باتر محمد علي وردم
&
&
غياب جسد إدوارد سعيد عن العالم يوم أول أمس يشابه غياب سنديانة باسقة في حقل الثقافة العربية القاحل، الفقير بإبداعاته، والذي يتعرض لغزو الأعشاب والنباتات الضارة من أشباه المثقفين الأصوليين والداعين إلى الجهل والتخلف وأولئك المرتبطين بالمشروع الأستعماري الأميركي أو وعاظ السلاطين من المثقفين العرب المبررين للفساد والاستبداد . رحيل أدوارد سعيد خسارة لا تعوض، لأنه كان فريدا فيما صنعه وتميز به على مستوى الثقافة العربية والعالمية.
ربما أنتج العالم العربي خلال القرن العشرين بعض المفكرين الكبار، ولكنه بالتأكيد لم ينتح مفكرا عالميا مثل إدوارد سعيد. لم يتمكن العالم العربي من أن ينتج ظاهرة مساندة لإدوارد سعيد في التجسير بين الثقافات، فالرجل الذي ولد في القدس وتوفي يف نيويورك جسد في رحلة حياته معاناة الشعب الفلسطيني، ولكنه جسد أيضا قدرة هذا الشعب الثقافية الكبيرة والتي جعلت شخصا مثل إدوارد سعيد يفرض نفسه في عمق الثقافة الأميركية وفي مواجهة أقسى وأسوأ عدو وهو التأثير الصهيوني في قلب الولايات المتحدة.
شكل إدوارد سعيد الصورة الحضارية الثقافية للشعب اللسطيني في أفضل رموزها. مثقف عالمي، منحاز للإنسانية وللحق الفلسطيني، لم يقع في فخ العنصرية وتعاون مع اليهود الرافضين للصهيونية، رفض كل الأصوليات العالمية التي تنشر الشك والعنف بين الحضارات، والأهم من ذلك أنه رفض أيضا كل أشكال الفساد والاستبداد وكان من القلة النادرة من المثقفين اللسطينيين الذين انتقدوا الإدارة السياسية والاقتصادية للقيادة الفلسطينية بناء على منطق صحيح حتى أن هذه القيادة نفسها كانت تحترم آرائه ولم تتجرأ على توجيه اتهامات باطلة.
إدوارد سعيد كان رجلا أكبر حتى من المؤسسات، فقد استطاع لوحده، وبكتاباته ومحاضراته وإبداعاته الثقافية حتى في الموسيقى من أن يوصل قضية الشعب الفلسطيني إلى أكبر عدد من الأميركيين ونجح في ذلك أكثر من أية مؤسسة من مؤسسات العرب الأميركيين. ولهذا فإن خسارة إدوارد سعيد لا يمكن تعويضها على المدى القريب.
ربما اندهش الكثيرون حتى ممن تابعوا إدوارد سعيد يوميا بأن الرجل كان يعاني من السرطان منذ العام 1992، لأن السرطان العضوي في جسد إدوارد سعيد لم يؤثر يوما على إنتاجه الثقافي وعلى خوضه لمعاركه الكبيرة ضد السرطان الصهيوني في الولايات المتحدة وضد سرطان الاستبداد والتطرف والفساد في العالم العربي ولكنها هذه الإرادة العظيمة للقتال الفكري حتى النهاية التي ميزت إدوارد سعيد.
لا أستطيع أن أتحدث بالكثير عن التفاصيل عن إرث إدوارد سعيد، فأنا لست مثقفا نقديا أملك القدرة على تحليل الإبداعات الرائعة لإدوارد سعيد، ولكنني مواطن عربي كنت دائما أبحث وراء نصوص إدوارد سعيد باللغتين العربية والإنجليزية لأنها كانت أفضل تمثيل للأولويات الثقافية للعالم العربي وهي نقد الاستبداد الأمبراطوري للولايات المتحدة، ونقد الاحتلال الإسرائيلي، ونقد الأصوليات والتطرف بمختلف أشكالها، ونقد الفساد في السلطة العربية بمختلف مظاهرها، والمساهمة في تجسير حوار الحضارات، والانحياز لقضايا شعوب الجنوب والدول النامية، وتجاوز حدود العنصرية نحو فضاءات التواصل الإنساني، وكل ذلك على قاعدة متينة من الأخلاقيات الوطنية والإنسانية التي أصبحت عملة نادرة. إن إدوارد سعيد هو أفضل مثقف عربي وطني قومي علماني إنساني ضد السياسة الاستعمارية الأميركية والصهيونية والأصولية والاستبداد معا، وهي أعدى أعداء الثقافة العربية.
ولهذا كله فقد العالم العربي مفكرا عظيما لا مثيل له، والأسوأ من ذلك إنني أشك في أن التربة الثقافية العربية قادرة حتى على إنتاج مفكر شبيه بإدوارد سعيد خلال القرن القادم، وهذا ليس من قبيل المبالغة لأن خسارة أدوارد سعيد سوف تشتد خلال السنوات القادمة، إنها خسارة بأثر مستقبلي!&&
&
&
كاتب أردني















التعليقات