GMT 7:30 2009 السبت 24 أكتوبر GMT 1:39 2009 الأربعاء 28 أكتوبر  :آخر تحديث

جامعة الملك عبد الله: المعتدلون يكسبون الجولة

سيف الصانع

تشهد جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست" جدلا بين تيار المتشددين وتيار الانفتاح حول قضية اختلاط التعليم، وبين مؤيد ومعارض تمكن تيار التحديث من كسب النقاش. اذ إن الصحافة انتقدت موقف التيار المتشدد بدافع ان أهداف هذه الجامعة تحديثية وأيّد هذا الموقف الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مؤكدا ان الجامعة "صرح علمي ومنارة للبحث وتسعى إلى الإسهام في نهضة الأمة وتقدمها".

دبي: في السعودية، يحتدم الصراع بين تيار الأصوليين المتشددين وبين تيار الانفتاح والتحديث في كل مرة يقدم فيها الملك عبدالله على خطوة إصلاحية أو تحديثية. جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست" كانت خلال الثلاثة أسابيع الماضية حلبة للصراع بين التيارين، ليس على أهدافها العلمية والبحثية، ولكن على قضية سماح هذه الجامعة بالدراسة المختلطة بين الطلاب والطالبات، والتي يراها المؤيدون قضية هامشية مقارنة بأهداف هذه الجامعة التحديثية، فضلاً عن أن "قضية الاختلاط" كما يقول المؤيدون هي محل خلاف بين الفقهاء، بينما يراها التيار المتشدد في السعودية جوهرية، تختلف مع ثوابت الإسلام في الفصل بين الجنسيين في كل مجالات الحياة، وعلى رأسها مجالات التعليم.

إقرأ المزيد:

مراقبون: إقالة الشثري تُعبِّر عن استياء الملك  

مرسوم ملكي سعودي بإقالة الشيخ سعد الشثري 

الملك عبدالله: حلمي تحقق بعد 25 عامًا

جامعة الملك عبدالله.. حُلمٌ يتطلع إلى العالمية

كلمة العاهل السعودي بمناسبة تدشين جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية

اليوم السعودي الكبير... إفتتاح جامعة "كاوست" واستقبال الرؤساء

الدكتور سعد ناصر الشثري أحد أعضاء هيئة كبار العلماء، أعلى مرجعية دينية رسمية في السعودية، انتقد هذه الجامعة في إحدى الفضائيات الإسلامية، وطلب من الملك أن يتم تشكيل لجنة دينية تقوم بالرقابة على الجامعة لإزالة المنكرات وعلى رأسها منكر الاختلاط، فانتقد مجموعة من الكتاب والصحافيين هذا الموقف بشدة، واعتبروا أن يتخذ عضوٌ في هيئة رسمية موقفاً معلناً كهذا فيه تجاوز لصلاحياته، فضلاً عن أن مثل هذه المواقف من شأنها أن تعطل حركة التحديث التي يقودها الملك عبدالله، الأمر الذي جعل الملك يعزله من عضوية كبار العلماء، ما جعل الحوار يأخذ منحى أشد حدة بين التيارين، مؤيدي الانفتاح والتحديث من جهة والمتشددين الدينيين من جهة أخرى.

الشيخ يوسف القرضاوي إحدى الفعاليات الإسلامية المؤثرة في العالم الإسلامي، والمعروفة بمناصرتها للقضايا الإسلامية، اتخذ موقفاً مؤيداً لتيار التحديث و الانفتاح. وفي لقاء نشرته معه جريدة "المدينة" السعودية على صفحتها الأولى على ثمانية أعمدة أشاد بالجامعة، واعتبرها: "صرحا علميا ومنارة للبحث وتسعى للإسهام في نهضة الأمة وتقدمها، وما أحوج امتنا لهذه الجهود الطيبة التي تخدم الأمة، وهدف الجامعة نبيل ولا بد أن نقف موقف الوسط فلا إفراط ولا تفريط، فمشكلتنا كما ذكرت وأذكر دائمًا أننا في أكثر القضايا الاجتماعية والفكرية، نقف بين طرفي الإفراط والتفريط، وقلما نهتدي إلى «التوسط» الذي يمثل إحدى الخصائص العامة والبارزة لمنهج الإسلام ولأمة الإسلام". ثم تعرض لقضية الاختلاط والتي هي نقطة الجدل بين التيارين، والذي ذهب ضحيتها الشيخ الشثري فقال : "إن كلمة «الاختلاط» في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة، كلمة دخيلة على «المعجم الإسلامي» لم يعرفها تراثنا الطويل العريض طوال القرون الماضية، ولم تعرف إلا في هذا العصر، ولعلها ترجمة لكلمة «أجنبية» في هذا المعنى، ومدلولها له إيحاء غير مريح بالنظر لحس الإنسان المسلم، وربما كان أولى منها كلمة «لقاء» أو «مقابلة» أو «مشاركة» الرجال للنساء، ونحو ذلك". و أشار إلى أن : "الإسلام لا يصدر حكمًا عامًا في مثل هذا الموضوع، وإنما ينظر فيه على ضوء الهدف منه، أي المصلحة التي يحققها، والضرر الذي يخشى منه، والصورة التي يتم بها، والشروط التي تراعى فيه".

ثم عدد كثيراً من الصور التي عرفها التاريخ الإسلامي وشاركت فيها المرأة بجانب الرجل، واعتبرها دليلاً على الإباحة، يقول: "كانت المرأة تشهد الجماعة والجمعة، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام (..) وكانت النساء يحضرن دروس العلم، مع الرجال عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألن عن أمر دينهن ما قد يستحي منه الكثيرات اليوم. حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنهن لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستعاضة ونحوها (..) وتجاوز هذا النشاط النسائي إلى المشاركة في المجهود الحربي في خدمة الجيش والمجاهدين، بما يقدرن عليه ويُحسنَّ القيام به، من التمريض والإسعاف ورعاية الجرحى والمصابين، بجوار الخدمات الأخرى من الطهي والسقي وإعداد ما يحتاج إليه المجاهدون من أشياء مدنية. (..) وفي الحياة الاجتماعية شاركت المرأة داعية إلى الخير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، كما قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ؛ ومن الوقائع المشهورة رد إحدى المسلمات على عمر في المسجد في قضية المهور، ورجوعه إلى رأيها علنًا، وقوله: " أصابت المرأة وأخطأ عمر " .

واختتم تصريحه بأن وضع ضوابط للتعليم المختلط بين المرأة والرجل منها: "غض البصر من الفريقين، الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم، الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء وخصوصًا في التعامل مع الرجال وفي الكلام أو المشي أو الحركة، أن تتجنب كل ما من شأنه أن يثير ويغري من الروائح العطرية وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق ولا للقاء مع الرجال، والحذر من أن يختلي الرجل بامرأة وليس معهما محرم، فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك، وقالت:"إن ثالثهما الشيطان" إذ لا يجوز أن يُخَلَّي بين النار والحطب".

موقف الشيخ القرضاوي المؤيد أحرج كثيراً تيار الأصوليين السعوديين، وكذلك هيئة كبار العلماء، خاصة وأن معركة مشابهة لمعركة الاختلاط كانت قد نشبت بين هيئة كبار العلماء والحكومة، رفضت فيها أغلبية أعضاء الهيئة توسعة المسعى في الحرم المكي، بحجة أن التوسعة بشكل أفقي لا تجوز، بينما التوسعة بشكل رأسي، أي متعدد الأدوار، جائزة، رغم أن الضرورة وما يسببه تكاثر الحجاج والمعتمرين يحتم التوسعة الأفقية. أقرت الحكومة السعودية التوسعة آخذة برأي أقلية أعضاء المجلس الأكثر علماً وانفتاحاً من المتشددين، ثم اتخذ كثير من المراجع الفقهية التي تمثل أغلبية المذاهب الإسلامية في الأقطار الإسلامية موقفاً مسانداً لموقف الحكومة، الأمر الذي جعل موقف المتشددين في من أعضاء هيئة كبار العلماء يبدو وكأنه موقف الأقلية إذا أخذ هذا الرأي الفقهي على مستوى العالم الإسلامي.

الجدير بالذكر أن الشيخ عبدالرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي كان قد أيد أيضاً الجامعة من على منبر الحرم، وأشاد بها، وخطأ من انتقدها، واعتبر المنتقدون ممن ينساقون : "خلف الشائعات المغرضة والإثارة المتعمدة المحرضة التي يريد أعداء الأمة وخصوم المجتمع أن تتقاذف سفينتها الآمنة أمواج الفتن المتلاحمة وتيارات الأهواء المتلاطمة"، كما جاء بالنص في خطبته الجمعة التي أعقبت افتتاح الجامعة، وهذا ما اعتبره المراقبون دعماً يصب في خانة التطوير والتحديث التي ينتهجها الملك عبدالله جاءت من إحدى الفعاليات التي تحظى بشعبية واسعة في الداخل السعودي.

كذلك دعم الجامعة وأشاد بها أمين عام هيئة كبار العلماء الدكتور فهد بن سعد الماجد، وثمن جهود الملك عبدالله في دعم الأبحاث العلمية التي تمثلت في هذه الجامعة، وقال في معرض لقاء خص به جريدة "عكاظ السعودية"، في لغة جديدة على الخطاب الديني السعودي : "إن فقدان العالم المتخصص للتوجيه الفكري السليم قد ينتج منه بمكتشفاته ومخترعاته ما هو مضر بالبشرية، كما أشار إلى ذلك العالم السويسري "رتشارد أرنست" الذي فاز بجائزة نوبل للكيمياء في عام 1991م، حينما قال: يجب أن يعطي العلماء أدوات تفكير لتساعدهم على رؤية الصورة الكبيرة للأشياء كي يفهموا الطريقة التي يغير فيها العلم العالم، وخصوصا عندما يتعاملون مع أشياء جذرية، مثل الذرة وقواها، ثم قال: يجب أن يدرك العلماء أهمية التغيير الذي يساهمون فيه كي يدفعوه بالاتجاه الذي يفيد الإنسانية ويساهم في حل معضلاتها ومعاناتها" . ثم عرج الماجد على قضية الاختلاط ولامسها بحذر شديد حينما قال بالنص: "المرأة شق الرجل وشقيقته ولها حضورها المميز في عصر صدر الإسلام وبلادنا تحقق ذلك، ولا أدل على ذلك من مدخلات التعليم ومخرجاته، ولقد كانت المملكة وما زالت وستبقى بإذن الله قدوة مثلى للعالم بأسره وللعالم الإسلامي خاصة في قيام المرأة بوظيفتها الاجتماعية والعلمية في جو آمن ومحافظ".

ويبدو أن التيار الأكثر انفتاحا الذي يلح على التحديث و التطوير والإصلاح هو الذي كسب في هذه الجولة، وفي الوقت ذاته خسر المتشددون كثيراً من مواقعهم، وكذلك نفوذهم السياسي، خاصة بعد النقد الصحافي اللاذع الذي ملأ صفحات الجرايد بعد اعتراض بعضهم وصمت البعض الآخر على هذه الجامعة الجديدة قلباً وقالباً على المؤسسات السعودية التعليمية.

في