من الصعب التنبؤ بتداعيات سقوط النظام في طهران، ولكن هناك بعض السيناريوهات المحتملة لهذا الحدث التاريخي، إذا ما حدث.

إنَّ سقوط نظام الملالي في إيران سيكون أحد أكثر الأحداث الجيوسياسية دراماتيكية في مطلع القرن الحادي والعشرين. فالأمر لا يتعلّق بتغيير نظام إقليمي فقط، بل بزلزال عميق يصيب محورًا أيديولوجيًا وعسكريًا واستراتيجيًا أثّر لعقود طويلة في الشرق الأوسط، بل وفي العالم بأسره.

إيران في ظل حكم الملالي تُشكّل اليوم العمود الفقري لما يُعرف بـ «محور المقاومة»: حزب الله في لبنان، الميليشيات الشيعية في العراق، الحوثيون في اليمن، وحركتا حماس والجهاد الإسلامي في غزة. سقوط النظام في طهران قد يقطع شرايين التمويل والتوجيه والشرعية الأيديولوجية لهذا المحور. على المدى القصير، قد يسود إيران قدر من الفوضى: صراعات داخلية على السلطة، تفكّك في مؤسسات الحكم، وربما محاولات من قوى متطرفة للسيطرة على أصول استراتيجية. إلا أن المدى المتوسط والبعيد قد يشهدان دخول المنطقة مرحلة جديدة، أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية.

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن التداعيات مزدوجة. من جهة، قد يتراجع أو يختفي التهديد الاستراتيجي الأعلى المتمثّل في إيران نووية معادية تقود جبهة متعددة الساحات. أي ضربة في قلب المنظومة الإيرانية ستنعكس مباشرة على حزب الله وبقية أذرع طهران، وستحدّ من قدرتها على خوض حرب استنزاف طويلة. ومن جهة أخرى، فإن مرحلة طويلة من عدم الاستقرار في إيران قد تكون خطرة، فالأنظمة المهدَّدة تميل إلى سلوك غير عقلاني، وإغراء «حرق الطاولة» عبر التصعيد الإقليمي يظل قائمًا.

على المستوى الإقليمي، ستضطر الدول العربية السنية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات ومصر، إلى إعادة صياغة عقيدتها الأمنية. تلاشي التهديد الإيراني بصيغته الحالية قد يسرّع مسارات التطبيع، ويعزّز التعاون الاقتصادي، وربما يؤدّي إلى بلورة منظومة أمن إقليمي جديدة تكون إسرائيل فيها لاعبًا مركزيًا وشرعيًا.

أما على الصعيد العالمي، فسقوط النظام الإيراني سيؤثّر في أسواق الطاقة، وفي توازن القوى بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وفي مستقبل أنظمة العقوبات. إيران ما بعد حكم الملالي قد تعود تدريجيًا إلى المنظومة الدولية، ما سيهزّ مصالح قائمة ويخلق فرصًا جديدة، إلى جانب منافسة محتدمة على النفوذ.

وماذا عن فرص السقوط نفسها؟ التطورات الأخيرة، من احتجاجات متكرّرة، وأزمة اقتصادية خانقة، وتصدّعات داخل النخب الحاكمة، وتآكل الشرعية الشعبية، تشير إلى نظام أضعف مما كان عليه في السابق. ومع ذلك، لا تزال أجهزة القمع فاعلة، ولا يزال الحرس الثوري يحافظ على قدر ملحوظ من الولاء. لذلك، فإن انهيارًا فوريًا ليس مؤكّدًا، لكن سيناريو التآكل التدريجي وصولًا إلى نقطة الانكسار يبقى احتمالًا واقعيًا.

السؤال ليس إن كان التغيير قادمًا، بل كيف ومتى وبأي قدر من الشدّة. وبالنسبة إلى إسرائيل والعالم، فإن الاستعداد لليوم التالي لا يقل أهمية عن متابعة ما يجري اليوم.