مدخل: القصيدة التي تنبأت بالتخلي
قبل سنوات، كتبت قصيدة "إيه لبنان" التي تقول:
"إيه لبنان
تركوك وقالو عنك حزينة
هم لا يريدون أن ينكأوا الجراح
أوقعوك في العشق
وقالوا بدينة
تحتاج إلى تمارين الصباح
...
سنتركك لحزنك
وعندما ينتهى العزاء
نعود نشاركك الأفراح !!"
اليوم، في يناير 2026، أعود إلى هذه القصيدة ليس كشاعر يحن إلى الماضي، بل كمحلل يرى فيها نبوءة تحققت جزئياً. فالتخلي المؤقت الذي صورته تحول إلى واقع معقد، لكن التقدم السياسي الأخير – بانتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة نواف سلام في 2025 – يفتح باباً للأمل. لبنان، الذي وصفته بالحزينة، يعيش الآن مرحلة انتقالية هشة بين الانهيار والاستقرار النسبي، مع نمو اقتصادي متوقع يتراوح بين 3-5%، لكنه لا يزال يواجه تحديات هيكلية عميقة.
من "حلوا عن ظهرنا" إلى شراكة المسؤولية
في يونيو 2022، كتبت مقال "حلوا عن ظهرنا" رداً على محاولات تحميل دول الخليج فشل سياسات الآخرين. واستشهدت بكلمات الكاتب اللبناني أمين الشيخ علي التي يقول فيها:
"مسكين يا هالبلد... مقسوم بين 14 وتماني
حلوا بقى عن ظهرنا
جهلكم عن جد بكّاني"
كانت رسالتي واضحة: المملكة العربية السعودية قدمت الكثير، لكنها ترفض أن تكون شماعة لفشل الآخرين. وثقت في كتابي "المملكة العربية السعودية وتنمية العالم الإسلامي" (2001) كيف أن المساعدات السعودية للبنان كانت غير مشروطة، تشكل نسبة عالية من الناتج القومي، وفي معظمها منحاً أو قروضاً بلا فوائد، مع سرعة صرف عالية.
لكن اليوم، في 2026، أدرك أن الرد الدفاعي لم يعد كافياً. مع التحولات الإيجابية في 2025، مثل انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة ملتزمة بالإصلاحات، يحتاج لبنان إلى رؤية مشتركة للإنقاذ، لا مجرد دفاع عن الماضي.
تشخيص الواقع: الاستقرار الهش بعد الانهيار
بناءً على التقدم السياسي في 2025، يعيش لبنان 2026 مرحلة "استقرار هش"، حيث تحولت الأزمة من انهيار حاد إلى إدارة مستمرة للتحديات، مع علامات إيجابية محدودة مثل نمو متوقع وجهود إعادة إعمار. وأستطيع أن أقول أن لبنان 2026 يعيش "تطبيعاً مع الانهيار" عبر أربعة محاور:
1. تحول الانهيار إلى نظام مستقر
لم تعد الأزمة اللبنانية حالة طارئة، بل أصبحت نظاماً قائماً بذاته. الدولة تآكلت لتصبح هيكلاً إدارياً شكلياً، بينما تتحكم شبكات طائفية وميليشيات في الخدمات والأمن. المجتمع تشظى ليس فقط طائفياً، بل طبقياً بين من يصلون للعملة الصعبة ومن يعيشون على هامش البقاء.
2. الأزمات الهيكلية المتشابكة
- أزمة السيادة: تقدم في نزع سلاح بعض المناطق جنوباً، لكن حصرية السلاح لا تزال متجمدة جزئياً.
- الانهيار الاقتصادي: خسائر مصرفية تقدر بأكثر من 70-82 مليار دولار، مع اقتصاد يعتمد على التحويلات، ومشروع قانون "الفجوة المالية" قيد المناقشة.
- استحقاقات 2026: انتخابات برلمانية قد تعزز الإصلاحات أو تكرس الجمود، مع ميزانية 2026 تركز على الإصلاحات.
3. السياسات الدولية: إدارة الأزمة لا حلها
من الاحتواء إلى الدعم المشروط المجتمع الدولي، بما فيه صندوق النقد الدولي، يدعم الإصلاحات لإعادة الإعمار (تقديرات خسائر تصل إلى 11-14 مليار دولار)، مع ضغط على احتكار السلاح.
4. التخلي العربي المتحول
تحول الموقف العربي من التخلي إلى توظيف الواقع اللبناني في حسابات إقليمية أوسع.
الرؤية السعودية الجديدة: من الإنقاذ إلى الشراكة في البناء
هنا تكمن الحاجة إلى تحول في الرؤية السعودية تجاه لبنان. فلا يكفي أن نرد بـ"حلوا عن ظهرنا"، ولا أن نكتفي بالمساعدات التقليدية. لبنان 2026 يحتاج إلى نموذج جديد، تؤكد فيها المملكة التزامها بدعم لبنان لكن عبر مقاربة جديدة، تشجع الإصلاح وتمنح الأولوية لسيادة الدولة وتعزيز مؤسساتها، ما يفتح المجال لشراكة أكثر توازناً واستدامة. وهذا ما تقدمه الرؤية السعودية وفق المحاور التالية:
1. من المساعدات إلى الشراكات الاستراتيجية
المساعدات السعودية التاريخية التي وثقتها يجب أن تتحول إلى:
- شراكات إنمائية مؤسسية: بدلاً من المنح المباشرة، استثمار في مؤسسات لبنانية قادرة على البقاء
- نقل الخبرة التنموية: تقديم نموذج الرؤية السعودية 2030 كخارطة طريق للإصلاح الاقتصادي
- استثمارات إنتاجية: تحويل الأموال إلى مشاريع تولد فرص عمل وتقلل الاعتماد على التحويلات
2. من التدخل الأمني إلى دعم السيادة
الرؤية السعودية ترفض منطق "الأمر الواقع" الذي تفرضه الميليشيات، وتعمل على:
- دعم مؤسسات الدولة الشرعية: التركيز على الجيش اللبناني والقضاء كرموز للسيادة
- دبلوماسية متعددة الأطراف: استخدام العلاقات السعودية الدولية لخلق توافق دولي حول سيادة لبنان
- رفض التوازنات الهشة: عدم التعامل مع لبنان كمجال للتنافس الإقليمي
3. من معالجة الأعراض إلى معالجة الجذور
كما أظهر تحليل الأزمات الهيكلية، الحل ليس في المسكنات:
- معالجة النظام المصرفي: تقديم الخبرة المالية السعودية في إصلاح المنظومة المصرفية
- دعم الإصلاح السياسي: تشجيع التعديلات الدستورية التي تقلل من الطائفية السياسية
- الاقتصاد المنتج: التركيز على قطاعات الطاقة والسياحة والزراعة بدلاً من اقتصاد الخدمات الهش
4. من التخلي العربي إلى الشراكة العربية الفاعلة
السعودية، بثقلها العربي، يمكنها قيادة تحول في الموقف العربي يقوم على:
- مبادرة عربية شاملة: بدلاً من الاتصالات الثنائية المحدودة
- تنسيق الموقف العربي: في المحافل الدولية تجاه لبنان
- ربط استقرار لبنان باستقرار المنطقة: كجزء من الأمن القومي العربي
يظل الأمر في النهاية منوط باللبنانيون أنفسهم، فهم من يتحمل مسؤولية أساسية في تنفيذ الإصلاحات الداخلية.
خاتمة: من "إيه لبنان" إلى "لبنان ينبعث من رماده"
قصيدة "إيه لبنان" صورت تخلياً، و"حلوا عن ظهرنا" دافعت عن موقف، ولكن لبنان 2026 يحتاج إلى أكثر من هذا. يحتاج إلى رؤية تحوّله من دولة منهكة إلى دولة قادرة على النهوض. وإلي قيادة جديدة وفرص إصلاح – يحتاج إلى شراكة حقيقية.
الرؤية السعودية، بثقلها التاريخي والأخلاقي والمالي، مؤهلة لقيادة هذا التحول. ليس من موقع الوصاية، بل من موقع الشراكة. ليس بمنطق "المنقذ"، بل بمنطق "الشريك في البناء".
السؤال في 2026 لم يعد "من سينقذ لبنان؟"، بل "كيف نشارك اللبنانيين في بناء وطنهم؟". الجواب يكمن في تحويل المساعدات إلى استثمارات، والتدخلات إلى شراكات، والمواقف الدفاعية إلى رؤية استباقية.
قصيدة جديدة يمكن أن تولد اليوم، عنوانها ليس "إيه لبنان"، ولا "حلوا عن ظهرنا"، بل "لبنان ينبعث من رماده.. بشراكة عربية أصيلة". وهذه الشراكة تبدأ من المملكة العربية السعودية، يلتقي فيها البعد العربي مع الواقعية السياسية السعودية ترسم فيها خارطة طريق لمستقبل مختلف، يقوم على الإصلاح، الشراكة، والسيادة الكاملة.























التعليقات