في فضاءٍ يُفترض أن يكون منارةً للمعرفة، يدخل الأستاذ الجامعي مثقلاً بأعباء البيت وصراعات السياسة، ليضعها أمام الطلبة كما لو كانوا شهودًا في محكمة شخصية أو أعضاء في حزبٍ متناحر. القاعة التي ينبغي أن تكون محرابًا للدرس تتحول إلى ساحةٍ للبوح والانفعال، حيث تُستبدل المفاهيم العلمية بأحاديث عن خلافات زوجية، وتُستبدل النظريات الأكاديمية بخطابات حزبية مشبعة بالطائفية.
الجامعة، في جوهرها، ليست جدرانًا ولا قاعات، بل هي محرابٌ مقدّس للعلم، فضاءٌ يُفترض أن يتطهّر من سلوكيات السلطة والأنانية. هي المكان الذي يُصاغ فيه عقل الإنسان، ويُبنى فيه وعي المجتمع، حيث يقف الأستاذ قدوةً ومثالًا، لا مجرد موظفٍ يكرّر ما يُملى عليه.
لكننا اليوم نرى ما لم نره بالأمس؛ إذ انزلقت بعض الجامعات في وحل الدمج والمحاصصة، ففقدت قدسيتها، وظهرت نماذج من "شعيط ومعيط" الذين استعاروا سلوكيات السياسي والبرلماني، يدخلون الحرم الجامعي كما يدخل زعيمٌ إلى ساحة نفوذ، بسيارات مدرعة وجيوش من الحمايات، وكأن الجامعة ساحة صراع لا فضاءً للعلم.
في جامعة حكومية معروفة، لا يقبل عميدها أن يترجّل من سيارته إلا باستقبال رسمي، وأن يُفتح له باب السيارة وتُحمل حقيبته إلى مقر إقامته. منصب لم يكن ليحلم به لولا المحاصصة اللعينة التي أبعدت رجل العلم الحقيقي، وجاءت بالإداري البليد الذي لم يعرف يومًا معنى أن يكون عميدًا.
الأستاذ الجامعي ليس ناقلًا للمعلومات فحسب، بل هو مربٍّ وقدوة، يحمل على عاتقه مسؤولية تشكيل وعي الطلبة وصياغة شخصياتهم. لكن حين ينزلق إلى التزلّف أو الكذب أو التزوير، أو يستعرض بطولاته الشخصية، يسقط سريعًا من مقام القدوة، ويتحوّل إلى صورة مشوّهة في أعين طلبته.
في قاعة يُفترض أن تكون محرابًا للعلم، يطلّ أستاذ جامعي لا يعرف حدود دوره، فيحوّل المحاضرة إلى جلسة فضفضة شخصية. يبدأ بسرد مشكلات بيته بالتفاصيل الدقيقة: خلافات مع زوجته، شكاوى من أولاده، وحتى قصص عن الجيران، وكأن الطلبة جاؤوا ليكونوا لجنة إصلاح اجتماعي لا طلاب علم. ثم يضيف إلى ذلك نكهة سياسية وطائفية، فيغرق القاعة بخطابات حزبية وصراعات لا تنتهي، يوزّع الاتهامات كما يوزّع المدرّس أوراق الامتحان، ويحوّل المحاضرة إلى منبر حزبي صغير.
وما يزيد المشهد عبثًا أن الأستاذ يقرأ محاضرته من كتاب بالتهجئة، يتوقف عند كل كلمة وكأنه يتعلّم القراءة من جديد، بينما الطلبة يراقبون هذا الأداء البائس بعيون نصف مغلقة. ساعات المحاضرة تضيع في تكرارٍ لا معنى له، في حين أن العلم يظل خارج الباب ينتظر من يفتح له الطريق.
ولعل أكثر المشاهد هزلية ما حدث في إحدى القاعات الجامعية من قصة واقعية: كان الطلبة ينتظرون محاضرة تُثري عقولهم، فإذا بالأستاذ يحوّل القاعة إلى مسرح شخصي، يخلط فيه بين العلم وأحاديثه الخاصة، وبين مقام الأستاذية ومقام الاستعراض. وما هي إلا لحظات حتى يفاجئهم بادّعاءٍ غريب: إذ يعلن أنه "صديق ترامب"، وأنه قادر على التحدث معه مباشرة. يرفع هاتفه أمامهم متصنّعًا الاتصال، ثم يقول بكل ثقة: "ترامب مشغول الآن". مشهد يليق بمسرحيات الهواة لا بمحراب الجامعة، ويكشف إلى أي حد يمكن أن ينحدر الأستاذ حين يخلط بين رسالته الأكاديمية وادّعاءاته الشخصية.
المفارقة أن الأستاذ يظن نفسه أذكى من الجميع، بينما الطلبة الذين يعيشون في زمن "الترند" أسرع منه بسنوات ضوئية. هم يدركون أن الهاتف الذي يرفعه لا يتصل إلا بالفراغ، وأن ادّعاءاته لا تساوي أكثر من نكتة رديئة. يبتسمون في سرّهم، ويتركونه يتحدث إلى "ترامب المشغول"، غير مدرك أن ذكاء الطلبة سبق ادّعاءاته، وأنه في نظرهم مجرد شخصية كاريكاتورية تثير السخرية أكثر مما تثير الاحترام.
























التعليقات