GMT 6:45 2005 الإثنين 18 أبريل GMT 21:06 2005 الخميس 21 أبريل  :آخر تحديث

أجوبة استفتاء إيلاف الشعري(3)

ناصر مؤنس: هل من معنى في خطط الله لهذا الخراب؟

لا علاقة لسقوط الدكتاتور بفهم الشعر أو بطلانه، سقط النظام ولم تسقط الثقة  بمصادر الثقافة التي تمارس دور الممرضة المقنعة التي أشرفت على العناية بحالات رديئة من الأدب العراقي، سقط النظام ولم يسقط الشعر الذي يسلخ ظهره بسلاسل الحنين، أو ذاك الذي يعتقد بأن الطاغية هو حائطنا الوحيد وعلينا أن نكتب عليه شعاراتنا.
صحيح، إن الصرخات الفجائعية الطويلة للعراق جاءت بالحبر والدفتر، لكن الشعر ما زال ينظر إلى الصفحات بعيون حزينة وغائبة، ما زال يكمَّم كلماته بلثام المعنى – هل من معنى في خطط الله لهذا الخراب؟ - نجونا من الطغيان فوقعنا في الأسر، تخلصنا من الكفر فجاءنا التكفير !، ولم يعد الشاعر هو الشهيد أو الوريث بل أصبح هو " الشاطر ".

الشعر الحق لم يحضر بعد، ربما، يقف أعزلاً في الزوايا، بلا حراك، بلا مصابيح، ربما، يقف بعيداً، وحيداً يفكر بهذه البلاد التي شاركها في السرير، الطاغية وبعده المحتل، وبعدها أصبحت ألعوبة بيد مرتزقة الطاغية أو مرتزقة المحتل. ينظر إلى القصائد كم هي مسنة وقديمة وصدئة، ينظر إلى الكلمات التي لم يبق لها الكثير من المعاني لتقولها، إلى الرؤيا كم هي مغبرة وغبية، وإلى البلاد تمد يدها متسولة الأمل من ( ملوك الطوائف ).

الشعر الحق لم يحضر بعد، ربما، سيتأخر قليلاً أو كثيراً، فلا قدرة له على أن يكون الستارة الأخيرة المسدلة على هذه المأساة، لا قدرة له على مواجهة هذا العقاب غير القابل للمغفرة، فهو النشيد الذي يأتي متأخراً، ربما، يصل بعد الموت، لكنه، بالتأكيد، لا يملك لغة العزاء.
أما عن مستقبل القصيدة العراقية، فالكلمة الأخيرة لن يقولها الظلام أو هذا القتل الذي يغطي وجهه بقناع عربي،بل ستقولها راياتنا التي يلمع فيها ذهب الشعر.

***

نصيف الناصري

لا أتوقع أن تظهر تجارب مهمة في الشعر العراقي في المستقبل

يبدو لي أن هناك مفارقة واضحة في هذه الأسئلة. على الصعيد الشخصي انني أعي بقوة جوهر ووظيفة الشعر الأصلية، وبما أن تجربتي تبتعد عن الآني والزائل وذائقة القطيع، فقد كنت على الدوام أعيش في تعارض دائم مع العالم والأشياء بحثاً عن الدرب الذي يوصلنا الى ما وراء محنة الوجود. لم أشعر بأي انزياح لغوي في كتابتي للقصيدة أو بتغيير في مقاربتي لأشياء العالم بعد سقوط نظام الطغيان في العراق. لقد شهدنا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي سقوط الكثير من المفاهيم الشعرية والمعرفية في العالم العربي وشهدنا كذلك سقوط وتهشم الكثير من الأصنام الشعرية التي هيمنت بقوة من خلال السياسات المتخلفة للأنظمة والأحزاب والخطاب الاعلامي المهووس بالعنتريات، وبما أن هذه الأصنام قد انشغلت نتيجة لمحاباتها وتنطعها للسلطات الحاكمة بالدم والحديد، في الآني والتقريري وتلبية احتياجات القطيع الذي تقوده المؤسسات الفاشية في عالمنا العربي، فقد فشلت تماماً في تقديم أي ابداع حقيقي، اللهم إلا ذلك المجاز الجماهيري الذي مازال يحفظه عجائز اليسار العربي المثخن بجراح لا تندمل أبداً. أن موضوعات الموت والحب والحرب والتحول والصيرورة والطفولة والأحلام هي التي تهيمن على تجربتي الشعرية منذ سنوات طويلة، وبما انني لم أنشغل بالواقع السياسي المعاش بكل جوانبه الأخرى، فقد ظل مفهوم الشعر الأصلي عندي لا يتغير على الدوام بتغير الأنظمة والمفاهيم الثقافية والشعرية الرسمية للأنظمة العربية الحاكمة. لقد شهدتُ تجارب عديدة في شعرنا العراقي تتهاوى نتيجة عدم رسوخها في أرض الشعر الحقيقية، وكم أرثي الآن لضحالة وسذاجة تلك التجارب التي خدعتها الشعارات والمفاهيم السياسية البراقة. ثم أن الانزياح والتغيير في المقاربات والنظر الى العالم في الرؤيا الشعرية، لا يأتي نتيجة الأنفعال بحدث ما أو سقوط أشياء كريهة ومدانة. نعم، كان سقوط نظام صدام حسين أشبه بحلم عصي وبالتأكيد ستسقط من بعده كل الثقافات التي استطاع أن يرسخها طوال سنوات حكمه البغيضة وبشّر بها كتّاب وشعراء من العراق ومن الدول العربية الأخرى. وبالنسبة الى مستقبل القصيدة العراقية فانني لا أتوقع أن تظهر تجارب مهمة في السنوات القادمة. ذلك لأن البذور الجديدة بحاجة الى زمن طويل لتزهر، وبحاجة الى تربة ثقافية يتطلب حرثها جهوداً كبيرة، وهناك مفارقة أخرى تقوم بها دوائر الخطاب الاعلامي الرسمي في العراق الآن وهي محاولات اضفاء طابع ما على تجارب تقليدية وميتة، بغية منحها الشرعية الابداعية وهذه المحاولات الدؤوبة تجيء الآن نتيجة لفهم قاصر مزمن في الواقع الثقافي العراقي. تتكرس وتترسخ في الدهاليز السياسية للأحزاب المنشغلة في النظر الخاطىء الى الشعر. أتوقع الآن أن ما يسمى بالشعر الشعبي سيكون هو المزدهر في السنوات المقبلة ليلبي متطلبات القطيع الجائع والخائف الذي تدغدغ عواطفه ترهات أحزابنا المنشغلة ببرامجها المتخلفة والتي لم تتغير منذ دهر طويل، على الرغم من زوال أشياء كبيرة في العالم. وهذا التوقع يأتي نتيجة محاولات الهيمنة على الثقافة بشكل عام، والخراب الشامل الذي خلفته سنوات حكم الطاغية في جميع النواحي في العراق.

***

دنيا ميخائيل:

أميل الى الواقعية المتحررة من عين الرقيب


سقوط نظام  صدام حسين لم يغير في طريقة كتابتي للشعر أو نظرتي للشعر أو الحياة. انما سقوط النظام شكل تغييرا مهما في العالم وانزياحا تاريخيا في العراق. نظام صدام حسين كان فكرة سيئة وغير قابلا لأية فكرة أخرى لانه ببساطة كان يظن انه يعرف اكثر من حاجتك لان تفكر.
الان في الوضع الهلامي الحالي وبعد أن فتح صندوق بندورا, لاأحد يدري فيما كانت الازاحة ستتم في الاتجاه الموجب أم السالب. تلك, على اية حال, مسألة أخرى.
على المستوى اللغوي, حصل تغيير في كتابتي للشعر عندما خرجت من العراق. فعندما كنت في الداخل, كنت اضطر الى استخدام الرموز والاشارات أحيانا اكثر مما ينبغي.
في الخارج, صارت كتابتي أميل الى الواقعية المتحررة من عين الرقيب.

***

 عادل عبد الله:

لن تقوم للشعر العراقي قائمة حتى نصلح شأننا الثقافي كله

 

ليست اللغة الشعرية نتاجا حيويا للتفكير ، مثلما ليست هي من جانب اخر تخارجاً يصدر بمعزل عن البنية النفسية التي تسبقه . بهذا المعنى يصبح الشعر امتداد حيا لنمط التفكير وفضائه الحر أولاً، وهو من بعد انعكاس لحالة النفس في لحظة الكتابة وما مهد اليها من سياق نفسي. من هنا كان لشبكة الاسوار والقيود التي ضربها نظام صدام على اساليب تفكيرنا وأحوالنا النفسية الاثر البالغ في تدمير وعينا الشعري وفي تقييد لغتنا واختزال ابداعها الى نوع خاص ومحدد جدا من الاداء المهني الذي تسمح المؤسسة بانتاجه وتداوله ..
نعم لقد انحسر الجليد عن ذواتنا كاشفا عن كل تلك الرؤى التي لم نكن نجرؤ يومها على امعان النظر في ابعادها مخافة ان نضبط متلبسين بلحظة الجمال ، تلك التي كان النظام يرى في تبنيها خيارا احد اساليب الخروج عن ولائه وطاعته . الان فقط ان استطيع ان ابسط جناحي على ممكنات نفسي كلها متخليا عن كل ذلك التاريخ المرير من التأويل التعسفي الذي كنت اسبغه على الجمل مكرهاً اياها على الظهور بغير اشكالها الموجودة في داخلي ..
اما عن المستقبل الشعر العراقي ، فلقد حسم الامر من قبل ، اعني انحطاطنا متمثلا بقبولنا تداول هذا الهراء الذي يكتبه الشعراء العراقيون الان، بوصفه شعراً ...
الحقيقة التي لا نريد ان نفهمها ان ثقافتنا باجمعها هي نتاج لوعي مجتمعنا ولما كان هذا المجتمع قد جرى تخريبه وتدمير بنيته الثقافية بامتياز ، فان للشعر حصة كبرى من مجمل عملية التدمير هذه ..
لن تقوم للشعر العراقي قائمة حتى نصلح شأننا الثقافي كله، وليس لشأننا الثقافي من حل حتى تصبح ارادة المثقفين بأيديهم، اعني حتى يكف السياسي عن التحكم باقدارهم المعاشية والثقافية ايضاً.

في