نيو ميديا

صباح الخير من تونس

 الشعر في تونس اليوم

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كان الراحل محمود درويش يقول مازحًا وساخرًا في الوقت نفسه إنه عندما يتجول في "باب البحر" في قلب العاصمة التونسية، فإنه يلتقي بمائة شاعر، أو أكثر من ذلك!، ولم يكن صاحب رائعة "لاعب النرد" مخطئا تماما في ما ذهب اليه. فقد كانت كثرة الشعراء في بلاد ابو القاسم الشابي تثير دهشة واستغراب الزوار القادمين من البلدان المشرقية.

والحقيقة ان الكثرة كانت على حساب الجودة. والغالبية الساحقة من اولئك الشعراء الذين يمضون اوقاتهم في مقاهي "باب البحر" بلا مواهب. لكن يكفي ان ينشر الواحد منهم قصيدا هنا او هناك حتى يخرج للناس نافشًا ريشه في سوق الشعر الرخيص. فإن حاول البعض لفت نظره إلى وضعه البائس، استشاط غضبا ورجمهم بلعناته وشتائمه المقذعة.

لكن لا بدّ من الاقرار بأنه كان هناك شعراء تونسيون تمكنوا خلال عقدي الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي من فرض وجودهم لا في تونس وحدها، بل في المشهد الشعري العربي بصفة عامة. فبعد اندثار حركة الطليعة التي ظهرت في عقد الستينات من القرن الماضي، والتي كان دويّ الضجيج الذي احدثته اقوى من الاعمال التي ابدعتها، ظهر في مطلع الثمانينات شعراء اعادوا إلى القصيدة التونسية نصاعتها وتوهجها.

واثر الندوة الوطنية التي نظمت في المركز الثقافي الدولي في مدينة الحمامات الساحلية في شهر سبتمبر (ايلول) 1980، انقسم الشعراء التونسيون الجدد الى مجموعتين. المجموعة الاولى مَثّلها شعراء مدينة القيروان الثلاثة، اي المنصف الوهايبي ومحمد الغزي والبشير القهواجي، الذين تأثروا انذاك &بالموجات الطلائعية التي ظهرت في المشرق العربي. وكانت لهم وشائج مع جماعة مجلة "شعر"، ويرون ان القصيدة الحقيقية هي التي تكتب بعيدا عن التأثيرات السياسية والايديولوجية السائدة. أما التجديد فيتمثل عندهم لا في القطيعة المطلقة مع التراث الشعري القديم، وإنما في التواصل معه عبر وسائل فنية جديد تعيد إليه الاشراقة، وتربطه بواقع العصر. اما المجموعة الثانية فكان من بين رموزها المنصف المزغني، والصغير اولاد أحمد، والطاهر الهمامي، يعاضدهم الناقد احمد الحاذق العرف، الذي كان من المنظرين المتحمسين لـ"الواقعية الاشتراكية"، وعنها كان يدافع بشراسة.

لم تكن المجموعة الثانية متجانسة مثلما هي حال مجموعة القيروان. فالمنصف المزغني كان قد اشتهر انذاك بقصائده التي ترسم صورة للإنتفاضات الشعبية التي هزت تونس في عقد السبعينات من القرن الماضي، ممجدا ضحاياها و"شهداءها"، ومتغنيا بالثورات الكبيرة في العالم. وكانت قصائده تجد لها صدى واسعا لدى التيارات اليسارية بالخصوص. لذا كانت تدعوه الى التظاهرات التي تقيمها، سواء في العاصمة، أو في المدن الداخلية. وكان اولاد احمد قد وفد الى العاصمة بحماس الريفي الجنوبي الذي يرغب في ان يحرق المراحل بسرعة لكي يحظى بالمكانة التي يبتغي الوصول اليها.

وفعلا، استطاع اولاد احمد ان يفرض نفسه بسرعة من خلال القصائد التي استوحى موضوعاتها من الاحداث السياسية والاجتماعية. كما انه افلح في كتابة مقالات قصيرة انتقد فيها بعض المظاهر السلبية في الحياة اليومية في تونس، وفيها شن هجمومات عنيفة على الاسلاميين الاصوليين الذين كانوا يسعون انذاك الى التغلغل في المجتمع التونسي. اما الطاهر الهمامي الذي كان من رموز حركة الطليعة فقد ظل يراوح مكانه مكتفيا بكتابة قصائد سطحية ومبتذلة. وعندما شعر بأنه ليس باستطاعته ان يحقق لنفسه مكانة بين كل من المزغني واولاد احمد، اختار ان يبتعد ليواصل غناءه الركيك منفردا.&

ثم لم تلبث المجموعة الثانية ان مزقتها الانشقاقات. فقد تمرد اولاد احمد على "الواقعية الاشتراكية"، ولم يعد يخفي ضيقه بها ليشهد شعره انطلاقة جديدة تميزت بالخصوص بحضور ساطع لذاته، لكن من دون التوقف عن نقد الاوضاع الاجتماعية والسياسية. كما تميزت بتطور كبير لادواته الفنية والشعرية لتصبح القصيدة عنده ناضجة، ومكتسبة لذلك التوهج الذي لا يتجلى الا في قصائد الشعراء الذين ادركوا المعنى العميق للشعر. وهذا ما تشهد به قصيدته البديعة "الوصية" التي يرسم فيها صورة لنفسه المعذبة من خلال استعراض ملامح من حياته.

وخلافا لاولاد احمد، لم تتطور تجربة المزغني الشعرية، بل راحت تشهد هبوطا وانحدارا على مستوى الشكل والمضمون، لتكون القصيدة عنده احيانا اقرب الى التهريج منها الى الشعر. وتفرقت جماعة القيروان ايضا، وبات كل واحد منهم يغني على هواه. فمحمد الغزي هاجر الى عمان ليعمل استاذا في الجامعة. ويبدو انه اصبح مهتما بكتابة قصص الاطفال اكثر من اهتمامه بكتابة الشعر. ثم ان ما نشره من قصائد قبل سنوات يدل على انه لم يحقق نقلة نوعية، بل ظل يكرر نفسه، محافظا على ادواته الفنية النقدية، وعلى لغة تكدس عليها الغبار، ففقدت تلك العذوبة التي طبعت قصائده في دواوينه الاولى.

ليست هذه هي حال المنصف الوهايبي، الذي لا يزال منصرفا الى كتابة الشعر بحماس واضح. غير ان جل قصائد الجديدة جاءت من وحي احداث سياسية واجتماعية. لذا سرعان ما تفقد قيمتها، وتذبل في تضاريس الزمن. وهذه هي حال القصائد التي كتبها من وحي الاتنفاضة التونسية في مطلع عام 2011. كما انه يكثر من كتابة قصائد يرثي فيها اصدقاءه الذين رحلوا عن الدنيا. لذلك بات عند البعض يلقب بـ"شاعر المناسبات الكئيبة". ثم ان الكثير من قصائده يغلب عليها التكلف والتصنع، وتغيب عنها الحرارة والتلقائية، والهموم الذاتية.

في مطلع التسعينات، ظهرت موجة جديدة من الشعراء من امثال امال موسى، وعادل المعيزي، وعبد الفتاح بن حمودة، ومحمد الهادي الجزيري، وآخرون. وحقق هؤلاء نجاحا نسبيا في كتابة القصيدة الجديدة، غير انهم لم يفلحوا في اكتساب المكانة التي حظيت بها جماعة القيروان، أو اولاد احمد والمزغني.

ويوعز البعض منهم ذلك (مثل عبد الفتاح بن حمودة) الى عدم اهتمام النقاد بتجربتهم، ومواكبتها بكيفية تتيح لها ابراز مميزاتها على مستوى الشكل والمضمون. وشخصيا ارى ان شعراء عقد التسعينات متعجلون في الحصول على الشهرة. لذا هم يحرصون على الظهور في وسائل الاعلام، وعلى حضور المهرجانات اكثر مما يحرصون على تعميق تجاربهم، وتوسيع افاقهم من خلال القراءة الجادة، والتعرف إلى التجارب الشعرية الكبيرة العربية والاجنبية.
&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف