نشرت وسائل إعلام دولية خلال الأيام الماضية مقاطع مصوّرة أظهرت تفاصيل نقل نيكولاس مادورو داخل شوارع نيويورك، وسط انتشار أمني كثيف وحضور إعلامي واسع، وقد بدا موكب نقل مادورو، في ظاهره، إجراءً قانونيًا معتادًا. غير أن التوقف عند طريقة إخراج المشهد، وتوقيته، وحجمه الإعلامي، يكشف أن ما جرى لم يكن مجرد تنفيذ بروتوكول قضائي عادي، بل رسالة سياسية مقصودة. فالواقعة لم تُدار بصمت، ولم تُخفَ عن الكاميرات، بل قُدّمت للرأي العام بوصفها مشهدًا كامل العناصر، يُراد له أن يُشاهَد لفهم الرسالة.
أعتقد أن الرسالة الأميركية هنا واضحة وبسيطة، العلاقة مع الأعداء لم تعد تُدار فقط عبر عقوبات أو بيانات أو ضغوط دبلوماسية، بل يمكن أن تُدار عبر الإظهار العلني للقوة. فما عُرض في شوارع نيويورك هو تأكيد عملي على أن الولايات المتحدة قادرة على نقل المواجهة إلى ملعبها، والتعامل مع خصومها وفق القواعد التي تختارها، وبالصورة التي تخدم أهدافها السياسية.
وفي هذا السياق تحديدًا، نستطيع أن نرى ما هو الرد العملي على حالة استعداء وتحدٍّ علني للولايات المتحدة ورئيسها. فخطاب مادورو في الفترة السابقة لم يكتفِ برفض السياسات الأميركية، بل انتقل إلى مستوى استفزاز مباشر، شمل تحديًا علنيًا لرأس السلطة في واشنطن، والتشكيك في القدرة والإرادة. من هنا، يبدو أن ما حدث لم يكن رد فعل اعتباطيًا أو إجراءً معزولًا، بل عقابًا سياسيًا مدروسًا صيغ ليؤدي وظيفة مزدوجة، تشمل معاقبة سلوك تجاوز الخطوط، وكسر أي نزعة عنجهية توحي بأن تحدي الولايات المتحدة يمكن أن يمر بلا كلفة. فالرسالة لم تُوجَّه إلى مادورو وحده، بل صيغت بوصفها درسًا للآخرين.
وقد عبّر عنها وزير الخارجية الأميركي صراحة حين قال: “آمل أن يكون الناس قد فهموا الآن، رئيس الولايات المتحدة ليس لاعبًا يبحث عن الاستعراض، عندما يقول إنه سيفعل أمرًا ما لمعالجة مشكلة، فإنه يعني ذلك حرفيًا”. إذ إن هذا التصريح لا يضيف بعدًا إعلاميًا جديدًا بقدر ما يكشف الإطار الذهني الذي أُديرت فيه الواقعة. ما يُقال علنًا في واشنطن ليس تهديدًا فارغًا، بل التزامًا يُترجَم فعلًا عندما يُنظر إلى السلوك بوصفه تحديًا مباشرًا.
ولا يقتصر أثر هذه الرسالة على الخارج وحده، بل يمتد بوضوح إلى الداخل الأميركي، حيث يُعاد توظيف المشهد ضمن حسابات القوة والطمأنة السياسية. داخليًا، يخدم هذا المشهد هدفًا أساسيًا يتمثل في تعزيز الإحساس بالقوة والأمن لدى الناخب الأميركي. ففي مرحلة تتزايد فيها المخاوف من تراجع النفوذ، وتُطرح فيها تساؤلات حول قدرة واشنطن على الردع والحسم، يأتي هذا النوع من الرسائل ليعيد ترسيخ الصورة النمطية للولايات المتحدة كقوة عالمية لا تُهان ولا تُستنزف. وبلا شك، فإن هذا الإحساس بالقوة لا يعمل فقط على مستوى السياسة الخارجية، بل ينعكس مباشرة على المزاج العام الداخلي، ويمنح صانعي القرار هامشًا أوسع من الثقة والدعم.
ولا تتوقف دلالات هذا المشهد عند هذا الحد، بل تمتد أيضًا إلى الساحة السياسية الداخلية، حيث يُستخدم ضمنيًا في مواجهة الخطابات التي تشكك في قوة الولايات المتحدة أو تتحدث عن تراجع قدرتها على فرض إرادتها. فالمشهد يضع هذه الأصوات في موقف دفاعي، ويقوّض سرديات تقول إن واشنطن فقدت أدوات الردع أو باتت عاجزة عن حماية مصالحها. وهنا لا تُخاض المعركة عبر مناظرات أو تصريحات، بل عبر صورة واحدة تُقدَّم بوصفها دليلًا عمليًا على أن الدولة ما زالت تملك أدوات الفعل.
ومن منظور واقعي، فالرسالة خارجيًا تتجاوز شخص مادورو لتطال كل دولة أو جهة تعارض أو تعادي الولايات المتحدة. فالمشهد يقول بوضوح إن السيادة وحدها لم تعد مظلة كافية للحماية، وإن الدخول في مسار الاستعداء العلني يحمل كلفة قد لا تكون اقتصادية أو سياسية فحسب، بل رمزية ومهينة. الرسالة ليست أن كل خصم سيواجه السيناريو ذاته، بل أن واشنطن تحتفظ بحق تصعيد شكل الرد متى رأت ذلك ضروريًا، ونقل المواجهة من مستوى التحذير إلى مستوى الإظهار العلني للقوة.
وحسب ما رُصد من ردود الأفعال الدولية الأولية، فإن هذا المشهد لم يُقرأ بوصفه استعراضًا مجانيًا، بقدر ما فُسّر على أنه تحذير محسوب. فعدد من الخصوم المحتملين بدوا أكثر حذرًا في خطاباتهم، فيما قرأ الحلفاء الرسالة بوصفها تأكيدًا على أن واشنطن ما زالت قادرة على حماية نفوذها، وعدم السماح بتحول التحديات السياسية إلى إهانات علنية.
في المحصلة، ما جرى في نيويورك لم يكن حدثًا خبريًا عابرًا، بل رسالة تحذير مصوّرة صيغت بعناية لتصل إلى أكثر من جمهور وفي أكثر من اتجاه. فحواها أن الاستعداء العلني والتطاول السياسي لا يُقابلان بالتجاهل، بل بإجراء يُعيد ضبط المعادلة ويُسقط أوهام التحدي الآمن.
ويبقى السؤال المفتوح: ما مدى تأثير هذه الرسائل العلنية في حسابات أعداء الولايات المتحدة؟ وهل ستدفعهم إلى التراجع وإعادة ضبط سلوكهم، أم إلى اختبار حدود هذا الأسلوب وقياس كلفته الفعلية في جولات مقبلة؟ أمّا الرسالة الأوضح، التي أرادت واشنطن ترسيخها دون مواربة، فهي أن من يتجرأ على التحدي العلني ويختار الاستعداء لا يُجادَل طويلًا، بل يُعاد إلى حجمه علنًا، ليكون ما جرى به درسًا لغيره، لا استثناءً يُعوَّل عليه.
























التعليقات