ناصر مؤنس: الشاعر صيدلاني عقاقيره الكلمات
-
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
هذه الصيدليةُ الفنية تحوي عقاقيرَ للصمت والحلم والنسيان كما عنون بها الشاعر القصيدة المرافقة لهذا العمل.الفكرة وردت للشاعر ناصر مؤنس من الصيدلية المنزلية ذاتِ الواجهة الزجاجية التي كانت تشكل ديكوراً ضرورياً لمعظم المنازل في العراق، وتحتوي عقاقيرَ عند الحاجة وسوائل ملونة لعلاج الجروح الطارئة، كما قالَ لايلاف.
منظرُ كبسولاتِ الدواء بألوانها اللّافتة دفعته للاشتغال عليها حيث صنع كبسولات شعرية من ورقٍ صغيرٍ مختلفِ الألوان حجم الواحدة منها سنتمرا واحدا ونصف سنتمتر، كتبَ عليها تمائمَ شعريةً وطواها لتكون بحجم وشكلِ كبسولة الدواء، وجمعها في قارورة زجاجية كبيرة.
فمن يشكو من علّةٍ في الصمت أو في الحلم أو في الكلام ماعليه الاّ مد يده المرتعشة في قاورة أو صيدلية الشعر ليجد فيها علاجه!
هذا العمل الجديد لناصر مؤنس ياتي مكملاً لأعماله السابقة التي كان آخرها انطولوجيا التي شيرت الشعرية.
جمع الشاعر تفاصيل منجزه الجديد في صندوق خشبيّ كبيرٍ ضمّ الكتابَ الشعري الفني وسي دي يحتوي فيديو لطريقة العمل وقارورةً زجاجية كبيرة تضمّ الكثير من كبسولات الشعر الملونة.
يريد الشاعر من هذا كلّه أن "أن يسترجع ما هو منسي فينا، يريد أن يتبع اللهب الذي يقودنا إلى الأبدية، لا يريد هذا العالم الذي يجري بسرعة نحو الحريق. يريد أن يصغي إلى الصوت السري البعيد، إلى صفير القطارات النائية، ويتبع المغامرة، في الحقول المحفوفة بالخطر، في الينابيع التي سنولد من مياهها النقية". هنا النص الشعري الذي رافقَ هذا العمل: الصيدلاني(عقاقير للصمت والحلم والنسيان - شعر وفوتوغراف)ناصر مؤنس1ماذا يريد الصيدلاني الساهر على رئة القصيدة؟2عائداً من تجربة الموت، منكسراً كهدنة منافقة، متظاهراً بالخواء، تهبط من حافلة الحياة، تتردد قليلا، وتقول: خدعة الكون بحاجة إلى صيدلاني ليصدقها. إلى ساحر في أرض النسيان وصيدلية تملأها الأساطير. الأساطير المؤجلة، المختلَقَة، المخفية، وتلك المحفوظة عن ظهر قلب. أمن اللائق أن يتحول العالم إلى صيدلية؟إلى سعال يؤرق نعاس حياتنا؟ تهبط من حافلة الحياة، وهي توصد خلفك بابها كستارة صامتة سوداء، في يدك حقيبة عتيقة، مكتظة بملاحظات الأطباء عن تاريخ موتك وبصور لشهداء ومقابر (المقابر رطبة من الذكريات). الذكريات فيها رطوبة الأشباح، الاشباح التي تقايضك على النسيان تعثر- غير طائع -بالظل الواقف في داخلك وهو يداعب جثامين أيامه، بالنسيان الذي يحتاج إلى المزيد من العقاقير، بضحكات المصور وهو يلتقط صورة فوتوغرافية لسوادك، سوادك العائد من تجربة الموت. في قاعة انتظار المحطة، الساعة القديمة تطلق إشارتها إيذانا بوصولك، حيث ينتظرك صيادلة الكلمات حاملين الشراشف البيضاء والجرعات المطلوبة من الألم. حصتك من السفر إلى العالم الآخر وزجاجة مملوءة برماد جسدك، بجوارهم يقف ملائكة يحملون كاميرات تنتج كائنات غير قادرة على الحياة، وليس بعيداً، في الظل، هناك موتى ينتظرون انتهاء الطقوس ليدفنوا الأرواح في المرتفعات، المرتفعات التي سنلجأ إليها حين تحل نهاية العالم. 3عائداً من موت كان مختبئاً في داخلك على الدوام، تدخل صيدلية تشبه ردهة طائرة، وتقول، هذه الحياة لا تساوي أكثر من لعنة. وبعد أن تتيقّن أنّنا لم نبلغ الروحانية التي تعيننا على استدعاء ضمير العالم، تجلس فوق عقاقير غادرها مرضى صمتهم قليل، لم يحبوا النعم والبركات. تسأل، ماذا تفعل الآخرة بكل هؤلاء الموتى؟، ماذا تفعل فكرة الألوهية بسعادتنا البشرية؟ ستحتفظ بما للرب من نصيب، وتقول، القيامة محكمة تفتيش مقدسة نحن ضحايا الإيمان بها. تسأل المستقبل أملاً لا يملكه الساهر على روحك الميتة، يا من نسيت النعاس والزمن أنتَ تقول، سعيد هو الملاكالذي يحضر حفلة القيامةبملابسلم يقترحها الله4تدخل إلى صيدلية الحياة وتقول، ليس هناك ما هو موحش أكثر من صيدلية موحشة! 5تقول، الكائنات هي أسمال الله البالية، وتفتح مختبر الذكريات، تطارد أطباء بأردية بيضاء يبيعون عقاقير الصمت لهذه الكلمات الممددة على الأرائك كالمرضى. بأنفاس لاهثة، تدخل ممرضة، يدخل راهب يصرخ ويدخل ملاك، لا يريد القول: أن الله لم يبدأ (حتى الآن) بإعمار هذا الكوكب لا يريد أن يقلل من شأنهلا يريد أن يتحدث عن سذاجته بإدارة هذا العالمأو رسمه لحياتنا بهذا الشكل المضحكأو بعقابنا بالبقاء أطول فترة إلى صدر الأم (بخلاف الحيوانات الأخرى)أو رمينا إلى هذا العالم المليء بالمخاطربلا حمايةبلا حضانةلا، لا يريد الدخول في هذه الأساطير العتيقةكل ما يريده، هو أن ينزع مرض المرضىيحمله إلى تلك المجرات التي يستحيل بلوغهابعيداً عنا، نحن القاطنون في مهب العاصفةفي هذه الحياة الباطلة في شاطئ الأمل. 6عائداً من تجربة الموت، موشحاً بالسواد كظل يمتزج بظلال أسطورية، تقول، الله الذي يستخدمه الناس كصدرية لحماية ألاعيبهم، يقرر - من دون سابق إنذار - الانسحاب من كتب العقائد والأديان والتوجه إلى أول كلمة جاءت في البدء. لكن أول كلمة ضجرت من هذا الكون المرقع كبدلة مهرج، سئمت هذه الروايات، سئمت الدخول كل يوم إلى معابد الورق، سئمت خديعة القواميس وانتزاع روحها، أحلامها وأجراسها. سئمت صناعة الإيمان وكل هذا اللمعان الزائف لكلمات التوبة. تريد العودة إلى صمتها السرمديحيث لا يبلغها الزمن ولا البشرإلى الأجرام الغامضة البعيدةوكنوز أحجارها المكتوبة بإملاء من الضوء. أيها الضوء، يا تجلي الأربابدع هذا الحجر يضيءدعه يلمعودعنا نتأمل سعادته الغابرةعندما كان الحجر يعلو في الأقاصيكأول إله يعبده الإنسان. 7في هذا المساء الملطخ بالدم والعواصف والذكريات، تعود كحراك متهدل، تحمل كتاب الحكمة الخفية، وتسأل الذكريات التي تتربص بكَ على هيئة مرضى مأجورين، أن تمنحك كنزاً لا تملكه. تجلس في خلوة وتحاول التوفيق بين الموت والحياة، تقول، الزمن يصنع الوثائقتقول، نعم، العقائد، أساطير مزورةخدعنا بها الأنبياء السَّيئونالبارعونرواد الصناعات البدائيةحراس الموت المقدسسحروا حياتنا بالثياب الملوثة بالدموفتنوا رؤوسنا بالإصغاء إلى إغواء العدم. تقول، الله مثل معاهدة سلام بين الشك والإيمان، الطرف القوي يفرض شروطه. تقول، الحرب بطاقة حمراء أخرجتنا إلى المنفى. تقول، الكلمات تمرض أيضاً، القصيدة فريسة الداء والكتابة خيانة تضاعف النسيانخيانة تحاول أن تبقى على قيد الحياة. تقول، كيف لم تصل أعاجيب الجراحين إلى إدخال السيليكون إلى القصيدة؟ (ربما، سيتقدم أحد النقاد بهذا الاكتشاف). تقول، نعم، الجمال، الجمال النادرلقد مات أثر إصابتهبجراثيم العالم.8كانت هذه الذاكرة ذاكرتيوهذا الإرث الأسودهو روحي العائدةمن الموت. 9عائداً من تجربة الموت إلى الحلم السيئ للحياة، تقول، الله يختار ملائكته. لقد انطلت عليك الحيلة، أرأيت يوما ميت يحلم؟ أرأيت الأشباح تقايضك على ثمن النسيان؟ أرأيت ذكرى تذهب ولا يمكن استعادتها؟ أرأيت الملاك يرفض مباركة رجل يموت؟تقول، بماذا يحلم النائم في العدم.(هذا المجاز، لا جواب له)تنظر إلى الثقوب السوداء التي تزين الكوكب، إلى المستقبل كوهم عنيد، إلى غياب الثمرة المحرمة، لتأكلها، وتعرف معنى الخير والشر. إلى هذه الندوب في القول. تقول، ألم يتعب الله من عزلتهِ الطاهرة؟ تقول، أيها الأبيا صيدلاني العالميا من تزعم أنكَ أنتَماذا تفعل أقدارنا المدثرة بشراشف سوداء؟ماذا يفعل هذا المشرط الملوث بالدم؟ماذا تفعل هذه الجثث المتعفنة وكل تلك الميتات الصامتة؟ماذا تفعل كل هذه الشموع في غرفة العمليات؟ماذا تفعل معجزاتك المختبئة في دورات المياه؟ماذا تفعل هذه الكائنات المدفوعة إلى الألم كحصاة في مثانة الكون؟ ليتك ترى - أيها الأب - عدد العقاقير في خزانتي. 10خارجاً من ظلمة الرحم ترقب ملائكة يتجادلون في غرفة الولادة، تنظر إلى أفواههم وهي تنفتح وتنطبق بلا صوت. كنتَ المراقب الوحيد لملاك يلتقط الصور الفوتوغرافية، وكان الملاك يصور الخيالات المفقودة، المصغرة على نحو غريب كنقطة تجريدية، كانت الخيالات تلتف أو تتشنج وترسم عوالم غير متخيلة من قبل، كانت تريد أن تقلب الحس بمنظر الأشياء، تغرر به وتدخله ردهة المرضى، تريد أن تصور الخيال كخيال، تجعل منه أسماً راشداً، وكانت تظن أنها قادرة على تصوير الافتراضات التي تشرق في خيال العدم. تلك الولادة الغريبة التي سبقت صحوتك، صحوتك الملطّخة بعطر السحرالسحر الذي يختلط فيه الكبريت بالبخوركانت تريد احتضان حبة الغبار، غبارك أيها الصمت.تقول، في غرفة الولادة هذهالتي أعدها القدر لعروض مصائرناتتعطل الإضاءة - أحيانا-ونحن نعدو في الفضاءات اللانهائيةفي طريقنا إلى الرب - زعيم الحرب القبلي الذي أصبح رمزاً كونياً. 11تقول، الزمان لا تفكر فيه إلا كائنات تحيا على كوكب دوار،كيف اهتدى الإله إلى فكرة الزمان؟تقول، هناك شيء غامض في هذه الحكاية التي تعتريها الشكوكوتفكر بمرآة بلا آمال أو مخاوف.تقول، آمل أن يحصل الرب على ساعة جيبليخبرنابوقت القيامةوآمل أيضاأن تكون ساعته دقيقة جداًفي حدود خطألا يتعدىملايين السنين. 12ماذا يريد الصيدلاني الساهر على رئة القصيدة؟ماذا يريد الحالم الذي يظهر في الحلم؟يريد القليلالقليل المتاح لنالنخرج من مكيدة الحياة عديمة الجدوى، يريد البذرة الذهبية مزودة بفضيلة الأمل الذي يصوننا، يريد أن يقوم بهذه المهمة الشاقة لاكتشاف الذات، يريد السعادة الأبدية التي لا يمكن أخذها على محمل الجد، يريد العلاج بموعظة الجلال القادم من المعرفة، ولا يريد أن يكون بائعاً متجولاً لعلاجات شعبية. يريد بركة المخلص الذي يعرف نداء الداخليريد العيش الأكثر قسوة للزاهد المتجولوهو يدرك أن محبة الآخر ليست رياضة سهلة. يريد أن يسترجع ما هو منسي فينايريد أن يتبع اللهب الذي يقودنا إلى الأبديةلا يريد هذا العالم الذي يجري بسرعة نحو الحريق. يريد أن يصغي إلى الصوت السري البعيدإلى صفير القطارات النائية، ويتبع المغامرةفي الحقول المحفوفة بالخطر في الينابيع التي سنولد من مياهها النقية. لا يريد صيدلية الحياة المشيدة من قبل الإله والمعبرة عن وجهة نظره.يريد القول، ما تفعله الأمراض صحيح تماماًفلن تكون أمعائنا قادرة على هضم كل هذا (العلف) من العقائد. لا يريد هذا الإله الغائبيريد أن يعود صوت الإله ليتحدث بطريقة فورية إلى البشر. يريد الأرواح التي تحرس الغابة، يريد القصيدة أمام الشمعةتفكر بالشعراء الذين يحتاجون إلى العقاقير. يريد أن يجمد هذا الموت بداخله، يدفنه كمن يداعب مهابة صوفية مرهونة بفيض من الكرامات.لا بأس، أن يزوره أحياناًكسائح يزور أثاراً قديمةويلتقط صورة فوتوغرافية لسَّياجه المهدم. يريد أن يتذكر الأغاني الرائعة للغربةولا يعود إلى أرض الوطنيريد أن يكتب عنه(مات في المنفى) 13عائداً من هذا القدر الماكر، الشقي، المراوغ، المحتال، تقول، يا لروعة السماء، ليس سماء الرب، بل تلك المضيئة في صالات القمار، وتطلق دعابة عن النهايات التي لا يمكن التنبؤ بها.تقول، أيها الأجل، كم أنتَ ضئيل في النهاية.هذه حياتي الراقدة فوق وسادة الكلماتيسردها صيدلاني قليل الخبرةيمسك بمشرط الجراحويداعب احتضارها بألم جليل. سأطفئ الأنواروأجلس لمشاهدتها كفيلم طويلأبيض وأسودصامتوقديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم.هولندا 2013
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف