ثقافات

هاسّو كرول: أفلاطونُ الصغيرُ كانَ يلعبُ مع الخنافسِ في الحديقةِ

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ترجمة عبد الرحمن الماجدي: يُعدُّ هاسو كرول Hasso Krull (المولود عام 1964) من أكثر الكتاب والمفكرين الاستونيين بروزاً منذ أن نالت استونيا استقلالها الأخير عام 1991.
لا تتجذر شاعريته في المشهد الاستوني بل تتعداه الى أماكن أخرى. أهمية شعره تكمن في احتوائها مجموعةً واسعة من الموضوعات الفلسفية والاسطورية، التي يوظفها في تفاصيل يومية معاشة. ويقترب من جاك دريدا في توظيفة الحكاية الشفاهية، بطريقة خفيفة وعميقة في ذات الان. قصائده تبدو واضحة ومباشرة لكنها عميقة ولكل كلمة فيها دلالة يقصدها.

ينهل كرول من الأساطير وقصص الخلق خاصة لدى الاستونيين الأوائل، ووظف كثيراً من الفلسفة اليونانية في شعره. وهو يرى أن كلّ الاساطير تنطوي على أهمية كبيرة يمكن توظيفها في مجال الأدب، سواء كانت أساطير شفاهية أو مدونة.
أصدر عدداً من الكتب الشعرية منها (المتر والديسمتر) 2004، و (شتاء) 2006، و (أربعة في أربعة) 2009.
يكتب مقالات في أشهر المجلات الاستونية حيث جمع عدداً منها في كتب مثل (ميدوزا) 2000، و (التعددية والخصوصية) 2009. بالاضافة الى ذلك فقد ترجم عدداً من كتب جاك دريدا وبول فاليري والن غينسبرغ وغيرهم من الفلاسفة والكتاب. مُنح جوائز عدة في استونيا وخارجها مثل جائزة جمعية البلطيق للكتابة، وجوائز أخرى في الشعر والسرد.يعمل أستاذاً في جامعة تالين.
ترجمت أعماله لعدد من اللغات: الفنلندية، السويدية، الانكليزية، الفرنسية، الالمانية، الاسبانية والروسية. وهنا ترجمة لعدد من قصائده باللغة العربية:
انظرْ إليهِ. مالذي يُحزِنُ هذا الرجلَ؟هلْ حدثَ شيءٌ ما؟ لا أدري. ربما حدثَ.ربّما، في الواقع، حدثَ. رُبّما حدثَ في الحقيقة؟لكنْ ربّما لا.ربما هو، ليس حزيناً في الواقعِ،رُبّما كان ذلك بالأمسِ.لكن رُبّما لا.رُبّما هو كذلكِ. رُبّما قبل بعض أيامٍ.رُبّما لن يحدث أبداً.رُبّما في أيام مقبلة.سَيُشربُ كثيراً بغباءٍ. رُبّما أكثر من اللازم.رُبّما أقل من ذلك. رُبّما كان عليه أن يكونَ مخموراً أكثر.هلْ كانت بحيرةٌ هناكَ؟ لماذا لا تشربُ أنت كلَّ البحيرة؟لكنْ رُبّما لم تكن هناكَ بحيرةٌ.في الواقع كانَ نهراً.رُبّما في الواقع بحراً.رُبّما لم تكن هناك، في الوقع، أيُّ مياهٍ.
رُبّما كانَت بنتاً. رُبّما شيئاً آخر.هل حدثَ شيءٌ ما؟ مَنْ يعرفُ؟رُبّما نعم.لكن رُبّما لا.سَيُشرب كثيراً بغباء. رُبّما أكثر من اللاّزم.لكن رُبّما لا. رُبّما لم يكن هناك، في الحقيقة، ماء.
***ثَمة ثقوبٌ في الطريق. ثقوبٌ في الأرضِ.حينَ أقتربُ ألاحظها: ثمة ثقوبٌ في جزمتي.ثقوبٌ، تظهرُ، خلالَها، جواربي.أستطيعُ أن أراها، أنا أعلم ذلك لأنّ ثمةَ ثقوباً في جمجمتي.
حين يسقط المطرُ في الماء، ثمةُ ثقوبٌ في الماء.مثلَ تساقط القطرات، أسمعها لأنّ في أذنيّ ثقوباً.أقفُ وأتنفسُ لأنَّ في أنفي ثقوباً.أمضي قدماً وأفكرُ. نعم، ثمة ثقوبٌ في أفكاري.
ثقوبٌ في كلماتي.
كان "لاو زي" يعتقد أنّ كلّ ماهو ضروري ينبعثُ من الفراغ.لكن، قل لي، يا صديقي،ماجدوى فراغٍ غيرِ مخلوقٍ من ثقوبٍ بجانب ثقوبٍ؟ثقوبٍ كبيرةٍ. ثقوبٍ صغيرةٍ.
ثقوبٌ تنخلقُ. الولادةُ والموتُ ثقبان.ثقوبٌ سودٌ في الكونِ- ربما هنالكَ مخارجُ الى مكان آخرَ مصنوعٍ من ثقوبٍ.المخارجُ ثقوبُ. الفمُ، القلبُ والأمعاءُ ثقوبٌ.ــــــلاو زي: فيلسوف صيني قديم
***أبتاه، ألا ترى أنني أحترقُ؟ذلكَ ماقالهُ الصبيُّ الصغيرُ لفرويد.لكنّ فرويد كانَ قد غفا للتوِّ.شمعةٌ في يده، ورأسه منكّسٌ نحو صدرهِ،ترنّحَ وحلمَ أنه عادَ صبياً صغيراً، كانَ يركضُ على حافّة الرصيفِ،الشمسُ الحارقةُ تسطعُ، ومن فوقه، جاءَ نسرٌ واقتلع عينيه من رأسهِ.
كيف أرى هذا الحلم الآن، فكّر فرويد، إذا أصبحتُ بلا عينين، كيفَ أستطيعُ تَجنّبَ السقوطِ من على حافةِ الرصيفِ؟هذه الفكرةُ كانتْ سبباً في استيقاظِ فرويد.ينحني الصبي الصغير عليه،شمعةٌ بيدهِ للسهرِ على المحتضر، قائلاً:ذاتَ مرّةٍ عاشَ رجلٌلم يسبقْ لهُ أن رأى أيَّ حلمٍ.
***"آخ!" "أرجوك اعذرني"."آخ! أرجوك اعذرني". "آخ"!"أرجوك اعذرني"."لماذا"؟"أرجوك اعذرني على عضي لك".
"آخ! أرجوك اعذرني!""آخ"!"أرجوك اعذرني! "آخ"!"أرجوك اعذرني على عضي لك حين قلتَ آخ".
"أرجوك اعذرني"."لماذا؟""أرجوك اعذرني"."أرجوك اعذرني، آخ!"."لماذا"؟"ارجوك اعذرني على قولي آخ حين عضضتني".
"آخ!""أرجوك!""اعذرني!""آخ"!"لماذا؟""اعذرني، آخ!""أرجوك اعذرني على مسامحتي لنفسي حينَ قلتَ آخ".
***الليلُ مليءٌ بثقوبٍ، تومضُ،تتيبسُ، تترددُ، نوافذَ في الليل،نوافذَ في السماء، نوافذَ الوجودِونوافذَ مامن حاجةٍ لوجودها.
نقفُ على درجات السلّم وندخنُ.حوافُ السيكارةِ نوافذُ متحركةٌثقوبٌ متحركةٌ، نارٌ دون لهبٍ،ونحن بحاجة لنكونَ هنا على الدرجاتِ.
هذه الفوانيسُ على الدرجات، زجاجُ نوافذَ في الليل.الصورُ حيث أنت تستلقي عارياً على الشاطيء،مثل سحليةٍ أشعّتْ في رمالِ الضوءِ:كلُّ حبّةِ رملٍ نافذةٌ تَتلألأ.كلُّ نافذةٍ ثقبٌ. كلُّ ثقبٍ نافذةٌ.أؤلئكَ الذين يريدونَ أن يُولدواعليهم أن ينزلقوا من نافذة انسانيّة،من نافذةِ الوجودِأسفلَ نوافذِ الشمسِ والقمرِ.
***مطعمٌ يونانيٌ فارغٌ.ناسٌ يمرّون، ألمانٌ، سوابيون وآخرون،الموسيقى لا تعزفُ هنا.اسمُ المطعمِ "أسطورة".
رجلٌ يونانيٌ يجلبُ طعاماً.قطّعَ اللحمَ شرائحَ رقيقةً، لحمَ خنزيرٍ مُقدّداَ، سَلطةً ورزاً أحمرَ.أنظرُ عبرَ النافذةِ،آكلُ، ملقياً نظرةً على صحني،فأرى: حروفاً يونانيةً.كيروس. بوليتس. ميسوغايس. هيلوس.كلُّ جزءٍ منَ اللحمِ عليه اسمٌ.هؤلاءُ هم، بالطبع، رجالٌ أوديسيون،تحوّلوا الى خنازيرَ من قبل سيرس.وصل لحمهم، أخيراً، إلى لحمي أيضاً.يصلُ الرجلُ اليوناني، يبتسم،يسقي أزهارَ الأوركيد من الابريقِ، وأزهارَ فالاينوبسيس وميثوس.ـــــــ*سيرس آلهة اغريقية كانت لها القدرة على تحويل أعدائها الى حيوانات. (المترجم)
***كلُّ الناسِ حواملُ، قالتْ ديوتيما،أجسادهم حواملُ، أرواحهم حواملُ،أوه، كيفَ يريدون الولادةَ بكلّ قوتهم.الجمالُ ولادةٌ. الولادةُ جميلةٌ.هكذا قالتْ ديوتيما لسقراط.سقراطُ قالَ الشئَ ذاتَه في مأدبة أغاثون،سمعه الشاب أريستوديموس، فنقله الى أبوللودور، الذي أخبرَ أصدقاءه الخُلَصاءَ.
أفلاطون الصغيرُ كانَ يلعبُ مع الخنافسِ في الحديقة.يتساءلُ من أينَ أتتْ كلُّ هذه الخنافسِ,هلْ ظهرتْ، فجأةً، من خنفساء ضخمةٍ، بلا عيوبٍ، في السماءِ؟أذلكَ ما نعجزُ عن رؤيته؟في الليلِ، حملتُه أمهُ للداخلِ، ومدّدته لينامَ.في بيتِ أغاثون بدأتْ مأدبةُ البيديراستيين،ولأن لا أحدَ يستطيعُ الصمودَ كثيراً أمامَ الشرابِ بدأوا يتجادلونَ:دَعونا نتحدث الحبِّ. دعونا نتحدث عن الجمالِ.ـــــ*ديوتيما: فيلسوفة يونانية ومعلمة سقراط.1أغاثون: (شاعر تراجيدي).2 ابوللودور واريستوديموس: من تلامذة وأتباع سقراط.3مأدبة أغاثيون الشهيرة في تاريخ الفلسفة اليونانية التي طلب فيها من كل المدعوين، وكان بينهم سقراط، القاء كلمات تمجد إله الحب.4 البيديراست: إشارة الى العلاقة الجنسية بين البالغين والفتيان التي كانت شائعة في أثينا وقتئذ.. (المترجم)
***حفيفُ البحرِ هادئٌ مثل نهرٍ يجري،إنه ليس نهراً، إنه البحرُ، سحبٌ تطوفُ فوقَ الغابةِ، فوقَ دغلِ العرعرِ، تجري مثل نهرٍ،لكنّ في داخلها ثقبٌ، داخل الغيوم ثقبٌوبسبب ذلك، يمكنُ لزهور النسرين أن تُرى،لا، لا يُمكنها أن تُرى ، لقد كذبتُ،لكنّ النسرينَ تبقى زهوراً، الغيوم تطوفُ،تكذبُ معي كثيراً، لذلك الأرضُ سوداء،لذلك العشبُ أخضرُ، الزنابقُ صفراء،زهورُ الفاونيا حمراء، الغيومُ تكذبُ في كلّ ذلكَ ولذلك لن يتهاوى فنُّ الكذب،لقد بلغَ، في الحقيقية، ذرىً جديدةً،كانَ سبباً في أن يهدرَ البحرُ، وأن تغني الطيورُ،وأن تزهرَ الفاونيا، ويهدأ البحرُ،وما من نهرٍ، النهرُ رُفعَ عالياً في الغيومِ،هذه الغيومُ تكذبُ قدْرَ ما تستطيعُ،على الرغم من وجودِ ثقبٍ فيها.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف