تُعدّ إيران حجر زاوية في الجيوسياسة الشرق أوسطية، ليس فقط بسبب حجمها الجغرافي وبنيتها الديموغرافية، بل لكونها نظامًا استطاع على مدار عقود بناء شبكة معقّدة من النفوذ تمتد من المتوسط إلى الخليج. لذا فإن الحديث عن «سقوط النظام» في طهران ليس مجرد حدث محلي، بل هو احتمال يحمل في طيّاته بذور إعادة تشكيل شاملة للخارطة الإقليمية، وفي حال حدوث هذا الانهيار تبرز ثلاثة سيناريوهات كبرى، لكل منها ارتدادات زلزالية تتجاوز الحدود الإيرانية:
سيناريو الانهيار الداخلي: الحرب الأهلية والتفتّت العرقي
هذا هو السيناريو الأكثر رعبًا لصنّاع القرار في دول الجوار، حيث تتحوّل إيران من «دولة صعبة» نتعامل معها إلى «ساحة فوضى» لا يمكن احتواؤها. ومن هنا، من خلال قراءة معمّقة لديناميكية الصراع العرقي، إن إيران ليست دولة متجانسة، فهي فسيفساء من القوميات «فرس، أذريون، أكراد، عرب، بلوش». وسقوط المركز في طهران سيعيد إحياء النزاعات القومية الخامدة على الجغرافيا الإيرانية. وفي الغرب قد يسعى الأكراد لاتصال جغرافي مع أشقّائهم في العراق وسوريا، مما يهدّد وحدة ثلاث دول كبرى. أمّا في الجنوب الغربي «الأهواز»، منطقة النفط الاستراتيجية، سيصبح الصراع عليها دوليًا نظرًا لأهميتها الطاقوية. وفي الجنوب الشرقي «بلوشستان» ستتصاعد المطالب بالاستقلال، مما يجرّ باكستان وأفغانستان إلى أتون النزاع. كما أن سقوط نظام الملالي قد يحوّل الميليشيات إلى «أمراء حرب»، حيث يمتلك النظام الحالي هيكلًا عسكريًا موازيًا «الحرس الثوري والباسيج»، وفي حال غياب القيادة المركزية لن تتلاشى هذه القوات، بل ستتحوّل إلى ميليشيات مناطقية تقاتل من أجل البقاء والسيطرة على الموارد، مما يحوّل إيران إلى نسخة «موسّعة» ومرعبة من المشهدين السوري والليبي. هذا السيناريو سيكون له تداعيات على الخليج العربي، ويعني هذا السيناريو «انفلات الحدود»، وستتحوّل السواحل الإيرانية إلى منصّات للتهريب والقرصنة مع تدفّق موجات هائلة من اللاجئين عبر البحر، بالإضافة إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي في مضيق هرمز الذي سيصبح ساحة اشتباك لميليشيات غير منضبطة.
سيناريو التدخّل الروسي: «الزحف من الشمال»
روسيا لا تنظر إلى إيران كحليف أيديولوجي، بل كـ «عمق استراتيجي» وجدار حماية يمنع تمدّد نفوذ الناتو إلى حدودها الجنوبية. وإذا استشعرت موسكو أن النظام ينهار لصالح بديل موالٍ للغرب، فلن تقف مكتوفة الأيدي. فبحر قزوين يوفّر لروسيا طريقًا لوجستيًا آمنًا للتدخّل السريع، وأهداف روسيا ستكون واضحة، أهمها تأمين مفاعل «بوشهر» النووي واستثماراتها في قطاع الغاز، واقتطاع «مناطق نفوذ» في الشمال لضمان بقاء ممر «شمال-جنوب» التجاري تحت سيطرتها. وهذا التدخّل قد يحوّل الأراضي الإيرانية إلى ساحة صدام دولي مباشر أو بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة، فالمسافة القصيرة بين سواحل بحر قزوين وطهران تجعل الزحف الروسي جنوبًا احتمالًا تقنيًا ميسّرًا، مما يضع المنطقة بأسرها فوق فوهة بركان لصراع قوى عظمى.
سيناريو الانقلاب العسكري: «تغيير الرأس للحفاظ على الجسد»
يهدف هذا السيناريو إلى تجنّب الفوضى الشاملة عبر عملية جراحية سياسية، وغالبًا ما تكون بضوء أخضر دولي. قد يحرّك قادة من الجيش النظامي أو جناح «براغماتي» من الحرس الثوري للاستيلاء على السلطة تحت شعار «حماية الأمن القومي». وهذا الانقلاب قد يحظى بمباركة أميركية سرّية إذا ضمنت واشنطن التخلّي عن الطموح النووي وكفّ يد الميليشيات الإقليمية مقابل رفع العقوبات وضمان استمرارية الدولة. وبالرغم من أن هذا السيناريو قد يبدو «أهون الشرور» لدول الخليج لأنه يحافظ على وحدة الدولة، إلا أن استقراره يظل محلًّا للشك. فتاريخ إيران «مثل انقلاب 1953» يثبت أن الحلول المفروضة من الأعلى قد تولّد انفجارات شعبية لاحقًا. كما يبقى السؤال قائمًا: هل ستكون القيادة العسكرية الجديدة أقل عدائية، أم أنها ستمارس «هيمنة قومية» بأسلوب أكثر كفاءة وخطورة من الأسلوب الديني؟
خلاصة القول إن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذه السيناريوهات ليست معزولة، فقد تبدأ باضطرابات داخلية وتفتّت «السيناريو الأول»، مما يستدعي تدخّلًا روسيًا لحماية المصالح «السيناريو الثاني»، وقد يدفع هذا الجيش للقيام بانقلاب لإنقاذ الدولة من التلاشي «السيناريو الثالث». أمّا بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الحقيقة المرّة هي أن «إيران مستقرة ومسؤولة» هي الخيار الأفضل، فأي اختلال في توازن هذه الكتلة الجغرافية الكبيرة سيؤدي حتمًا إلى موجات ارتدادية أمنية واقتصادية وديموغرافية تصيب ضفّة الخليج الأخرى وتغرق المنطقة في عقود من عدم اليقين.
























التعليقات