ليس أحدٌ بيننا بريئًا على هذا الكوكب. ليست مجرد عبارة تُقرأ وتُنسى، بل هي واقع ينهش حياة البشر يوميًا عبر صراعات ونزاعات تُشعل الفوضى وتُبدّد الثروات، بينما العالم يتفرّج أو يشارك بصمت أو بحسابات مصالح باردة.

في بداية عام 2026، هزّ العالم مثال صارخ على اختلال موازين القوّة: عملية عسكرية نفّذتها الولايات المتحدة في فنزويلا، أسفرت عن اقتياد رئيس الدولة نيكولاس مادورو وزوجته إلى نيويورك لمواجهة اتّهامات جنائية. هذا التصرّف يفتح باب التساؤل عن مصير السيادة والقانون الدولي حين تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى.

لكن ما حدث في فنزويلا ليس حالة منعزلة، إنّه جزء من نمط أوسع في عالم تسيطر فيه القوّة المطلقة على الحق، ويُختزل القانون الدولي إلى أداة تُستخدم حسب الحاجة. في الوقت الذي يُفترض فيه أن يحمي القانون الضعفاء، يغضّ المجتمع الدولي الطرف أحيانًا عن استمرار الانقسامات والصراعات بما يخدم التحالفات الكبرى، فيما المواطن البسيط يدفع الثمن الأكبر.

من فنزويلا إلى حرب أوكرانيا المستمرّة منذ سنوات، يُنفق العالم تريليونات الدولارات على الأسلحة والتحالفات العسكرية التي تبتلع الموارد بينما يعيش ملايين البشر في تذمّر اقتصادي واجتماعي. تأثير الأزمة في أوكرانيا على الاقتصاد العالمي وحده يُقدَّر بتريليونات الدولارات، وهو رقم كافٍ لتغيير وجه اقتصادات بلدان بأكملها لو استُثمر في التعليم والصحّة والبنى التحتية بدلاً من الإنفاق العسكري الهائل.

على الجهة الأخرى، تُستنزف موارد البشرية في أزمة تايوان التي تتأرجح بين التوتّر العسكري والدبلوماسي، بينما يُوظَّف هذا التوتّر لتبرير سباق تسلّح جديد في آسيا. أزمات مثل هذه تخلق سوقًا دائمًا للسلاح وتُعمّق فجوة الثروة والإنسانية في العالم، إذ تتحوّل المخاوف الاستراتيجية إلى أداة تستنزف موارد يمكن أن تُحدث فرقًا جوهريًا في حياة الناس.

ولا حاجة لأن نبتعد كثيرًا عن منطقتنا لنرى الأمثلة الأقرب إلى القلب. في لبنان، الذي يعاني أزمات مركّبة منذ سنوات، تحذّر الأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية مع احتمال تجدّد الأعمال العدائية، بينما الاقتصاد يواجه انكماشًا حادًا وارتفاع معدّلات الفقر والبطالة. التوتّرات على الحدود لا تزال تُنبّه إلى احتمالات تصاعد الصراع مجدّدًا، والتحالفات الإقليمية تُلقي بظلّها على الاستقرار الداخلي.

ولا يختلف المشهد كثيرًا في سوريا، التي تحوّلت بعد أكثر من عقد من الحرب إلى حالة شبه منكوبة، اقتصادٌ منهار، مؤسّساتٌ تآكلت، أغلبية السكان تحت خط الفقر بسبب سنوات الصراع والعقوبات وجروح لم تندمل. سوريا ليست فقط قصة سقوط نظام، بل مثال على كيف يمكن أن تُدمَّر دولة، ويغضّ المجتمع الدولي الطرف عن استمرار الانقسامات والصراعات بما يخدم التحالفات الكبرى، فيما المواطن يعاني ويكابد.

إلى الجنوب الغربي في السودان، شهدت الحرب الأهلية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع منذ 2023 واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية على الإطلاق، مما دفع الملايين إلى النزوح وفقدان سبل العيش، وتحولت البلاد إلى ساحة صراع يصعب التكهن بمداره أو نهايته، وسط تدخّل أطراف إقليمية تسعى لتعزيز مواقعها على حساب سكان يعانون الجوع والمرض والقتل.

في كل هذه الأمثلة، من فنزويلا، وأوكرانيا، وتايوان، إلى لبنان، وسوريا، والسودان، تتكرّر نفس الصورة: المال يُنفق على الحرب والتحالفات العسكرية بمبالغ هائلة، بينما تُترك حياة البشر في مؤخرة الأولويات، أو تُستغل أزمات الشعوب لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية.

عندما ننظر إلى حجم الإنفاق العسكري العالمي الذي تجاوز 2.7 تريليون دولار سنويًا، مع توقّعات بزيادة أكبر في العقود المقبلة، يصبح من المستحيل تجاهل السؤال: لماذا يُستثمر هذا الكم الهائل من الأموال في أدوات الدمار بدلاً من استخدامها لإنهاء الفقر، وتطوير التعليم، وتحسين الرعاية الصحية، وتأمين سبل العيش للملايين؟ الأرقام لا تكذب، وهي تكشف أن العالم يُفضّل الاستثمار في الحرب على الاستثمار في الإنسان.

هنا تكمن الحقيقة التي يحتاج كلٌّ منا أن يواجهها: ليس أحدٌ بيننا بريئًا على هذا الكوكب، ليس لأننا أشرار بطبعنا، بل لأننا جميعًا، بأفعالنا أم بصمتنا، بوعي أو بتجاهل، نساهم، ولو بشكل غير مباشر، في استمرار هذا النظام العالمي الذي يُفضّل القوّة على الحق، والتسليح على الحياة. إن كانت هناك براءة يمكن استعادتها، فستستعاد فقط حين نعيد ترتيب أولويات البشرية من الربح والقوّة إلى الكرامة والرفاهية لكل إنسان، حين ندرك أن الاستثمار في السلم يعكس استثمارًا في المستقبل الذي يستحقه هذا الكوكب.