في أقصى الشمال، حيث يتكسر الضوء على صفحة الجليد وتختلط زرقة البحر بالبياض السرمدي، تبرز غرينلاند لا بوصفها جزيرة من ثلج وصخور فحسب، بل كفضاء تتقاطع عنده الجغرافيا مع السياسة، والموارد مع إرادات القوى الكبرى. ومع تجدّد الأزمات الدولية، عاد اسمها إلى الواجهة، محمّلًا بأسئلة تتجاوز حدودها الطبيعية إلى رحابة الجيوبوليتيك المعاصر.
لقد أعادت التطورات المرتبطة بالملف الفنزويلي طرح سؤال قديم بطابع جديد، إلى أين يمكن أن تمتد يد القوة عندما تُستشعر المصالح الإستراتيجية بأنها مهددة؟ فالنقاشات المتعلقة بالسيادة على الموارد وشرعية التدخل لم تعد مدفونة في أرشيف الحرب الباردة، بل عادت لتنبض في المشهد السياسي الراهن، حيث تتراجع المسلّمات وتتشكل قواعد جديدة في فضاء دولي آخذ في الاضطراب. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحاجة إلى غرينلاند لدواعٍ تتصل بالأمن القومي، لتستحضر احتمالات كانت تُعدّ إلى عهد قريب أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وتقرع أجراس التحذير في عواصم عديدة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند يصطدم بجدار قانوني وسياسي متين. فمنذ عام 2009 تتمتع الجزيرة بحكم ذاتي واسع داخل إطار مملكة الدنمارك، ويظل أي تعديل في وضعها السيادي رهنًا بإرادة سكانها، وهي إرادة صانها القانون الدولي وجعلها شرطًا لا يمكن تجاوزه. كما أن منطق القوة لا يستطيع وحده أن يمحو حسابات التحالفات، فالدنمارك عضو فاعل في حلف الشمال الأطلسي، وأي ضغط أحادي قد يترك ندوبًا في جسد التحالف الغربي في مرحلة تتسم بحساسية إستراتيجية بالغة.
وقد جاء الموقف الأوروبي ليضيف بعدًا آخر إلى المشهد. فقد عبّرت دول الاتحاد الأوروبي عن تضامنها مع الدنمارك وغرينلاند من خلال بيانات تؤكد احترام السيادة الوطنية ومبدأ تقرير المصير والالتزام بالنظام الدولي القائم على القواعد. غير أن هذا التأييد، على وضوحه، يظل محكومًا بواقع مركّب يتمثل في اعتماد الأمن الأوروبي بدرجة كبيرة على المظلة الأميركية، وهو ما يفسر ذلك التوازن الدقيق بين خطاب المبادئ واعتبارات الواقعية الإستراتيجية.
الاهتمام بغرينلاند ليس طارئًا ولا وليد اللحظة. فالإشارات الأولى إليه ظهرت بوضوح خلال الولاية الأولى لترامب، وأثارت آنذاك الدهشة والجدل معًا. لكن التحولات العميقة التي يشهدها القطب الشمالي، بفعل الاحترار العالمي وتبدّل طبيعة الجليد والبحار، جعلت هذا الاهتمام أكثر رسوخًا ووضوحًا. فالجزيرة تختزن في باطنها وسواحلها ثروات طبيعية لم تُستثمر بعد، احتياطيات من النفط والغاز، ومعادن إستراتيجية مثل النحاس والنيكل والزنك واليورانيوم. أما كنزها الأكبر فيكمن في العناصر الأرضية النادرة، حيث تركز في غرينلاند حوالي 1.5 مليون طن. ووفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، تشمل هذه العناصر اللانثانيدات، والسكانديوم، والإيتريوم، التي هي المفتاح للبطاريات والطاقة المتجددة والأنظمة الإلكترونية، ولهذا السبب تكتسب الجزيرة وزنًا في المنافسات الدولية.
ولا تقف أهمية غرينلاند عند حدود الموارد، فالموقع الجغرافي نفسه يمنحها بعدًا إستراتيجيًا استثنائيًا. فهي تقع على مشارف الطرق البحرية القطبية التي قد تتحول، مع تراجع الجليد، إلى شرايين تجارية تختصر المسافات بين القارات وتعيد رسم خرائط الحركة الاقتصادية العالمية. وقد تتحول الجزيرة إلى محطة لوجستية محورية وإلى نقطة ارتكاز عسكرية تراقب المعابر بين المحيط المتجمد الشمالي والأطلسي، في منطقة تتقابل فيها مصالح أميركا الشمالية وأوروبا وروسيا.
هذا كله يفسر الحضور الأميركي القديم في الجزيرة منذ الحرب العالمية الثانية، ويفسر استمرار قاعدة ثول الجوية بوصفها عينًا إستراتيجية ترصد الفضاء القطبي وتشارك في منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي. فغرينلاند، في الوعي الأميركي الإستراتيجي، ليست هامشًا جغرافيًا، بل جزء من منظومة أمنية ممتدة عبر الشمال.
ومع ذلك، فإنَّ النقاش حول غرينلاند لا ينحصر في اسم رئيس أو مرحلة سياسية بعينها، بل يعكس تحوّلًا أوسع في طبيعة العلاقات الدولية، حيث تعود الجغرافيا لتفرض قانونها، وتستعيد الموارد موقعها في معادلات القوة، ويصبح القطب الشمالي أحد مسارح الصراع والتعاون في القرن الحادي والعشرين. وربما لن تُضمّ غرينلاند إلى أي دولة، ولكنها بلا شك ستظل مركزًا لأسئلة كبرى حول السيادة، والأمن، والإنسان في زمن تتبدل فيه الخرائط قبل أن تجفّ أحبارها.
























التعليقات