بعد مرور عامٍ كاملٍ على انتخابه، خرج رئيس الجمهورية جوزف عون في مقابلة أرادها «جردة حساب» لعهدٍ جديد؛ لكن ما سمعناه لم يكن جردة بقدر ما كان إعادة تدويرٍ للوعود، واستغلالًا للوقت، وتلطيفًا لجوهر المعضلة اللبنانية: سلاحٌ خارج إطار الدولة يبتلع هذه الدولة، ومن ثمّ عليها أن تُقنعنا بأنها «تستعيد هيبتها».

في المقابلة، بدا الرئيس حريصًا على تثبيت سردية مفادها أن القرار اتُّخذ، وأن التنفيذ يكون «وفق الظروف» و«وفق إمكانيات الجيش» و«وفق العوائق الجغرافية»؛ وأن المطلوب أفعال واقعية لا انفعالات. حسنًا، الواقعية ليست غطاءً سياسيًّا للتهرّب من الاستحقاق. والظروف ليست قدرًا طبيعيًّا، بل هي نتيجة توازنات تُدار بعقلية «الاحتواء» لا بعقلية «الإنهاء»، والفرق بينهما ليس لغويًّا: الاحتواء يعني إبقاء السلاح كحقيقةٍ راسخةٍ تُفاوض الدولة على هامشها؛ أمّا الإنهاء فيعني إعادة تحديد ماهية الدولة بوصفها المرجع الوحيد للسلاح والسِّلم، والحرب واتخاذ القرارات.

المقلق في المقابلة ليس حديث الرئيس عن دور الجيش جنوب الليطاني، ولا اعترافه بصعوبة المهمة، ولا حتى مناشدته «الطرف الآخر» أن «يتعقّل»؛ المقلق أن الخطاب كلّه يوحي بأن الدولة ما زالت تتعامل مع سلاح حزب الله كملفٍّ إداريٍّ يمكن تدبيره بالتدريج، لا كمعضلةٍ سياديةٍ تُفرغ الدستور من محتواه. فحين يصبح احتكار الدولة للسلاح «مشروعًا» مرتبطًا بتقديرات الميدان وبالتمويل وبمؤتمرات الدعم، نكون قد نقلنا الدولة من موقع السيادة إلى موقع الإدارة تحت السقف المفروض.

أعلن الرئيس بوضوح أن «هذا مطلب داخلي لا خارجي». جميل، لكن السؤال: إذا كان هذا المطلب داخليًّا، فلماذا يُدار بمنطق التبرير الدائم؟ ولماذا تُستخدم لغة «التعاون إلى حدٍّ ما» مع حزبٍ يتفرّد بقرارٍ مستقلٍّ، ولديه جغرافيته، ويمتلك مخازن، ويُكدّس شبكات، ويتمتّع بالقدرة على إعادة إنتاج الاشتباك متى شاء؟ أيّ دولةٍ هذه التي تستجدي «تعاونًا» من تنظيمٍ مسلّحٍ كي تُطبّق سيادتها؟ السيادة ليست بندًا تفاوضيًّا، ولا تُقاس بعدد المراسيم والقرارات، بل بقدرة الدولة على فرض قواعدها على الجميع بدون استثناء.

ثمّة مفارقةٌ أخرى: يتحدّث الرئيس وبإسهاب عن إصلاحاتٍ وقوانين، وحوكمة، ومكننة، ورقمنة، وإعادة ثقةٍ بالمصارف، ناهيك عن التدقيق الجنائي ومكافحة الفساد؛ وكلّ ما تقدّم مهمٌّ، لا بل ضروري، لكن الإصلاح في لبنان بلا نزع سلاح ليس إصلاحًا، إنّه ترميمُ بيتٍ بلا أساسات. لأن السلاح خارج الدولة لا يكتفي بحماية منظومة الفساد، بل يفرض عليها أيضًا وظيفةً سياسية: تعطيل القضاء عند الاقتضاء، وتشويه الدولة حين تُحاول القيام بمهامها، وتقديم كلّ استحقاقٍ على أنّه يُثير «الحساسيّات الطائفية» لا أن تلك الاستحقاقات هي حقوقٌ للمواطنين. هكذا يُفرغ الدستور من محتواه: لا لأن النصوص ناقصة، بل لأنّ الطغمة الحاكمة بأحزابها وطوائفها ومصالحها ما زالت تعتبر سلاح حزب الله «تفصيلًا» يجب التعايش معه، أو «مشكلة» يمكن إدارتها، أو «عبئًا» تُخفَّف وطأته لا مرضًا يجب استئصاله.

والأخطر أن خطاب «الحياد الإيجابي» و«عدم جعل لبنان منصّة» يبقى كلامًا منطوقًا إن لم يُترجَم إلى حقيقةٍ واحدة: لبنان ليس منصّة لأن لا أحد يملك منصّته سوى الدولة. أمّا أن نمنع «خليةً» هنا ونعترض «صاروخًا» هناك، ونبقى صامتين أمام أصل المشكلة خلف تلك المنصّة، فهذا ليس حيادًا، هذا تنظيفُ الواجهة مع إبقاء البنية ذاتها.

في لحظةٍ يصرّح فيها الرئيس أنه يريد «تغليب قوّة المنطق على منطق القوّة»، كان ينبغي أن يُسمّي الأشياء بأسمائها: منطق القوّة ليس فائض سلاحٍ فقط؛ إنّه نظامٌ سياسيٌّ كامل، يربط السلاح بالتسويات، وبالانتخابات، وبالاقتصاد، وبالعلاقات الخارجية، وبحدود الدولة نفسها. أمّا منطق المنطق فلا ينتصر بالمناشدات، بل بمسارٍ واضح: وضع جدولٍ زمنيٍّ مُعلَن، وتحديد خطواتٍ متسلسلة، إضافةً إلى مساءلةٍ شفافة وإعلان موقفٍ سياسيٍّ يضع كلّ القوى، بمن فيها تلك التي تُداري وتُبرّر، أمام مسؤولياتها.

لبنان لا يحتاج رئيسًا يطمئننا بأنّ «القرار قد اتُّخذ»، بل يحتاج رئيسًا يُعلن أن زمن «احتواء السلاح» انتهى، وأن الشرعية ليست حالةً وجدانيةً بل ممارسةً ميدانية. لأن أيّ إصلاحٍ لا يتميّز بجرأة مواجهة السلاح خارج الدولة، سيبقى إصلاحًا وهميًّا، ودستورًا على الورق، ودولةً «بالاسم» تمامًا كما وصف هو نفسه عهود الوصاية: جسدٌ قائم، بلا حياة.

إذا أراد هذا العهد أن يكون عهد استعادة الدولة فعلًا، فالبداية لا تكون بالوعود، بل بكسر الحلقة التي تُفرغ كلّ وعدٍ من معناه: لا دولة في ظلّ وجود سلاحين، ولا إصلاح تحت وصاية السلاح، ولا دستور تلتفّ حوله طغمةٌ تُبرّر بقاءه.