GMT 7:45 2006 السبت 1 أبريل GMT 7:52 2006 السبت 1 أبريل  :آخر تحديث

هل ضيّع السياسيون العراق من جديد؟

محمد سعيد المخزومي

واقع العراق السياسي الحالي لا يشير إلى انه بخير، وان المؤشرات السياسية لقادة الكتل السياسية لا تشير إلى انهم يريدون للعراق خيرا، ذلك لأن النتائج الحالية لا تشير إلا إلى المقدمات الخاطئة.
 وهنا لا أريد أن أعمل بمنطق المجاملة السياسية لطلاب السلطة وأروقة الحكم فيقول أن العملية السياسية تتمتع بشفافية وان كل شيء يسير على ما يرام وان الديمقراطية قد قطعت أشواطا متقدمة وما إلى ذلك من الكلام الخاطئ والمصطلحات المعسولة.
كما لا اريد أن اكون متشائما كمن يعيش خارج اللعبة السياسية المرة، بقدر ما أريد أن أكون واقعيا منطلقا من واقع الباحث الموضوعي والدارس العلمي لتشخيص ما بين يديه من واقع سياسي مأساوي. وهذا المنطق لا يحتمل المجاملة والمحاباة بل يتوخى أدوات البحث العلمي في التشخيص والمعالجة.
وان كان هذا المنطق لا يروق لم يحب المجاملة ليكون مثله مثل المريض الذي لا يحب من الطبيب إلا أن يسمع منه كلمات الطمأنة والتقرير الكاذب لما يعاني من مشكلة كارثية خطيرة.
الكارثة السياسية المرة التي نعيشها الآن تكمن في أن السياسيين العراقيين لا يحسنون لغة الحساب الرياضي لمنطق الحياة.
صحيح انهم يتقنون جيدا لغة الحساب الرياضي لمنطق الاقتصاد وجمع المال أما من حيث الحياة فهم فاشلون ذلك انهم كانوا وما زالوا يتخبطون حينما يحسبون أمورهم السياسية بموجب الحساب الرياضي لمنطق الحياة.
وبذلك فهم أميون من هذا الجانب....

ومعذرة على هذه الصراحة لأن ثمن المجاملة دماء شعبنا وتهجير أهلنا وتدمير مقدساتنا ونسف أضرحة أئمتنا وانتهاك أعراض نسائنا وأخواتنا، باهض جدا لا يحتمل المجاملة بقدر ما يوجب المصارحة، لأن أبرز أنواع النفاق المجاملة.
منطق الحساب الرياضي في ميدان الاقتصاد يقول عند جمع الواحد إلى أربعة إلى خمسة يكون الناتج عشرة، وبإضافة العشرة إلى تسعين يصبح الناتج مائة. وهي نتيجة طيبة تفرج هم التاجر كلما تصاعد الرقم عنده.
وهذه الحقيقة المنطقية في الحساب لا يحسن العمل بها (سياسيوا العراق) في ميدان العمل الحيوي، إذ كلما جمعوا الواحد إلى الاثنين قرأها السياسي واحدا، وبإضافة المجموع إلى المائة لا يقرؤها إلا واحدا، ولو أضفت إلى ما قد ما حصله ألفا وألفين وثلاثة فلا يقرؤها إلى واحدا، ذلك لأنه يقرأ كل الأرقام التي يراها (صفرا) وان بلغت مبلغ الدنيا برمتها، ليبقى عنده الناتج (واحدا لا غير) وذاك الواحد الناتج هو ذاته وما تهوى.

من هذه الحقيقة المرة تجد اغلب سياسيي العراق (إلا من رحم ربي) لا يحبون إلا أنفسهم وذواتهم وأحزابهم دون التفكير بجمع الآخرين إليهم ليشكلوا معهم أرقاما قياسية كبيرة تساهم في بناء العراق الجديد.

وما معضلة تشكيل الحكومة (حاليا) إلا من ابرز نتائج هذه القراءة الخاطئة في العملية الحسابية لمنطق الحياة، إذ أن سياسيوا الشيعة لو كانوا قد أحرزوا الأصوات الأغلب لمجلس النواب بما يمكنهم من تشكيل حكومة الأغلبية الساحقة من دون الحاجة إلى كتلة الأقلية الكردية لكان العراق بخير ولما هدمت مقدسات آل محمد، ولما وقعت هذه الضحايا بهذه الكثرة، لأنهم سيكونون قد أسكتوا الجميع بتشكيل حكومة الأغلبية المطلقة الساحقة من دون الحاجة إلى حكومة الائتلاف مع الكتلة الأقلية.

والسبب في ذلك هو أن الكتلة السياسية الشيعية الفائزة بالأغلبية غير الساحقة قد فرّطت بباقي الكتل السياسية التي تشاطرهم (الهم) و(المحنة) و(المصير) و(العدو المشترك) سواء كان التفريط (بالظاهر) القانوني أو غير القانوني، وسبب تفريطهم هو عدم إتقانهم قراءة الجمع الحسابي في بناء الحياة.
فاضطرهم ذلك التفريط إلى الائتلاف، من اجل تشكيل الحكومة، مع كتلة الأقلية الكردية التي عملت هي الأخرى بذات المنطق الحسابي المغلوط، فكانوا يفكرون بأنفسهم وحساباتهم الحزبية والقومية الخاصة بهم فرأوا ضرورة اللجوء إلى المزيد من الضغط السياسي على الكتلة الشيعية ذات الأغلبية غير الساحقة من أجل المزيد من المكاسب والامتيازات المختلفة مستفيدين مع الأسف الشديد من فرصة الذبح الطائفي للشعب المحروم، وعدم حسم أمر تشكيل الحكومة، فصاروا يتحالفون مع القوى التي كانت بالأمس القريب بين فاعلة ومساندة وبين عاملة ومؤيدة لمجازر المشروع القومي العربي (البعثي) ضد الأكراد وما ضحايا حلبجة عنهم ببعيد.؟!.!.
 أما الكتل السياسية السنية فهي الأخرى التي احترفت – مع شديد الأسف- مهنة قراءة المعادلة السابقة بشكل متقن فكانت وما زالت لا ترى إلا نفسها أو أن يكون العراق ترابا كما قالها الزعيم القومي العربي الملهم (هبة السماء صدام)، إضافة إلى أنها قد فقدت دولة المشروع الطائفي القومي وخسرت بسقوطها الدولة والامتيازات والإمكانات وكل شيء، حتى عملت الآن على المزيد من الابتزاز تحت غطاء الذبح الطائفي وهدم المقدسات، والعمل على عودة البعث بذات الأسماء والأشخاص والمسميات...وليس ذلك على الأيام القليلة القادمة ببعيد إن بقي الأمر على ما هو عليه من سياسة الابتزاز الرخيص على حساب مجازر اليومية للشعب.

ولقد كان آخر ما كتبت في هذا المجال محذرا الفرقاء السياسيين من مغبة الوقوع في كوارث هذه القراءة الخاطئة وبالتحديد قبل أيام معدودات من الخوض في الانتخابات البرلمانية الحالية وكان بعنوان: (لكيلا يضيع السياسيون عراقنا من جديد).
فأكدت على نقاط كنت أقرأ منها الكوارث السايسية الراهنة فكانت من تلك النقاط ما يلي:
((( إن من أبرز التحديات التي تواجه الساسة المخلصين في العراق الجديد من بعد تحدي تحالف القوى الطائفية الإقصائية، والسلفية التكفيرية، وبقايا النظام البائد على تدمير العراق، هو تحدي انتهاج السياسة الحكيمة في جمع القوى الإسلامية والوطنية المخلصة لوطنها المتفانية في سبيل بناءه وعمارته لا دماره وخرابه.
وهذا هوالأمر الذي يستلزم منهم اتقان سياسة التحالف مع كل القوى المخلصة الخيّرة من كافة الاتجاهات السياسية والتوجهات الدينية والمدارس الفكرية في العراق وأخص بالذكر اخوان العسرة ورفاق المحنة وأقران الشدة في تلك السنين العجاف والممتحنين طول التاريخ الدموي للعراق ولا يفرطوا بواحد منهم فان التفريط بواحد خسارة، وفي الخسارة ضعف، وفي الضعف تداعي، وبعد التداعي انهيار، ومع الانهيار السقوط.
عليكم أن تتكثروا من اخوان المحنة ورجال الشدة ورفاق ذات الشوكة والرساليين من ذوي التضحيات الجسام والمحن الدواهي العظام، فلا تفرطوا أوتعادوا أحدا ممن يقوى به الظهر ويشتد به العود، ويستند عليه الساعد، ويستعان به عند المحنة.
(ولا تُضِيعنّ حقّ أخِيك اتِّكالاً على ما بينك وبينهُ فإِنهُ ليس لك بِأخٍ من أضعت حقّهُ ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ولا ترغبنّ فِيمن زهِد عنك) ()
كما لا تنسوا أن ما بين ايدينا من الثروة الفكرية والرصيد المنهجي الكبير لبناء الحياة مما قد وردتنا عبر التاريخ الطويل من ائمتنا عليهم السلام، وقد ورد عن الإمام الصادق أن لقمان يوم قال لإبنه: ( يا بني اتخذ ألف صديق وألف قليل ولا تتخذ عدوا واحدا والواحد كثير ) ()
إجمعوا أيها السياسييون حولكم الاصدقاء المخلصين ولا تعادوا اخوانكم وتضعونهم وراء ظهوركم فان في ذلك الخسران
فعليكم بجمع العقول وإن كانت على غير حزبك وغير مدينتك أومن بلدتك أومدرستك الفكرية ومنهجك، فإن ذي الرأي السديد نعمة، والتفريط بالنعمة كفر بها، وعلى الكفر عقاب في الدنيا وخزي في الآخرة، وأن على احترامها وشكرها ثواب وتقديرها ووضعها محلها وعدم اقصائها فوز في الدينا وجزاء في الاخرة، وتلك هي السنّة التي قالها بارئها ووعاها كل من القى السمع وهوشهيد: ( لئن شكرتم لأزيدنكن ولئن كفرتم إن عذابي شديد) ()
وان من ابرز ما يشتد به عضد السياسي الناجح والحاكم النّزيه هوالحزم الذي لا يتحقق إلا بجمع عقول أهل الراي الحصيف مهما اختلف لونه وحزبه ومدرسته عن لونها وحزبها ومدرستها.
وهنا لابد من معرفة أن العقول القادرة على بناء العراق هي العقول التي تتجرد من الحزبية، قومية كانت تلك الحزبية أو طائفية أو سياسيا.أما العقول التي همها السلطة والسلطان وهدفها السياسة والرياسة وديدنها الأبهة والعنوان، وان كان على حساب ذبح الإنسان وتدمير الإنسانية، والتي همها الاستحواذ على الرئاسة والهيمنة على القرار السياسي وان استدعى ذلك سفك الدماء وانتهاك الحرمات، وان كان ذلك تحت شعار الدين أوالوطن والتحرير، تلك العقول لن يمكنها بناء العراق بل أن ذلك التفكير هو الذي دمر العراق وجرّ إليه الويلات. ذلك لأن العاقل هو الذي يخاف الله في عباده ويراقب الله في بلاده.
وبعد هذا وذاك فإن الخير كل الخير، والقوة والمنعة تجتمع في جمع عقول الذين يخافون الله ويخشونه ويتورعون، فإنه:( لا مظاهرة أوثق من مشاورة) ()
  وهل أن الخير كل الخير في هؤلاء؟
أم أن الخير في التحزب ضد العقول الخيّرة لكونها على غير الحزب الذي يهواه هذا الإنسان أو ذلك؟
ولذلك فقد سميت هذا التحدي بتحدي انتهاج السياسة الحكيمة في جمع القوى الإسلامية والوطنية المخلصة لوطنها المتفانية في سبيل بناءه وعمارته لا دماره وخرابه، لأنه يحتاج إلى مجاهدة النفس، ومصارعة الذات، والتخلص من لوث الأنانية المقيتة.)))
وما دفعني إلى ذلك التحذير أو التنبيه إلا خشية أن نصل إلى الوضع المأساوي الذي نحن فيه الآن من تدمير مقدساتنا وانتهاك اعراض نسائنا وذبح أهلنا وتهجير شعبنا وتخريب بلادنا ونهب ثروات الشعب المحروم.
وبعد ذلك التحذير أحجمت عن الكتابة بعدها حتى سألني بعض الاصدقاء عن سبب احجامي فقلت له أنتظر بم سيعود السياسيون وما ذا سنجني لأني كنت أقرا ان القوم عازمون على ممارسة ذلك المنهج المغلوط في قراءة مفردات الحساب اللازم وفق منطق الحياة.
ورغم هذا وذاك فان بعض السياسيين يعتقدون من ان الكارثة قد وقعت وخسر العراق كل شيء وعدنا من جديد إلى زمن الإرهاب والدكتاتورية الغابر وإن كانوا محقين في ذلك الى حد بعيد، لأننا اُرجعنا إلى الوراء وخسرنا نعمة الانتخابات والدستور وحرية التعبير عن الرأي وغيرها مما قد بدأنا نحس ببعض الحرية التي وهبنا الله اياها.
ومع ذلك كله فأمامنا فرصة كبيرة:
أولا: خيار الشعب: فالخيار كل الخيار بيد الشعب وليس بيد الكتل السياسية التي لا تمثل الشعب كله إلا بنسبة ما قد أحرزت من أصوات، وهي لم تعدوا أكثر من بضعة آلاف للكثير من أقليات الابتزاز السياسي وأحزاب تدمير العراق الجديد بأيدٍ ما زالت تتذرع بسرابية الديمقراطية الكاذبة التي لا تحترم الشعب ولا رأيه، ولا رأي الأكثرية ولا أصواتها.
 ثانيا: القيادة الحقيقية للشعب: واعني بها قيادة المرجعية الربانية لأنها هي التي تتحسس آلام الشعب ولا تخشى أحدا إلا الله، وهي القادرة على تعيير المعادلة السياسية لكونها تمثل ضمير الشعب وإرادة الأكثرية الشعبية التي قدمت الضحايا والقرابين في سجون حكومة النظام الطائفي الغابر، ولم تكن قيادة الشعب العراقي بيد الأحزاب السياسية قد لأنه شعب غالبيته العظمى مسلم مؤمن بالله ورسوله وأهل بيته بالمرجعية الدينية الربانية، وهذه هي الحقيقة التي بغضها الاستعمار المتمثل بقوى الاحتلال قديما وحديثا.
 أما العقبات الأخرى التي توضع في طريق استقرار شعب العراق فليست إلا ذات تأثير نسبي محدود مقابل إرادة الشعب وقيادته المتمثلة بالمرجعية الربانية، كتأثير القوات الأجنبية الحاكمة، أو تأثير الأحزاب السياسية المتضررة من سقوط الطاغوت، أو تأثير الأحزاب التي لا تمثل رأي الغالبية العظمى للشعب إلا بمقدار الأصوات التي عبرت بها عنها كما أسلفت.

إذن يجب أن يتصدى الشعب للمؤامرة (البعثية الطائفية الأمريكية)، وعلى الشعب إلا يصدق بعد هذا بكذبة الديمقراطية التي تريد بنا العودة إلى كوارث الطائفيين واستبداد البعثيين من جديد.

لأن الشعب الذي نهض من رقدته ويراد له الرضوخ من جديد إلى استبداد الطائفيين والنفعيين والابتزازيين، هو شعب لن يسكت أمام هذا الذبح من اجل المزيد من إبتزازات الطائفيين والديمقراطية الكاذبة.
وإلا فإن السكوت عن جرائم الذبح الطائفي والتساهل مع ممارسات الابتزاز السياسي والمزيد من التنازلات على حساب قرار الشعب وإرادته ومستقبله ومقدراته سيؤدي إلى تدمير العراق، وسوف لن ينعم به كردي ولا سني أبدا، (لأن الشيعي مذبوح سلفا منذ قرون)، ولأن استقرار العراق قضية واحدة وإن كانت دول الاحتلال قد أعطت الضوء الأخضر لهم في ذلك الابتزاز والتدمير للمقدسات وانتهاك الحرمات وسفك الدماء فإن الجميع سوف لن يفلحوا، حيث أن الزلزال إذا ما وقع فسوف لن يقف عند حد وان تردداته الاهتزازية ستقض مضاجع الجميع.

محمد سعيد المخزومي

في أخبار