تكثر التحليلات والتمنيات بتكرار مشهد «الغارة الترامبية» على كاراكاس في طهران، ووصل البعض حد القناعة بأن الولايات المتحدة بصدد شن عملية عسكرية واسعة لاقتلاع نظام الملالي، مستفيدةً من حالة السخط الشعبي الداخلي.

صحيح أن إيران بددت على مدى عقود محاولات زرع الاستقرار في المنطقة، وأفشلت محاولات عدة لخلق بيئة ثقة مع جيرانها، لكن الصحيح أيضًا أن ثمة عوامل أخرى كان لها الدور المحوري في تثبيت حالة الفوضى في الشرق الأوسط، وفي طليعتها الأطماع الإسرائيلية.

إيران اليوم بين فكي ثورة «جياع الثورة» والضغط الأميركي للدخول إلى بيت الطاعة.

الرجل الأقوى في الأرض، دونالد ترامب، هو أيضًا قائد الصفقات الكبرى فوق التناقضات البسيطة. يدرك من أين يؤكل كتف الاستحواذ، وكيف تصب فواتير بقاء الأنظمة في قناة «أميركا أولًا»، وهو الشعار الذي اختاره لحملته الانتخابية.

هي حسبة على مقياس «الريختر الدولاري»: أيهما أنجع، سقوط النظام، أي نظام، أم خنوعه؟ ومن هنا تُحدَّد درجات الاهتزاز الداخلي.

ثبت عُرفيًا أنه من رحم الأزمات تبزغ الحلول والمفاجآت. وفي تقدير أوساط سياسية عربية، فإن «تغيير النظام في إيران غير وارد حاليًا، وأن التهديد مرشح لأن يتوج بضربات نوعية وتكرار سيناريو الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان». ولم تغفل الأوساط ما أسمته «حراكًا جديًا خلف الكواليس للتوصل إلى صيغة صفقة ترضي الغرور الأميركي وتحفظ ديمومة النظام، مع إدخال تغييرات تجميلية على نظام الملالي».

تدرك واشنطن أن إيران ليست فنزويلا لاعتبارات عدة أبرزها:

- نظام الحكم في إيران قائم على العقيدة المسيجة بقومية متجذرة في أعماق التاريخ. قد تطيح قوة النيران الأنظمة، لكن أخطار تفجر الغلو الطائفي أمر وارد، وبالرغم من هزيمة محور «وحدة الساحات» بقيادة طهران، إلا أن واقع الحال يكشف بأن القرار الأممي المسلح بشراسة القوة الإسرائيلية لم ينجح حتى الآن في نزع سلاح أذرع إيران في المنطقة. صحيح أن الشعب الإيراني يستحق حياة أفضل، والمنطقة تواقة إلى الاستقرار، لكن واقع الحال يشي بأن الأمور لا تسير بهذه السلاسة.

- لا تزال واشنطن بحاجة إلى النفوذ الإيراني لإنهاء ملف سلاح الفصائل الموالية لطهران في العراق، فهذا الملف جزء لا يتجزأ من عملية ترتيب بيت الشرق الأوسط الجديد.

- لكل من الصين وروسيا مصالح استراتيجية وجودية في المنطقة، وهما لن يوافقا على تغيير لا يلبي مصالحهما العليا، أيا كانت الإغراءات التي يمكن أن تقدم لهما على الطبق الأميركي.

ثمة من يحذر من تسونامي، أي انهيار سريع للنظام في إيران، على منطقة تعج بالمتغيرات، بالرغم من أن الساسة في واشنطن وطهران اعتادوا عادة أن يلتقوا عند تقاطع اقتناص الفرص والتقاط الحلول في المراحل الحرجة، فكلاهما يجيد عملية تمرير الحلول على تخوم الحرب.