من الواضح أن النظام الإيراني يتابع عن كثب تغطية ومتابعة وسائل الإعلام الدولية للأوضاع بالغة التوتر الجارية في سائر أرجاء إيران، ولا سيما بعد أن تجاوزت الاحتجاجات الجارية منذ أواخر كانون الأول (ديسمبر) من العام المنصرم حدود المطالب المعيشية، وصارت ذات طابع سياسي لا سبيل إلى إنكاره، ولا سيما من حيث الهتافات المعادية ضد شخص الولي الفقيه خامنئي.
ولعل ما زاد من قلق النظام هو تكرار مواجهات حامية بين المحتجين وبين القوات الأمنية في مدن مختلفة من إيران، وكذلك الهجمات التي تُشن على مراكز أمنية ودينية. وكما هو واضح وسائد من حيث تصدي السلطات الإيرانية للاحتجاجات الجارية وكيفية مواجهتها والتصدي لها، فإنها تتراوح بين السعي لكبح جماحها من خلال ممارسات قمعية سقط لحد الآن أكثر من 50 قتيلاً بحسب الأرقام المعلنة رسميًا، وبين اتهامات لدول أخرى، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو في الأغلب نظرية، بإثارتها، لكن لا يبدو لحد الآن تمكن طهران من تهدئتها وعدم السماح بتوسع دائرتها.
الحالة التي تبدو عليها المؤسستان العسكرية والأمنية للنظام، وبشكل خاص من حيث استنفارهما، وفي ظل أحداث وتطورات إقليمية ودولية، والتطور الذي طرأ على موقفي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، من حيث دعمها للاحتجاجات والمطالبة بعدم استخدام القوة، بل وحتى التحذير من استخدامها كما حصل في الموقف الأميركي، زادت من القلق الإيراني، ولا سيما أن هناك معلومات تشير إلى احتمال حدوث مواجهة مع إيران. كل هذا يسبغ على الاحتجاجات السائدة في إيران طابعًا ونمطًا وسياقًا مختلفًا عن الذي كان سائدًا خلال الاحتجاجات السابقة.
في الاحتجاجات السابقة، كان هناك أكثر من مجال للنظام للمناورة وإبراز العضلات بوجه المحتجين. وعلى سبيل المثال، لم تكن تتمحور فقط في استخدام القوة لإخمادها، وإنما كانت هناك جموع من أنصار النظام يتم إنزالهم إلى الشوارع وهم يهتفون لصالحه. لكن هذه المرة لم يعد الأمر كذلك، بل إن الهتافات يتم ترديدها داخل قاعات مغلقة ومن قبل أعداد محددة من أنصار النظام، كما حدث خلال الخطاب الأخير لخامنئي، وهو أمر يجب ملاحظته وأخذه بنظر الاعتبار، إذ يبدو واضحًا تخوف النظام، ولو حاليًا، من القيام بمثل هذه المناورة في الشوارع والساحات، لأنها قد تنعكس سلبًا عليه، وقد ترفع من سخونة الاحتجاجات وتدفع بها إلى مواجهات قد تزيد الطين بلة.
في معظم المواجهات السابقة، لم يكن خوف النظام وقلقه قد وصلا إلى الحد الذي هما عليه الآن، ولا سيما أنه، ومع مرور الأيام، كانت الأمور تسير لصالحه في ظل أوضاع دولية تتسم بالصمت تجاه ما يجري داخل إيران، وهو ما كان يساعد على سلامة جرة ولاية الفقيه. لكن في الاحتجاجات الحالية، التي تزداد سخونة واتساعًا مع مرور الأيام، وهي تستعد لدخول أسبوعها الثالث، ومع موقف دولي غربي مختلف تمامًا عن الحالات السابقة، يتعزز الاقتناع بأن الشعب الإيراني لن يُترك هذه المرة لوحده في مواجهة استخدام النظام للعنف المفرط ضده، خصوصًا أن طهران باتت تعلم جيدًا جدية ترامب في تهديداته.
فرض المحال ليس بمحالًا. فحتى لو تسنى للنظام الخروج بسلام من هذه الاحتجاجات، ولا سيما من خلال صفقة دولية، فإنه لن يتمكن من التصرف كما كان قبل اندلاع الاحتجاجات، كما حدث بعد فقدان حركة حماس وحزب الله اللبناني لقوتهما العسكرية، وسقوط نظام بشار الأسد. وهو ما سيجعل النظام أشبه ما يكون بطير جارح منتوف الريش، أو حتى أشبه ما يكون بسيزيف من حيث حصره في التحرك ضمن دائرة مغلقة ومحددة. وهذا يعني بالضرورة وضعه لقمة مستقبلية سائغة أمام الشعب الإيراني عند أول احتجاجات جديدة.
























التعليقات