لا يأتي الاستنزاف دفعةً واحدة، ولا يترك أثره فجأة؛ إنه يتشكّل على مهل، كقطرةٍ ثابتة تنحت الصخر دون ضجيج. يبدأ بسيطًا، في تفاصيل تُعدّ عادية، ثم يتراكم حتى يغدو عبئًا لا يُرى، لكنه يثقل الروح ويُربك المعنى.
في الحياة المعاصرة، لا يُنهك الإنسان ما يواجهه من أحداث كبرى بقدر ما تُنهكه الجزئيات المتلاحقة: مطالب لا تنتهي، تواصل دائم، توقّعات متزايدة، ومسؤوليات تتكاثر دون فسحة كافية للالتقاط. كل يوم يُشبه سابقه، غير أن الداخل لا يبقى على حاله؛ إذ يفقد شيئًا من اتزانه مع كل عبور.
هذا التآكل الصامت لا يُعلن عن نفسه بالتعب الظاهر، بل بالفتور الخفي؛ حين تخفّ الرغبة، وتبهت الدهشة، ويغدو الأداء عادةً بلا حضور. لا يشعر الإنسان أنه منهك، لكنه يدرك أن شيئًا ما يتراجع في العمق: صفاء الفكرة، طمأنينة الشعور، أو القدرة على الاستمتاع بما كان يمنحه المعنى.
وتزداد حدّة هذا الحمل الخفي حين يُطالَب الفرد بالثبات الدائم، وكأن التعب استثناء لا يُسمح به. فالصورة الاجتماعية للتماسك تُجبر كثيرين على مواصلة السير وهم مثقلون، فيتحوّل الجهد من فعلٍ منتج إلى عبءٍ صامت. هنا لا يُرهق العمل وحده، بل إرغام النفس على التماهي مع إيقاع لا يراعي حدودها.
ولا يقتصر هذا الاستنزاف على الجهد البدني، بل يمتد إلى المجال النفسي؛ إذ تُضعف العلاقات غير المتوازنة، والحوارات المبتورة، وضغط المقارنة، قدرة الإنسان على البقاء حاضرًا مع ذاته. فيغدو الانشغال الدائم وسيلةَ هروب، لا علامةَ إنجاز.
إنَّ التعامل مع هذا الإنهاك المتراكم لا يكون بالمواجهة الصاخبة، بل بالوعي الهادئ: أن يُعيد الإنسان النظر في إيقاعه، وأن يميّز بين ما هو ضروري وما هو مُنهِك، وأن يمنح نفسه حق التوقّف دون شعور بالذنب. فالحياة لا تُقاس بطول ما نحتمله، بل بقدرتنا على الاستمرار دون أن نفقد أنفسنا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر صدقًا: هل نعيش أيامنا أم نذوب فيها بصمت؟
























التعليقات