مقدمة: بين حكمة الشيخ وواقع المجتمع
تتعدّد الرؤى حول تأثير النجاح والارتفاع الاجتماعي على العلاقات الإنسانية. فالشيخ صالح المغامسي، الباحث الشرعي المعروف، يرى أنّ «كلّما ارتفع الإنسان كلّما قلّ أصدقاؤه، لأنّ الأغلب لا يفرح بارتفاعه فوق فوق؟!». هذه الرؤية، بالرغم من عمقها النفسي، تتعارض مع ما أراه في الواقع الاجتماعي، فالارتفاع يجذب الناس أكثر وأكثر، ولو بدوافع نفعية.
ولكن الحقيقة الأعمق، التي أرجّحها، تكمن في أنّ كلا الظاهرتين تعكسان انزياحاً وجودياً مزدوجاً: الإنسان الناجح ينزاح عن ذاته الحميمة، بينما ينزاح الآخرون نحوه كوظيفة اجتماعية. هذا الانزياح المزدوج هو لبّ إشكالية العلاقات في عصر النجاح.
1. الارتفاع كجاذبية نفعية: قراءة في الواقع الاجتماعي
أرى أنّ مقولة الشيخ المغامسي، بالرغم من بلاغتها، تخالف ما نشاهده في المجتمعات المعاصرة. الارتفاع الاجتماعي يخلق مجالاً جاذبياً يزداد معه عدد المحيطين، وليس العكس. وهنا تكمن المفارقة، فكلّما زادت دوائر النفوذ والنجاح، كلّما ازدادت شبكة العلاقات، ولكنّها علاقات من نوع خاص:
· علاقات المنفعة المباشرة، حيث يصبح الناجح مورداً اقتصادياً أو اجتماعياً.
· علاقات القرب الرمزي، حيث يكتسب الآخرون مكانة بانتمائهم إلى دائرته.
· علاقات التبادل الشبكي، حيث تحكم المصالح المشتركة طبيعة التواصل.
والأدلّة على ذلك متعدّدة، من ازدياد أعداد المتابعين على وسائل التواصل مع تزايد الشهرة، إلى تنامي الدوائر المحيطة بالشخصيات الناجحة في مختلف المجالات.
2. الصداقة الرابعة: تحوّل جذري في عصر الشبكات
إذا كان أرسطو قد ميّز بين ثلاثة أنواع من الصداقة، الفضيلة، والمتعة، والمنفعة، فإنّ عصرنا يفرض نوعاً رابعاً: صداقة الشبكة. هذه الصداقة الجديدة تتميّز بأنّها:
· تعدّدية الوظائف، قد تجمع بين المنفعة والمتعة والقيمة الرمزية.
· مرنة الحدود، تتحوّل بين الصداقة الحميمة والمعرفة العابرة.
· رقمية الهوية، تتعزّز وتستمرّ عبر المنصّات الرقمية.
هنا أختلف مع فكرة أنّ هذه العلاقات سطحية بالضرورة، فكثير من التعاونيات الفكرية والمشاريع الحضارية نشأت من خلال هذه الشبكات التي يجذبها النجاح.
3. الوحدة في القلب من الازدحام: تحليل الظاهرة المضادّة
لا أنكر أنّ النجاح قد يصاحبه شعور بالوحدة، ولكنّني أرى أنّ هذه الوحدة ليست بسبب قلّة العلاقات، بل بسبب نوعيتها. الوحدة هنا تنشأ من:
· التوقّعات غير المتوازنة، توقّع الصداقة الحميمة في علاقات مصلحية.
· فقدان التلقائية، الحاجة المستمرّة للحفاظ على صورة النجاح.
· التباس الدوافع، صعوبة تمييز المصالح الحقيقية من المظاهر.
وهذا يقودنا إلى الفرق الجوهري بين الكثرة العددية والجودة الوجودية في العلاقات.
4. النجاح كفرصة للتمييز لا للعزلة
أرى في الارتفاع الاجتماعي فرصة ذهبية، إذا أحسن الناجح استخدامها، للتمييز بين:
· المقرّبين الأصليين، الذين بقوا معه في مسيرة الصعود.
· الشركاء الجدد، الذين انضمّوا إلى شبكة نجاحه.
· المتعاونين الاستراتيجيين، الذين يتقاطعون معه في المصالح والأهداف.
النجاح الحقيقي، في رأيي، ليس في الحفاظ على دائرة صغيرة ثابتة، بل في بناء شبكة علاقات ذكية تعرف كيف توازن بين:
· الاحتفاء بالإنجازات.
· الاستفادة من الفرص الجديدة.
· الحفاظ على الجوهر الإنساني.
5. نحو استراتيجية وجودية للنجاح
بناءً على رؤيتي هذه، أقترح نموذجاً للنجاح المتوازن:
مستوى العلاقات الحميمة، ثابت نسبياً:
· الأسرة والأصدقاء القدامى.
· المرشدون الروحيون والفكريون.
مستوى العلاقات الوظيفية، متنامٍ مع النجاح:
· الشركاء المهنيون.
· المستفيدون من الخبرات.
· المتعاونون في المشاريع.
مستوى العلاقات الرمزية، أوسع دائرة:
· المتابعون والمتأثّرون.
· المعجبون بالمكانة الاجتماعية.
خاتمة: النجاح كامتداد لا كقطيعة
إذا كان البعض يرى في النجاح مساراً نحو العزلة، فأنا أراه مساراً نحو الامتداد، لكن امتداداً يحتاج إلى حكمة في الإدارة.
الارتفاع الاجتماعي لا يعني بالضرورة فقدان الأصدقاء الحميمين، بل يعني اكتساب أنواع جديدة من العلاقات. التحدّي الحقيقي ليس في الحفاظ على عدد ثابت، بل في إدارة تعدّدية العلاقات بحكمة.
السؤال الأهم ليس: «كم صديقاً سأفقد إذا نجحت؟»، بل: «كيف أنظّم دوائر علاقاتي بحيث أحافظ على الأصالة في القلب، مع الانفتاح على فرص الامتداد والتأثير؟».
النجاح الناضج هو الذي يجعل من الارتفاع الاجتماعي جسراً للتواصل لا حاجزاً للعزلة، ومن العلاقات المتعدّدة نسيجاً غنيّاً لا تشتّتاً وجودياً.
هذه الرؤية لا تلغي حكمة الشيخ المغامسي، بل تضعها في سياق أوسع. العزلة قد تكون خياراً شخصياً للناجح، لكنّها ليست قدراً حتمياً للنجاح. ففي كلّ مرّة يرتفع فيها الإنسان، يفتح نافذة جديدة على عالم من العلاقات، وعليه أن يتعلّم فنّ اختيار ما يدخل من هذه النافذة إلى عالمه الداخلي.






















التعليقات