الدرس المفيد من رحيل ادوارد سعيد
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
-I-
رثاء ادوارد سعيد (1935-2003) هو رثاء للمشهد العربي السياسي، وللمشهد الثقافي والتعليمي العربي أيضاً. لقد قرأت معظم ما كتبه العرب حتى الآن في رثاء ادوارد سعيد، الذي لم يكن للعالم العربي أي فضل عليه، فلم أجد غير التمسّح به، ومحاولة وضعه ضمن النتاج العربي والعبقرية العربية، رغم ما لاقت هذه الظاهرة الثقافية الكونية الكبيرة في حياتها من العرب كل اهمال، ونكران، وجحود، وملاحقة، وعدم اكتراث، إلا من لدن بعض المثقفين العرب من النخبة.
&فادوارد سعيد لوحق، وحُجِرَ عليه، وصُودرت كتبه ومقالاته في العالم العربي، كأي مثقف عربي حر آخر.
&
-II-
فياسر عرفات الذي يرثيه اليوم، ويقول عنه بأنه " عبقرية بارزة كان لها اسهام غني وواسع في جميع مجالات الثقافة والفكر والإبداع، واحتل موقعاً مرموقاً كمدافع عن حقوق الانسان وعن القيم الإنسانية الرفيعة، وكل ما هو مستنير وحر في تاريخ الفكر الانساني" هو ياسر عرفات الذي منع كافة كتب سعيد من الدخول إلى فلسطين، وهو الذي ناصبه العداء لدعوة ادوارد سعيد لعرفات بالتنحي في 1994،& ومعارضته لاتفاقية أوسلو، وطرحه لمشروع دولة يهودية فلسطينية كحل للقضية الفلسطينية. وأطلق عليه ياسر عبد ربه وزير اعلام عرفات السابق بأنه من (أصحاب الدكاكين الفلسطينية) في امريكا (جريدة البيان، 19/10/89). ولو كان ادوارد سعيد بين يدي ياسر عرفات لربما قتله أو سجنه، كما قتل رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي في لندن، حين عارض عرفات وفضح مغامراته.
وحين حاول ادوارد سعيد أن يكون من فلسطين، عندما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، أنكرته منظمة التحرير الفلسطينية، وانكره ياسر عرفات، واعتبره عدوه اللدود الأول، مما اضطره إلى الاستقالة.
&
-III-
نعم، لقد لاقى ادوارد سعيد الجحود والانكار من اليمين العربي، ومن اليسار العربي على السواء.
فاليمين العربي كان ينظر اليه على أنه بوق للحضارة الغربية، وداعية آثم من دعاة العلمانية،& والحداثة،& والانفتاح على الآخر. وقد اهدر الأصوليون دمه (وهو المسيحي البروتستنتي) في كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام) الذي كتبه الأصولي السعودي عوض القرني 1989، وقدّم له الشيخ ابن باز.
واليسار العربي كان ينظر اليه على أنه المثقف الغربي الذي يروّج لثقافة الغرب، وبأنه عميل من عملاء المخابرات الأمريكية،& كما اتهمه جلال صادق العظم في كتابه (ذهنية التحريم).
ادوارد سعيد، قال لنا فلم نسمع، وصاح بنا فلم ننتبه، وكتب الينا فلم نقرأ، وطلع علينا فلم نقشع.
&
-IV-
لم يكن ادوارد سعيد لنا.
فهو لم يكن يكتب العربية، أو يقرأها، أو يتحدث بها.
فهو لم يكتب كلمة واحدة عن نتاج روائي أو شعري عربي وهو الناقد، وكل ما كتبه عن الفن العربي كان عن الراقصة المصرية تحية كاريوكا!
وهو لم يبحث في الثقافة العربية والإسلامية والحضارة العربية والإسلامية، وهو الباحث والمؤرخ.
ولا نجد له اهتمامات ثقافية في العالم العربي إلا بما يمت سياسياً إلى فلسطين.
لم يكن ادوارد سعيد لنا.
كان ادوارد سعيد للمتلقي الغربي، وللمثقف الغربي. ولهذا لم يكتب بالعربية، ولم يهتم بالعالم العربي، ولم يوجّه خطابه إلى العالم العربي إلا في السنوات الأخيرة ومن خلال القضية الفلسطينية، لأنه كان يعلم بأننا فقدنا العقل، ووضعنا في آذاننا الطين والعجين لكي لا نسمع الحقيقة.
فما هو الدرس المفيد من رحيل ادوارد سعيد؟
كان ادوارد سعيد مثقفاً، ليس فلسطينياً، وليس عربياً.
فما هو فضل فلسطين عليه، وما هو فضل العرب عليه.
عندما قال ياسر عرفات عنه بالأمس بان سعيد "ابن فلسطين" فهو قد كذب للأسف الشديد، وكان كالقرعاء التي تتحالى (تتفاخر) بشعر جارتها كما يقول المثل الشعبي. فلا فضل لفلسطين على ادوارد سعيد الذي غادرها وهو طفل إلى القاهرة،& ومن هناك هاجر إلى امريكا في 1952(وعمره 17 عاماً)، حيث درس في أعرق الجامعات الأمريكية : برنستون وهارفارد، وهما الجامعتان اللتان خرجتا قادة العالم في السياسة والثقافة والاقتصاد والقانون. ولو بقي ادوارد سعيد في فلسطي، ن أو في العالم العربي، لظل شأنه شأن أي مثقف عربي، لا يقوى على شيء، ولا يقدم ما هو جدير بالعرفان.
فلا فضل للعالم العربي على ادوارد سعيد، كما أنه لا فضل له على كل العرب الذين هاجروا إلى الغرب، ونبغوا فيه كما نبغ ادوارد سعيد.
&
-V-
ادوارد سعيد صناعة غربية امريكية. صناعة جامعتي برنستون وهارفرد، اعرق الجامعات في العالم، وصناعة الثقافة الغربية، والحرية الغربية، والديمقراطية الغربية.
فلا فضل للأصولية القومية والدينية العربية عليه ولا على ثقافته. ولا فضل للجامعات العربية عليه ولا على ثقافته، ولا فضل للثقافة العربية اليساريه عليه ولا على ثقافته.
ادوارد سعيد لا يحمل من فلسطين إلا شهادة ميلاده ولا يحمل من العالم العربي غير اسمه، وما تبقى فهو من انشاء الغرب، ومن تربية الغرب، ومن عقل الغرب، ومن حضارة الغرب، وثقافته.
وإذا كان بعض الكتاب القوميين اليوم يعتبرونه فلسطينياً لأنه كرّس كتاباته في سنواته الأخيرة للقضية الفلسطينية، فهناك كتاب غير فلسطينيين أكثر فلسطينية منه، وكتبوا عن فلسطين أكثر منه، كنعوم تشومسكي مثلاً.
لم يكن ادوارد سعيد في حياته من العرب إلا من حيث تلبُّسه بفكرة المؤامرة في كثير من الأحيان، وهجومه غير العلمي وغير الموضوعي على برنارد لويس، ومأمون فندي، وشبلي التلحمي،& وفواز جرجس، وفؤاد عجمي، وغيرهم، واتهام هؤلاء بأنهم عملاء المخابرات الأمريكية، وهي التهمة الحمراء اليومية في العالم العربي لكل من يقف محامياً عن الشيطان؛ أي يسبح ضد التيار ويدافع عن قضية يهاجمها الرأي العام العربي. وكذلك تمزيقه للوثيقة التي تحتج على مجازر صدام للأكراد في حلبجة ورفضه التوقيع عليها.
&فالدم القومي العربي يحنُّ دائماً، والعِرقُ (دسّاس) كما تقول العامة.
&
-VI-
الدرس المفيد من رحيل ادوارد سعيد هو أن الثقافة العربية والتعليم العربي الحالي لا يمكن لهما أن يخرّجا مفكرين من طراز ادوارد سعيد، ولا نقاداً من هذا الطراز، ولا باحثين من هذا الطراز، ولا كذلك سياسيين من هذا الطراز.
نجاح وتألق ادوارد سعيد في الغرب وكذلك البرت حوراني، والعفيف الأخضر، ومجيد خدوري، ومحمد اركون، وهشام الشرابي، وابراهيم أبو لغد، وحليم بركات، وبرهان غليون، ورشيد الخالدي، وأحمد زويل، وغيرهم من آلاف الأكاديميين العرب الذين يعملون في مختلف معاهد البحث والتعليم قي الغرب هو بفضل الغرب، وهؤلاء وغيرهم هم صناعة غربية، والفضل للثقافة الغربية،& والحرية الغربية، والديمقراطية الغربية، التي اتاحت لهذه النجوم القادمة من صحراء العرب القاحلة بالسطوع.
&
&-VII-
رحيل ادوارد سعيد وغيره في الماضي والمستقبل من النجوم التي سطعت في سماء الغرب هو الدرس المفيد لنا، من أن مشكلتنا في العالم العربي مشكلة تعليمية، ومشكلة ثقافية بالدرجة الأولى، وغيابها الحر الطليق الديمقراطي هو الذي طمس ويطمس على قلوبنا هذا الطمس في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. وهو ما يجب أن نلتفت اليه ونتعجل حله، سيما وأن الغرب وأمريكا لا يقفان حائلاً في تحقيقه، كما نتحجج دائماً في كل ما لا ننجزه، أو نقدم على انجازه.
&
-VIII-
رحم الله ادوارد سعيد فقد كان الرائي والعراف الذي أدرك وهو في سن الشباب المبكر الغر، أن لا سماء تسطع فيها نجوم العرب إلا سماء الغرب، ليس لأنه الغرب، ولكن لأنه طريق الحرية والديمقراطية الصحيح،& الذي يقود إلى السطوع في السماء.
ولقد صدقت نبوءته، للأسف الشديد.
&
Shakerfa@worldnet.att.net
&
مقالات ذات صلة&
د.عبدالله إبراهيم
إدوارد سعيد
غياب آخر العمالقة
&
د. سيّار الجميل
إدوارد سعيد المفكر البنيوي..
والسياسي الاكاديمي
شريد الملّمات الراديكالية الصعبة في تحليل الظواهر الكبرى
&
&
&نضال حمد: رحل الفلسطيني الأبي ادوارد سعيد
&
&
باتر محمد علي وردم: فاجعة للثقافة العربية
&
&
هشام ملحم
إدوارد سعيد&رحيل "خارج المكان"
&
سمير اليوسف
ادوارد سعيد: السيرة الذاتية
والسياسية اخفاق في تمثيل الهوية أم ماذا؟
&
د· رضوان السيد: إدوارد سعيد الأكاديمي والمثقف··· والإنسان
&
وفاة ادوارد سعيد "خسارة فادحة" للفلسطينيين
العاهل الاردني يعزي بوفاة ادوارد سعيد "المدافع" عن الامة&
عرفات يشيد بمزايا ادوار سعيد و"عبقريته البارزة"
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف