أول غيث الانتقام الأميركي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
العقوبات التي شرعت أميركا بفرضها على العراق بشكل يبدو أنه تدريجي في التصعيد، بسبب قيام فصائل المقاومة الإسلامية بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على قواعدها العسكرية في العراق وسوريا والأردن، والتي بدأتها بقصف مواقع المقاومة الإسلامية وقتلت بعض قادتها وفي المقدمة منهم "أبو تقوى" من قيادات الصف الثاني في الحشد الشعبي، وحققت إصابات تدميرية في مبانيها ومنصات الإطلاق ثم أعقبتها بفرض عقوبات على شركة الطيران المدني العراقية "فلاي بغداد"، علاوة على تغيير السفيرة السابقة كونها غضت النظر عن بعض الأمور المشتبه بها من قبل أميركا، والتي تصب في مجرى دعم وإسناد إيران قامت وتقوم بها جهات عراقية، وتعيين سفيرة جديدة بدلاً منها، وسلوك أميركا في التصدي للتعاون العراقي الخفي مع إيران، ينطبق عليه قول العرب "أول الغيث قطر ثم ينهمر".
من المعروف عن أميركا، ومن خلال مسار أحداث الحرب العالمية الثانية، أنها لا تترك أحداً يعتدي على نفوذها ومصالحها الإقليمية والدولية في أي مكان من العالم إلاّ وترد له الصاع صاعين، إن عاجلاً او آجلاً، وساضرب مثلاً على ذلك؛ ففي خلال معارك الحرب العالمية الثانية، دخلت اليابان الحرب إلى جانب دول المحور، ودشنت دخولها الحرب بأن شنت طائرات الأسطول البحري الياباني غارة جوية في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1941 على الأسطول الأميركي المتواجد في المحيط الهادئ، وبالذات في قاعدة بيرل هاربر، وقد كانت الضربة مؤلمة وقاسية للأسطول الأميركي ودخلت بسببها أميركا الحرب العالمية الثانية، وقد قيل عن هذا العمل الحربي أنَّه غيَّر مسار أحداث الحرب، وفي الوقت ذاته غير مجرى التاريخ الإنساني.
قررت أميركا الانتقام، فردَّت على اليابان بمعركة ميدواي في المحيط الهادئ، بعد أن سرقت المخابرات الأميركية شيفرة الأسطول الياباني الذي تحرك نحو توجيه ضربة أخرى لأميركا، ومن طريق هذه الشيفرة استطاعت القيادة العسكرية الأميركية أن تحدد بدقة أماكن القطع الحربية البحرية اليابانية من غواصات وسفن وقامت بتدميرها تدميراً هائلاً بواسطة غارة جوية، ومنيت اليابان في هذه المعركة بخسائر فادحة.
ثم بعد فترة سرقت المخابرات الأميركية شيفرة تحركات قائد القوات البحرية اليابانية، وكان في ذلك الوقت ثاني رجل في اليابان بعد الأمبراطور الياباني، وهو الجنرال ياماماتو، وقامت الطائرات المقاتلة الأميركية باسقاط طائرته مما تسبب بمقتله.
وأخيراً، بعد أن تمكن أينشتاين من اختراع القنبلة الذرية، وتم تحقيق التفجير التجريبي الأول في صحراء ولاية نيفادا، وكان أينشتاين من بين الحاضرين، فلما رأى الأنفجار الهائل قال "أنظر ياربي ماذا فعلت أنا"، فانتقمت أميركا من اليابان بضرب جزيرتي هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين ذريتين، استسلمت على أثرهما اليابان، ولولا هذا الإستسلام لتم محوها من على خارط الأرض.
إقرأ أيضاً: إلى أين يتجه إقليم كوردستان؟
وأردف هذه الطرح بما قاله جون بيكر، وزير الخارجية الأميركية في زمن جورج بوش الابن، لطارق عزيز، نائب رئيس الوزراء في حكومة النظام السابق، محذراً إياه من مغبة معاندة أميركا والسباحة خارج تيارها، أو التغريد خارج سربها، حيث سيرتكب جناية بحق بلده بالدرجة الأساس، فقال له مهدداً في حالة عدم الأمتثال لما تريده أميركا: "سوف نعيدكم إلى الفترة التي سبقت النهضة الصناعية".
وبالفعل، وصل العراق في كل المجالات بعد الحصار الخانق الذي فرضته أميركا عليه في العام 1991 إلى حال مزرية، وأضرب مثلاً هنا على تردي الأحوال على مصداقية وزير الخارجية الأميركي في ميدان الحصول على الضوء ليلاً، فقد عاد الناس إلى استخدام الفوانيس والشموع واللالات بعد أن خرج قطاع الكهرباء عن الخدمة بسبب الحصار الأميركي، وهناك الكثير من الأمور التي أثرت على حياة المواطن العراقي وفي كل مجالات الحياة، وأكتفي بهذا المثل على تردي وشلل أحوال كافة القطاعات الخدمية فيها، ناهيك عن الانهيار الحاد للعملة العراقية، فاستعاضت عنها الحكومة البعثية بطبع عملة من دون رصيد ذهبي.
إقرأ أيضاً: وضع العراق وكردستان بعد الانسحاب الأميركي
وعليه، فإن العقوبات التي فرضتها أميركا على شركة "فلاي بغداد" بسبب اتهامها بنقل الأموال والأسلحة من العراق إلى مجموعات مسلحة في سوريا ولبنان هي بداية العد التنازلي نحو الأسوأ، فأميركا ستقوم بتصعيد وتكثيف إجراءاتها ضد العراق في المجالات الحيوية التي تهدد الحياة العامة، ويأتي في مقدمتها سعر صرف الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي، وأظن أن وزارة الخزانة الأميركية سوف تتخذ في المستقبل القريب إجراءات ستؤدي حتماً إلى تقليص سعر صرف الدينار، ما سيلهب أسعار البضائع والسلع في السوق العراقية بشكل جنوني على أعتاب شهر رمضان الكريم.
وأعتقد لا نحتاج إلى وقت طويل حتى نسمع ونرى العمليات الإرهابية التي تنفذها عصابات القاعدة وعصابات داعش وقد عادت من جديد إلى أرض العراق، لتحصد أرواح الناس الأبرياء وتخرب ممتلكاتهم وتقوض الهدوء الأمني النسبي الذي شهدته السنوات التي تلت دحر عصابات الإجرام في نينوى.
إقرأ أيضاً: العراق والمشي على حبل مشدود
بشكل عام، بسبب التوتر الأخير الذي طرأ على العلاقات الثنائية بين العراق وأميركا، فإن الأوضاع العامة في العراق ستنتقل من سيء إلى أسوأ، وقد تعود إلى أيام حصار التسعينيات الذي فرضته أميركا على العراق في ذلك الوقت، فدمرت الإنسان العراقي ومجتمعه، وإلى اليوم يعاني الشعب تبعاته الكارثية، ومنها مجيء حكومات فاسدة، ألعوبة بيد غيرها، تضحي بمصالح الشعب من أجل خدمة أجندة خارجية من مصلحتها تدمير العراق وشعبه.
لا بد لي أن أضيف أن ضرب قاعدة التنف الأميركية داخل الأراضي الأردنية ووقوع ضحايا وتدمير معدات يعني أن الفصائل العراقية التي تمثل ما يسمى بالمقاومة الإسلامية قامت بتوسيع جبهة المواجهة مع أميركا، والقادم في الرد الأميركي سيكون الأخطر على أوضاع حياة العراقيين الأمنية والمعيشية والاقتصادية، والشعب العراقي سيكون ضحية صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، وإنما هي حرب بالنيابة، وقد تؤدي هذه الحرب فيما ستقود إليه من نتائج إلى سقوط الحكومة الشيعية في العراق على يد الذي جاء بها، وهي أميركا، لأن أميركا جاءت بهم ليخدموا مصالحها ونفوذها وليس تهديد هذه المصالح وتقويض نفوذها.
إقرأ أيضاً: العراق: قصف أميركي والخطر يتفاقم!
وعليه ستنهار أوضاع الشيعة بشكل نهائي، وسترتكب بحقهم مجازر قد تكون أسوأ من الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، لأن الذين يحكمون العراق، وأقولها بأعلى صوتي، هم يضحون بالعراق وشعب العراق من أجل جهات خارجية، وغير مؤهلين لا سياسياً ولا دبلوماسياً ولا إدارياً لأيّ منصب في السلم السلطوي، كل مؤهلاتهم تنفيذ الأجندة الخارجية للجهات المرتبطين بها، وليذهب الشعب العراقي الى الجحيم.
لقد كان حكيماً قرار كتائب حزب الله العراقي بتعليق عملياتها العسكرية والأمنية ضد القواعد الأميركية، والذي يمثل عين العقل، خصوصاً أن الرئيس الأميركي قد أعلن أنه يعكف على دراسة خطة مشروع للرد على هجمات كتائب حزب الله العراقي على قواعدهم العسكرية في العراق وسوريا والأردن، وتعليق المقاومة الإسلامية لهجماتها ضد التواجد الأميركي يجنب العراق مصائب وكوارث قد ستصبها أميركا على أرض العراق وشعب العراق تضيف دماراً فوق دماره السابق.