GMT 8:00 2007 السبت 27 أكتوبر GMT 8:05 2007 السبت 27 أكتوبر  :آخر تحديث

هل مناقشة التطبيع من المحرمات؟

سلوى اللوباني

سلوى اللوباني من القاهرة: تم عرض الفيلم التسجيلي "سلطة بلدي" للمخرجة المصرية ناديا كامل مساء أمس في معهد جوتة الالماني في عرض خاص للفيلم بحضور العديد من الصحفيين والمثقفين اضافة الى أفراد عائلة المخرجة ومنهم والدها الكاتب والصحفي "سعد كامل" الذي اشترك في تأسيس قصور الثقافة وتولى رئاستها. وقد تم عرض الفيلم في مهرجان أبو ظبي السينمائي وأثار موجة من الجدل الكبير واتهم الفيلم بدعوته للتطبيع مع اسرائيل. هو أول أفلام المخرجة.. بدأت التصوير عام 2002 وانتهت منه عام 2005 ..قامت المخرجة ببحث طويل لاعداد الفيلم فقد صورت 300 ساعة واستغرق مونتاج الفيلم مدة سنة..وهو من الافلام التسجيلية الطويلة فمدة الفيلم 105 دقائق وهو أول فيلم مصري صورت بعض من مشاهده في فلسطين واسرائيل معاً. ونشير هنا الى أن المخرجة قد عملت لمدة عشر سنوات مع عدد من المخرجين منهم يوسف شاهين. الفيلم من انتاج شركة تعسيلة المصرية بالاشتراك مع أكثر من شركة في أوروبا، سيناريو واخراج ناديا كامل، مونتاج كاترين مابيلا، تصوير ابراهيم البطوطي وناديا كامل، ومنتج منفذ شاري لاب، ناديا كامل، الدا جويد نيتنتي، وريتشارد كوبانز، أما الموسيقى والغناء لكاميليا جبران.

من الفيلم
عائلة المخرجة
عبرت المخرجة ناديا كامل من خلال الفيلم عن رؤيتها للحياة والعالم، فالفيلم يتناول عائلة المخرجة التي لها أصول عديدة، والدتها "ماري كامل" من مواليد القاهرة لاب يهودي وأم ايطالية كاثوليكية، والدها سعد كامل مصري مسلم، الحفيد نبيل شعث- دينا اخت المخرجة متزوجة من علي ابن السياسي الفلسطيني نبيل شعث-خليط من دماء مصرية ايطالية، فلسطينية لبنانية، وروسية وقوقازية، وتركية واسبانية، ومن هنا جاء اسم الفيلم "سلطة بلدي" ليعبر عن هذا الخليط من الثقافات والديانات المتنوعة للعائلة فهي مثل تشكيلة السلطة. أبطال الفيلم هم عائلة المخرجة والبطلان الرئيسيان هما الجدة ماري والحفيد الطفل الصغير نبيل..تروي فيه الجدة للحفيد عن حكاية زواجها وحياتها حتى الان..فهو فيلم يجمع بين العلاقات الانسانية المتنوعة ما بين الماضي والحاضر ويترك الباب مفتوحا للنقاش بمستقبل هذه العلاقات في ظل ما نعشيه من سياسات تؤثر تأثيراً كبيراً على هذه العلاقات!! وتناولت المخرجة بفيلمها أيضاً موضوع تغيير الديانة فعائلة والدتها قامت بتغيير ديانتها من اليهودية الى المسيحية بعد الحرب العالمية الثانية وهاجرت الى فلسطين عام 1946، ومن ثم اسلام والدتها "ماري" عند زواجها من الصحفي سعد كامل، وأيضاً تطرقت الى موضوع الهجرة وموضوع زيارة اسرائيل أو فلسطين والصعوبات القائمة لاتمام الامر. هو حوار بين الاجيال الجدة ماري والصغير نبيل.. حوار بين الحضارات..وكيف اختلف التفكير بين الماضي والحاضر بسبب ما يحدث من حولنا من تغيرات سياسية وايدولوجية.. حيث كانت مصر تحتوي مختلف الجنسيات والديانات وكان الناس سعداء بالرغم من هذا الخليط أو المزيج وكان هناك نوعاً من التسامح..أما الان فهناك صوت الخطاب الديني المتشدد الذي لا يعترف بالاخر..مهما كان هذا الاخر.. وعبرت عن ذلك المخرجة بأول مشهد يبدأ به الفيلم وهو خطبة صلاة العيد حيث اختزل خطيب المسجد العالم بالمسلمين وأعداء المسلمين..فمن هو ليس منا أصبح عدونا..

زيارة اسرائيل
الجدة ماري كامل صحفية لاكثر من 30 عاما في مصر وكانت من التيار الشيوعي وتم سجنها لمدة 7 سنوات ومؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، فقدت صلتها باقاربها الذين هاجروا الى فلسطين عام 1946 بسبب قيام دولة اسرائيل فيما بعد والمقاطعة العربية على أثرها.. وهذه الهجرة والمقاطعة أدت الى تشتت الكثير من العائلات وأصبح التلاقي أمراً صعباً أو حتى محرماً لانه يندرج تحت موضوع التطبيع..محور الفيلم يدور حول قرار الجدة بزيارة اسرائيل للقاء أقاربها..مما يثير غضب البعض من العائلة في مصر وموافقة البعض.. فمجرد ذكر كلمة اسرائيل يثير النفور والاستغراب.. وهذا ما شاهدناه في مشهد جميل من الفيلم حيث كانت ابنة عم المخرجة وهي سيدة محجبة تتحدث عن علاقتها بالجدة ماري وكيف قضت بينهم سنوات طوال وانها تعلمت منها الكثير وكانت تستشيرها في معظم أمور حياتها..الا انها عندما علمت بموضوع اصولها اليهودية..استغربت جداً وأبدت نوعاً من القلق بأن تكون هذه السيدة اللطيفة التي عاشرتها كل هذه السنوات لها اصول يهودية وهو من المحرمات.. لان الفكر السائد يعتبر أن اليهودي هو اسرائيلي!! حتى الحفيد الصغير نبيل عندما كانت جدته تروي له تاريخ مولدها أبدى استغرابه من ذكر كلمة اسرائيل..ليعاود ويسأل الجدة أكثر من مرة..يعني ايه؟ يعني ايه؟ وكانه لا يريد التصديق بان جدته التي يحبها ويعيش معها لها اصول يهودية!! ويجدر الاشارة هنا الى أن خفة دم الجدة ماري وحفيدها اضفت على الفيلم جمالية رائعة لتناغم العلاقات الانسانية..

سواء اتفقنا أو اختلفنا مع رؤية مخرجة الفيلم الا اننا نعترف بالجرأة التي تحلت بها لطرح مثل هذه القضية الانسانية البحتة كما تؤكد بعيداً عن السياسة..وحتى لو كان هناك أي هدف سياسي لفيلمها فما المانع من مناقشة الابعاد السياسية للفيلم مثل فكرة التطبيع؟ هل هي من المحرمات؟ وما الفائدة التي عادت على الشعب الفلسطيني بالدرجة الاولى من المقاطعة العربية لدولة اسرائيل؟ وهو ما جاء على لسان أحد ابطال الفيلم واستنكارها لهذه المقاطعة التي لم تعود عليهم باي فائدة!

السلطة البلدي قد يحبها البعض أو يرفضها أوحتى يكرهها....الا انها متواجدة على جميع موائد الطعام... قد لا تتناولها اليوم... ولكن يوما ما ستضطر الى تذوقها.

salwalubani@hotmail.com

في