لطالما قيس مفهوم القوة في الشرق الأوسط بمعايير تقليدية: حجم الجغرافيا، كثافة الموارد، أو فائض النفوذ العسكري. غير أن التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم اليوم تفرض قراءة مختلفة لمعنى السيادة والقدرة على الفعل. فالعنصر الحاسم لم يعد «ما تملكه» الدولة، بل متى وكيف تُفعِّل ما تملكه. هنا يبرز «الزمن السياسي» بوصفه المتغير السيادي الجديد الذي يفصل بين دولة تصنع الحدث، وأخرى تكتفي برد الفعل.
إقليم لا ينتظر
الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم كثافة في الأحداث وتسارعًا في التحولات. الأزمات لا تنضج ببطء، بل تنفجر فجأة، وتفرض إيقاعها على الجميع. في مثل هذا السياق، تصبح البيروقراطية الطويلة، أو التأخر في اتخاذ القرار، عبئًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن نقص الموارد.
الدولة التي تدرك التحول بعد اكتماله، أو تتخذ القرار بعد انقضاء لحظته، تكون قد فقدت جزءًا من سيادتها العملية، حتى وإن احتفظت بكل أدوات القوة التقليدية.
من زمن الساعات إلى زمن الأثر
ثمة فارق جوهري بين الزمن الذي تقيسه الساعات، والزمن الذي تقيسه السياسة. الأول تعاقبي، محايد، يمضي على الجميع بالتساوي. أما الثاني فهو وظيفي، يُقاس بقدرة الدولة على تحويل الإدراك إلى قرار، والقرار إلى أثر.
كثير من دول الإقليم امتلكت الرؤية، لكنها أخفقت في التوقيت. والنتيجة أن قرارات صحيحة اتُّخذت متأخرة، فأنتجت أثرًا محدودًا، أو تكلفة مضاعفة، أو خسارة فرصة لا تُعوَّض.
الرياض ونموذج الرشاقة السيادية
في هذا المشهد، تبرز الرياض كنموذج مختلف في إدارة الزمن السياسي. فالتحولات التي تشهدها المملكة لا تقوم على تسريع الخطاب، بل على ضغط الفجوة بين الإشارة والفعل، أي الانتقال السريع من رصد التحول الإقليمي أو الدولي، إلى اتخاذ القرار وتنفيذه قبل أن تتبدد نافذة الفرصة.
ضمن هذا الإطار، يكتسب مفهوم «الرشاقة السيادية» دلالته، حيث تُقاس قوة الدولة بقدرتها على ضبط إيقاعها الداخلي، وتنسيق أدواتها، والعمل بوصفها منظومة واحدة لا أجهزة متنافرة.
الزمن كمعيار للأداء
في الرؤية التحليلية الحديثة، لا يكفي توصيف هذا التحول، بل يجب قياسه. ولهذا يبرز ما يمكن تسميته بـ «مؤشر الزمن السياسي»، الذي يركز على أربعة عناصر أساسية:
سرعة التقاط الإشارات السياسية والاقتصادية.
تقليص المقاومة المؤسسية أمام القرار.
كفاءة التنفيذ وتحويل القرار إلى واقع ملموس.
الحفاظ على الأثر قبل أن تفقد اللحظة معناها.
هذه العناصر لا تعكس فقط جودة القرار، بل توقيته، وهو ما يشكل جوهر السيادة المعاصرة.
الاتساق الداخلي والسيادة الرقمية
لا يمكن لأي دولة أن تتحكم في زمنها السياسي إذا كان جهازها المؤسسي يعمل بإيقاعات متباينة. الاتساق الداخلي بين المؤسسات شرط أساسي لتسريع الفعل السياسي وتقليل الاحتكاك الذي يستهلك الطاقة الوطنية.
وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، تبرز الأدوات الرقمية والقدرات التحليلية بوصفها عنصرًا مساعدًا في ضبط الإيقاع، لا بديلاً عن القرار السياسي، بل داعمًا له في الزمن الحقيقي.
خلاصة المشهد
تُعلِّمنا التجربة التاريخية في الشرق الأوسط أن الدول لا تبدأ بالتراجع عند نفاد مواردها، بل عند فقدانها القدرة على الحركة في الوقت المناسب. المخزون الذي لا يُدار بالزمن يفسد، والفرص التي لا تُلتقط في لحظتها تتحول إلى أعباء.
ما تشهده الرياض اليوم ليس مجرد إعادة تموضع اقتصادي أو دبلوماسي، بل إعادة هندسة للزمن السياسي في إقليم مضطرب. فالسيادة في عالم السيولة لم تعد تُعلن، بل تُمارس بصمت، عبر قرار دقيق، وتوقيت محسوب، وإيقاع تفرضه الدولة قبل أن يفرضه الآخرون.
























التعليقات