لا شكّ أن صدور وثيقة الأمن القومي الأميركي الأخيرة قد شكّل نقطة تحوّل في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وكنت قد تناولتها في مقال سابق، وأشرت فيه إلى أن ما سيأتي ليس كما سبق، وأعتقد أن هذا ما يحدث الآن. وبالأمس قرأت مقالًا للعزيز الأستاذ بكر عويضة في جريدة الشرق الأوسط تحت عنوان «عام ترامب بدأ مزلزلًا»، تحدّث فيه عمّا حدث للرئيس مادورو، وأنه لا أحد يمكنه أن يتوقع ماذا سيفعل ترامب، حتى أقرب المقرّبين. وأوافقه الرأي، وأنه ليس من السهل أن نتوقع ما سيقوم به، ولكنني أرى أيضًا أنه لكي نكون دقيقين، يجب أن نفهم عقلية الرجل، وأن نتقمّص شخصيته، لنكون قادرين على التوقع بشكل أفضل.

إن ما يحدث الآن، من وجهة نظري، هو عبارة عن تحوّل في النظام الداخلي الأميركي أولًا، والذي سيؤدي، بما لا يدع مجالًا للشك، إلى تغيّر النظام العالمي برمّته. فسياسة الرئيس ترامب الداخلية، والتي يعكسها شعار «أميركا أولًا»، اعتمدت في الأساس على التخلّص من البيروقراطية، وأيضًا من اللوبي الصهيوني القوي المسيطر على صنّاع القرار في مجلسي الكونغرس والشيوخ، والذي يُدار عبر مؤسسة الأيباك، وذلك عبر الأوامر التنفيذية التي بلغ عددها خلال عام 2025 ما يفوق 220 قرارًا. وبالتالي أفقدها ذلك الكثير من قوتها في السنة الأولى من حكمه، وأدّى إلى ما يمكن القول عنه إنه تهميش للنخبة الصانعة للقوانين والمسيطرة على مفاصل الحكم، والتي كانت واقعة بشكل مطلق تحت سيطرة البيروقراطية من جهة، واللوبي الصهيوني من جهة أخرى، ولا تخدم الشعار المطروح.

وينطبق هذا كذلك على التخلّص من عبء ملفات إبستين عبر نشرها، والتي كانت تُستعمل كأداة في التهديد والسيطرة على عدد كبير من النخب في أميركا والعالم. وأيضًا عبر سياسة مالية داخلية قوية، فمن حرب الرسوم الجمركية في محاولة تعديل الميزان التجاري مع العالم، إلى تخفيض النفقات بشكل مذهل، وإعادة الاستثمار القوي في المجال العسكري ومجال الذكاء الاصطناعي، أدّت كلها إلى إذعان الفيدرالي الذي خفّض الفائدة عدة مرات، وربما لا تزال مرشّحة للانخفاض بشكل أكبر خلال السنة الجديدة. وكذلك فإن إلغاء وكالة التنمية الأميركية، والانسحاب من 66 منظمة تابعة للأمم المتحدة، يصبّ في السياق نفسه.

أما على الصعيد الدولي، فإن انخراط الولايات المتحدة في مجمل الملفات الدولية، ولكن بشكل وأدوات مختلفة، بدأ يؤتي أكله، وسيكون هناك المزيد خلال السنة الجارية لتثبيت سطوتها وقوتها. فمن موضوع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ومحاولة معالجته بشكل مختلف، مرورًا بموضوع السلام بين أرمينيا وأذربيجان، والكونغو الديموقراطية ورواندا، إلى وقف الحرب في غزة وتثبيت ذلك في قرار لمجلس الأمن، إلى سحب ذرائع إسرائيل فيما يتعلق بالموضوع الإيراني، بعد ضرب المفاعلات النووية، وتغيير الأسلوب في التعاطي معها إلى ما يشبه بدايات الثورة السورية بعد إسقاط نظام الأسد، يشي بالكثير مما سنلمسه في قادم الأيام. كذلك الحال بالنسبة إلى لبنان، والسودان، واليمن، وغيرها من الملفات الإقليمية في الشرق الأوسط.

وقد وصل الأمر في السنة الجديدة إلى القبض على رئيس دولة وزوجته من داخل بلادهما، واقتيادهما إلى الولايات المتحدة لمحاسبتهما على ما تم الادعاء به من جرائم بحقهما. كل هذا يجعلنا نقول إن هذا الرجل لا يغيّر كل القواعد السياسية والدبلوماسية التقليدية فحسب، بل يضع قواعد جديدة، معتمدة على القوة والسيطرة، تمامًا كما ورد في وثيقة الأمن القومي، وإن كان لا يتفق معها كثيرون. ولكن من وجهة نظري، أرى أن التغيير بحد ذاته شيء إيجابي، وأن القواعد الجديدة للعبة تتطلب مهارات من نوع مختلف، وذكاءً حادًا، وقدرة عالية على استقراء الأحداث والمستجدات، والتعاطي معها بأسلوب جديد لتجنّب السقوط والحفاظ على الوجود.

وفي الختام، أقول إن التغيير هو سنّة الحياة، ومن لا يتغيّر فهو لا شكّ هالك. وإن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال قوية لأنها تؤمن بهذا، بغضّ النظر عن الأداة. وعلينا نحن أيضًا أن نتغيّر، ونتخلّص من أعباء ثقيلة كبّلتنا لعقود طويلة، وأن هذه المرة يجب أن نكون فاعلين ومؤثرين في صنع القرار، وألا ننتظر أن يُملى علينا، أو أن نتمسّك بشعارات فارغة كما يفعل البعض، بل يجب أن نسعى نحن للتغيّر قبل أن يُفرض علينا، وهذا ينطبق على الجميع من دون استثناء.

وكما قال ستيف جوبز: «الأشخاص المجانين بما يكفي للاعتقاد بأنهم قادرون على تغيير العالم هم الذين يفعلون ذلك».