ليست القوة اليوم فيما نمتلكه من أسلحة متطورة فقط، ولا فيما نمتلكه من تقنيات عسكرية عالية الكلفة، بل في ذلك النوع الهادئ من التأثير الذي يتسلل إلى العقول قبل الحدود، ويكسب القلوب قبل المعارك. إنها القوة الناعمة، الأقل تكلفة، والأبعد أثرًا، والأطول عمرًا.

فالقوة الناعمة تصنع حضور الدولة لا باعتبارها قوة تُخشى، بل قيمة تُختار. فهي تبدأ من المشاريع الكبرى التي تحوّل الرؤية إلى واقع ملموس، وتقدّم نموذجًا للتخطيط طويل المدى، حيث يرى العالم مستقبلًا يُبنى لا شعارات تُقال.

وتتجسّد في الفنون بمختلف أشكالها، والثقافة الأدبية التي تصوغ الوعي، وتؤسس للمعنى، فالمسرح، والفنون، والسينما، والعمارة، لغة كونية لا تحتاج إلى ترجمة. فالفن لا يفرض نفسه، بل يُقنع، ويترك انطباعًا أبقى من أي خطاب سياسي مباشر. ومن الفن يولد المبدعون، والمثقفون والأدباء، أولئك الذين يحملون هوية أوطانهم إلى العالم دون ضجيج، ويصنعون الصورة الذهنية الأجمل والأصدق.

أما الرياضة، فهي دبلوماسية العصر السريعة. فمباراة واحدة قد تفعل ما لا تفعله سنوات من الرسائل الرسمية، وتجمع أممًا مختلفة تحت شغف واحد، وتحوّل المنافسة إلى احترام متبادل وحضور عالمي مؤثر.

وتحضر القوة الناعمة أيضًا في المعارض والمؤتمرات، حيث تُصدَّر الأفكار، وتُبنى الشراكات، ويُعاد تعريف الدولة بوصفها مركزًا للحوار لا هامشًا على الطاولة. وحتى صالات المطارات وواجهة المنافذ كافة لم تعد مجرد نقاط عبور، بل رسائل أولى تعكس التنظيم، والذوق، والاحترافية، والاهتمام بالإنسان قبل الإجراءات.

ولا يمكن تجاهل دور المؤثرين، أولئك الذين صاروا وسائل إعلام متنقلة، ينقلون التجربة لا الخبر، ويصنعون رأيًا عامًا عالميًا عبر قصص وتجارب إنسانية قريبة من الناس. كما تبقى الأعمال الإنسانية في مقدمة القوة الناعمة، لأنها تخاطب قيمة مشتركة بين البشر جميعًا، وتمنح الدولة مكانة أخلاقية لا تُشترى بالمال ولا تُهدَم بالخلافات.

وهكذا تعمل القوة الناعمة

تراكم ذكي، وتأثير هادئ، وحضور دائم.

لا تُطلق رصاصة، لكنها تُحدث فرقًا.

ولا ترفع صوتها، لكنها تُسمَع في كل مكان.

ومن يمتلك القوة الناعمة

لا يكون حاضرًا فقط،

بل يكون الأول دائمًا.