليست سوى وثيقة لتجويع الشعب لتمويل القمع والإرهاب. هذا الانهيار المالي المروّع لم يكن السبب الوحيد، بل كان المفجّر لمخزون هائل من الغضب المتراكم. وكما تشير التقارير الميدانية، فإن سرعة تحوّل الشعارات من &"الخبز&" إلى &"الموت لخامنئي&" و&"هذا العام عام الدم، سيد علي سيسقط&" تكشف عن الوعي السياسي العميق الذي تقوده وحدات المقاومة في قلب المدن.
مشهد وقم: سقوط الحصن الأيديولوجي
لعل التحوّل الاستراتيجي الأخطر الذي رصده المراقبون في هذه الانتفاضة هو انضمام مدينة &"قم&" إلى ركب الثورة؛ فلطالما اعتبر النظام هذه المدينة معقله التقليدي وخزانه الأيديولوجي، لكن خروج التظاهرات منها وهتاف المحتجين &"الموت للظالم، سواء كان الشاه أو المرشد&" يمثل ضربة قاصمة لشرعية الولي الفقيه الدينية والسياسية. إن انكسار حاجز الخوف في &"قم&" يعني عملياً أن النظام قد فقد عمقه الاستراتيجي الداخلي وأصبح معزولاً تماماً، محاصراً بين غضب الشعب وعجزه الهيكلي.
وعلى ذات النسق، شهدت مدينة مشهد المقدسة —التي تُعد كبرى المدن الإيرانية بعد طهران وأهم المراكز الدينية في البلاد، فضلاً عن كونها مسقط رأس خامنئي— انتفاضةً عارمة جسدت ذروة الرفض الشعبي. وبالرغم من أن النظام قد عيّن فيها أحد أكثر الملالي دمويةً، وهو &"علم الهدى&"، ممثلاً له وإماماً للجمعة لضمان قبضته عليها، إلا أن المشهد كان صاعقاً؛ حيث أفاد مراسلون من أرض الحدث بأن الحشود المليونية امتدت على طول 3 كيلومترات. إن هذا الزخم الهائل في مشهد يبرهن بوضوح على مدى الكراهية الشعبية المتجذرة تجاه السلطة، ويؤكد إصرار الشعب على الإطاحة بنظام ولاية الفقيه القمعي.
التخبّط الأمني والعجز عن القمع
في محاولة يائسة للسيطرة على الموقف، لجأ خامنئي الجلاد إلى تكتيكاته القديمة بتعيين أحمد وحيدي نائباً لقائد الحرس لقمع الانتفاضة، مع إطلاق تهديدات قضائية جوفاء في أصفهان وإيذه وهمدان. إلا أن الوقائع على الأرض تثبت فشل هذه القبضة الأمنية. فبالرغم من ارتقاء ما لا يقل عن مئات شهداء في الأسبوع الأول وسقوط مئات الجرحى، إلا أن رقعة الانتفاضة اتسعت لتشمل مدناً مثل كرج، سنندج، ومرودشت. هذا الصمود الأسطوري يؤكد أن &"استراتيجية الرعب&" التي اعتمد عليها النظام لعقود قد تحطمت أمام إرادة &"وحدات المقاومة&" التي نجحت في توجيه الغضب العفوي نحو أهداف سياسية محددة.
الخلاصة: أفق مسدود ونهاية محتومة
إنَّ نظام الملالي يواجه اليوم &"مأزقاً وجودياً&" لا مخرج منه. فلا هو قادر على حل الأزمة الاقتصادية الخانقة في ظل العزلة الدولية والفساد المستشري، ولا هو قادر على إخماد نار الغضب الشعبي الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء.
إن انتفاضة &"كانون الأول (ديسمبر)&" ليست موجة عابرة، بل هي حلقة متقدمة في سلسلة الانتفاضات (2017، 2019، 2022) التي تقرّب إيران بخطوات متسارعة نحو ساعة الصفر. الشعب الإيراني، وبقيادة طلائعه الثورية، حسم أمره: لا شيء أقل من إسقاط نظام ولاية الفقيه وتأسيس جمهورية ديمقراطية تليق بتاريخ إيران وحضارتها.
الكلمة الأخيرة: الرصاص قد يقتل ثائراً، لكنه لا يقتل ثورةً حانت ساعتها.