في كل مرة يُسأل فيها اللبنانيون عن مفهوم الدولة، يأتي الجواب من خارج النص: صمتٌ وتواطؤ، أو مواربة. ليس لأن المخاطر غير معروفة، بل لأن العقلية التي تحكم القرار الرسمي قرّرت منذ زمن أن “تدبير الوقت” أهون من تحمّل مسؤولية السيادة. ها هو لبنان اليوم يدفع ثمن هذا الوهم، بعدما تحوّل، بفعل التغاضي الرسمي، إلى بقعة مستباحة تُستَخدم مقرًا وغرفة عمليات لأنشطة عسكرية وأمنية تستهدف سوريا، وتشارك فيها شبكات مرتبطة بحزب الله وفلول النظام السوري السابق، تحت نظر أجهزة الدولة اللبنانية، إن لم يكن برعايتها الصامتة.

المشكلة هنا ليست في “تعقيد” الملف، ولا في “حساسيته الإقليمية”، بل في تخلّي الدولة المتعمّد عن واجبها الأول، وهو حماية لبنان ومصالحه. حين تمتنع السلطات عن اتخاذ خطوات استباقية قانونية، سيادية، وأخلاقية، فإنها لا تحمي “الاستقرار”، بل تُراكم أسباب انفجاره. أي منطق هذا الذي يبرّر إبقاء مطلوبين بجرائم ضد الإنسانية على الأراضي اللبنانية، فيما يُترك البلد مكشوفًا أمام احتمالات التصعيد والعقوبات والعزل؟

الحياد، نعم، مطلب مشروع وضرورة وجودية للبنان. لكن الحياد لا يعني العمى، ولا يعني إدارة الدولة بعقلية الماضي، ولا التعاطي مع المخاطر كأن العالم لم يتغيّر. المشكلة أن جزءًا كبيرًا من الأجهزة الأمنية اللبنانية لا يزال يدير البلد بذهنية التسعينات: ذهنية إدارة التوازنات لا إدارة المخاطر، وذهنية الانتظار لا الفعل الاستباقي. كأن المطلوب دائمًا أن تقع الكارثة أولًا، ثم نبدأ بعدها بالتساؤل: كيف حصل ذلك؟

العالم اليوم لا يعمل بهذا المنطق. لا شيء يُمنَح مجانًا: لا حماية، ولا غطاء سياسي، ولا حتى صبر الآخرين. الدول تُحاسَب على أفعالها كما على تمنّعها عن تنفيذ مهامها. والامتناع هنا لا يندرج في إطار الحياد، بل إنه تخلٍّ عن الواجبات. واجب الدولة، وأجهزتها الأمنية تحديدًا، هو القضاء المسبق على أي خطر قد يعرّض مصلحة لبنان للخطر، لا إدارة هذا الخطر أو التعايش معه بحجة “الاستقرار”.

لا يحتاج المرء إلى وثائق مسرّبة ليدرك أن لبنان بات نقطة ارتكاز لشبكات ترتبط بالداخل السوري، وأن بعض مناطقه تحوّلت إلى ملاذات محمية سياسيًا وأمنيًا. ما يُهمَسُ في الكواليس بات يُترجم ضغطًا دبلوماسيًا متصاعدًا، لأن الطرف الآخر يرى، عن حق، أن تجاهل لبنان لواجباته يوفّر الذريعة للقول: إذا كانت بيروت لا تحمي نفسها، فلماذا تُلام دمشق إن تحرّكت لحماية أمنها؟

الأخطر أن الدولة اللبنانية لا تُدرك أن الامتناع عن الفعل هو فعل بحد ذاته. حين تُسلَّم لوائح وأسماء إلى الأجهزة المختصة، وحين تمرّ الأشهر من دون أي إجراء، فهذا ليس “تعقّلًا”، بل قرار سياسي بالشلل. هذا الشلل لا يُفسَّر إلا بعقلية رهينة: رهينة توازنات داخلية، ورهينة سلاح خارج الدولة، ورهينة وهم أن الآخرين سيتحمّلون كلفة هذا العجز إلى ما لا نهاية.

ومن غير المقبول أن يتحوّل لبنان إلى أرض هشّة، يعيش فيها فلول نظام متّهم بجرائم ضد الإنسانية حياة شبه طبيعية، يرتشفون القهوة ويدخّنون الأركيلة في مقاهي العاصمة، فيما آخرون منهم يديرون غرف عمليات عسكرية وأمنية في البقاع الشرقي، تحت عناوين الحماية السياسية و“الظروف الحساسة”. هذا ليس حيادًا، بل انتحار بطيء. وليس سياسة ضبط نفس، بل سياسة نقل الخطر من لحظة إلى أخرى حتى ينفجر.

كان بإمكان لبنان أن يختار طريقًا مختلفًا، طريق الدولة التي تكافئ نفسها معنويًا قبل أن تكافئ الآخرين. تسليم شخصيات متّهمة بجرائم ضد الإنسانية لم يكن ليُضعف لبنان، بل كان سيُعيد تعريفه كدولة تحترم القانون الدولي، وتحمي نفسها عبر الشرعية لا عبر التسويات الرمادية. كان يمكن لهذا الخيار أن يشكّل رسالة واضحة: لبنان ليس مخزنًا للفلول، ولا منصة لتصفية الحسابات، ولا ساحة خلفية لأي محور.

بدلًا من ذلك، اختارت السلطة سياسة الإنكار. والإنكار، كما نعرف، لا يلغي الوقائع بل يراكمها. ومع تراكم الوقائع، تتدرّج الضغوط: من توتر سياسي، إلى إجراءات حدودية، إلى عقوبات اقتصادية، وصولًا إلى خنق كامل لبلد يعاني أصلًا هشاشة في اقتصاده وانكشافه الاجتماعي. كل هذا كان يمكن تفاديه بخطوة واحدة: أن تتصرّف الدولة كدولة.

الحياد الحقيقي لا يُبنى بالبيانات، بل بالأفعال. يُبنى حين تعلن الدولة أن أراضيها ليست ملاذًا آمنًا للمطلوبين، ولا منصة لأي صراع خارجي، ولا ساحة تُدار فيها الحروب بالواسطة. ويُبنى حين تفهم الأجهزة الأمنية أن دورها لم يعد “ضبط الإيقاع الداخلي”، بل حماية المصلحة الوطنية ضمن نظام دولي لا يعترف بالرماديات، ولا يتسامح مع الدول التي تخلط بين السيادة والمسايرة.

لبنان اليوم لا يُطالَب بالاصطفاف، بل بالتصرف كدولة. والتصرف كدولة يعني المبادرة لا التذرّع، الوقاية لا الانتظار، والاعتراف الصريح بأن عقلية الماضي لم تعد تحمي أحدًا، وأن كلفة عدم اتخاذ القرارات أصبحت أكبر بكثير من كلفة حسم أمور الدولة.