لا يمكن فهم التحولات الكبرى التي تقودها الرياض اليوم كمركز ثقل عالمي عبر الأدوات السياسية التقليدية فحسب، بل نحتاج إلى قراءة أنطولوجية تعيد تعريف القوة بوصفها علاقة زمنية. في هذا المقال، نناقش كيف نجحت المملكة في فرض توقيتها الخاص على الإيقاع العالمي، محققةً ثانية السبق التي حولت الرياض إلى بوصلة للاستقرار الدولي ومهندس للتدفقات السيادية.
في عالم يتسم بالسيولة الفائقة والتسارع الذي يسبق البيروقراطيات التقليدية، لم تعد القوة تُقاس بما تملكه الدولة من مخزون ساكن، بل بمدى قدرتها على الوجود في الزمن. إن ما نشهده اليوم من صعود للمملكة العربية السعودية كقطب دبلوماسي واقتصادي عالمي مطلع عام 2026 ليس وليد المصادفة، بل هو نتاج انتقال استراتيجي من إدارة الانكشاف إلى هندسة المسارات.
ثانية السبق هندسة الإيقاع العالمي
لقد نجحت الدبلوماسية السعودية في فرض ما نسميه ثانية السبق الاستراتيجية، وهي القدرة على إدراك التحولات وتشكيلها قبل اكتمالها. ويتجلى ذلك بوضوح في نجاح الرياض في نزع فتيل توترات نووية إقليمية كبرى في أيار (مايو) 2025، وقيادة حراك قانوني وسياسي في منظمة التعاون الإسلامي لحماية السيادة الوطنية ومواجهة المساس بمواثيق القانون الدولي. هنا، يتحول الزمن السياسي من مجرد ساعة لتنفيذ القرار إلى بُعد أنطولوجي يحدد قدرة الدولة على صناعة المركز وفرض التوقيت.
2. الهوية الراسخة السيادة الإدراكية في مواجهة الانفتاح
إنَّ هذا التفوق لا ينفصل عن الحصانة الفكرية التي يتمتع بها العقل القيادي السعودي. ونستلهم هنا المبدأ السيادي الذي أرساه سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله حين أكد نحن نملك هوية راسخة وقوية جداً، ونعمل على تطويرها، ولذلك لا نخشى من الانفتاح على العالم، بل نأخذ ما يفيدنا ونترك ما لا يفيدنا.
هذا التصريح يمثل جوهر السيادة الإدراكية، حيث لا تكتفي المملكة بالانفتاح التقني أو الاقتصادي، بل تمارس المناظرة المعرفية مع المفاهيم العالمية. نحن لا نستورد المصطلحات بوصفها مفاهيم معلبة أو يتيمة، بل نناظرها ونُخضعها لمختبرنا الوطني، نُقر بما ينفع منها ونُسقط حجة ما يضر، محافظين على الحمض الجيني لهويتنا وتراثنا الخلدوني الراسخ.
3. الاقتصاد السيال والسيادة الخوارزمية
أنطولوجيا المركز تتجسد أيضاً في تحول المملكة إلى عقدة سيادية للتدفقات العالمية. فمن تصدر سوق الصكوك المستدامة بنسبة 40 بالمئة عالمياً، إلى بناء تحالفات دفاعية استراتيجية تدمج الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية السلمية، نحن أمام دولة تملك العصب الإدراكي المستقل. إن السيادة الخوارزمية هنا ليست مجرد تقنين للتقنية، بل هي استقلال العقل الاصطناعي الوطني لضمان الاتساق القيمي والحضاري (CVC).
الخاتمة الفلسفة كواجب سيادي
إن الحساسية تجاه البعد الفلسفي يجب أن تنتهي، فالفلسفة هي علم المعنى، والامتداد المعرفي هو واجب إنساني ونبيل لربط العلوم الإنسانية بالعلوم التطبيقية. لقد أثبتت التجربة السعودية أن القوة الحقيقية تكمن في الوصل، وصل التاريخ بالرؤية، وفلسفة المعنى بفاعلية الفعل. إن العالم اليوم لا يدور حول الرياض لمجرد مواردها، بل لأنه وجد فيها المركز الذي يمتلك الإدراك والزمن والقدرة على هندسة مستقبل أكثر استقراراً.
























التعليقات