GMT 9:00 2007 الثلائاء 24 يوليو GMT 9:58 2007 الثلائاء 24 يوليو  :آخر تحديث

عمارة قحطان عوني: المفهوم الخاص للمكان

د خالد السلطاني
مواضيع ذات صلة

د. خالد السلطاني: يظل العقد الخمسيني في العراق الحافل بانجازات ابداعية متعددة يغوي الكثيرين لجهة رصد تلك الانجازات وتعقب صيرورتها وتلمس تطورها وتأثيراتها على مجمل النشاط الثقافي المحلي. ثمة بواعث كثيرة تواءمت زمنيا لتجعل من ذلك العقد حاضنا لاجناس ابداعية متنوعة، بضمنها العمارة طبعاً، العمارة التى اكتست " برداء " الحداثة واكتسبت شرعيتها منها، اي من الحداثة ذاتها. وعمارة قحطان عوني (1926-1972)، موضوع اهتمامنا الان، (والدراسة مكرسة لثمانينيته)، احدى تجليات تلك "الموجة الجديدة" التى وسمت ذلك "العقد الفريد" وجعلت منه فاصلة للتجديد وللقطيعة معا ً، التجديد الذي يطمح لان تكون مؤشراته متصادية مع انشغالات ورشة الجهد المعماري العالمي ومعاييره. والقطيعة مع ممارسات باتت تعتبر شواهدها المبنية محض امثلة عادية ومحافظة وحتى تقليدية، لايمكنها باي حال من الاحوال ان تظل متعايشة بحصافة مع جملة المتغيرات التى طرأت على البلاد وعلى احتياجات مجتمع البلاد. ولئن ابانت الحداثة العراقية عن حضورها القوي والصريح في عقود لاحقة، فان العقد الخمسيني سيذكر، من دون ريب، بانه وقت ارهاصات ذلك الحضور ومنبع تلك الحداثة.
 وكلامنا عن الحداثة بالعراق يتعين تقبله ضمن سياقه الزمني، وما يمكن ان تحمله تلك الحداثة من دلالات معينة، افضت الى تحقيق انجازات ثقافية طالت اجناس ابداعية مختلفة. من هنا، فاننا نعيد التأكيد مرة اخرى، بان ما تم اجتراحه في العراق بالخمسينات يعد ظاهرة نادرة في المحيط الاقليمي. اذ، ماعدا لبنان الخمسيني، فان العراق تصدر دول المنطقة كلها في انهماكه الجدي في فعاليات التغيير، جاعلا من الحداثة فحوى ذلك التغيير واطاره معا ً. بالطبع اننا نعني بالحداثة المعمارية ليست اساليب الممارسات البنائية التقليدية الراسخة واحيانا الرصينة في البيئة المبنية لبعض بلدان المنطقة كمصر وسوريا وفلسطين، ولا نقصد حذاقة اعمال تلك الممارسات البنائية واتقانها، وانما نتحدث تحديدا عن نوعية المقاربات المعمارية الحداثية التى "اصطخب" بها الخطاب المعماري العراقي يومذاك، الخطاب الذي لم نشهد شبيهاً اوتمثيلا له، لا في تلك البلدان الاقليمية، ولا في غيرها من دول الجوار. وهذا الخطاب، كما هو تداعياته وتجلياته في اجناس ابداعية اخرى تأسس على ايدي كثر من الشباب التائق للتغيير والواعي له بسبب نوعية ثقافته الرصينة وبحكم اعداده المهني الجيد. وثقافة " قحطان عوني " ونوعية اعداده المهني سيؤثران تأثيرا كبيرا على حسن تهيئة المعماروعلى توسيع مدارك مهنيته، وسيؤهلانه للعب دور مهم ومميز في ترسيخ الحداثة المعمارية العراقية، ذلك الدور الذي انقطع، بغتة، جراء وفاته المبكرة والمفاجئة في سنة 1972.
ثمة خواطر رؤوية كونت قناعات فكرية لدي البعض (لديّ، شخصيا، في اي حال)، مفادها بان خريجي المدارس المعمارية الامريكية من المعماريين العراقيين، على تواضع عددهم، لعبوا دورا رئيسيا واساسيا في ترسيخ مفهوم الحداثة المعمارية بالعراق. هل كان هذا، بسبب تشبع الخريجين بالظاهرة الحداثية التى تقبلتها سريعا المناهج التعليمية في معظم المدارس المعمارية الامريكية؟، هل ان انتمائهم للحداثة بسبب تصادف وجود وفرة من المعماريين الرواد الحداثيين وقتذاك على الارض الامريكية بعد ويلات الحرب وتبعات الانظمة الشمولية؟ هل ان قبولهم لها كان على وقع اسلوب الحياة اليومية الامريكية ومعاييرها، الممجدة "للهوس" التجديدي والتائقة "بحمى" الى خلق مناخاته؟ مهما يكن فان "لوثة" التجديد والتعايش اليومي معه كانتا، كما هي راهناً، الخبز اليومي " المعتاد " في الحياة الثقافية والفنية الامريكية، ما انعكس عميقا، في النتيجة، على نوعية تأهيل المعماريين العراقيين الذين درسوا ابان تلك الفترة بالولايات المتحدة، وعلى تكوين افكار تساعدهم في التصدى لحل اشكاليات الحداثة في عراق الخمسينات. وانا اشير، هنا، الى دور "الين جودت الايوبي" (1921) ومنجزها الابداعي المميز في هذا المجال وزوجها "نزار الايوبي" (1920) على تواضع اعماله المعمارية، وكذلك الى نـزوع "عبد الله احسان كامل" (1919-1984) نحو التجديد المفرط بعد رجوعه مباشرة من هارفرد، وبالطبع انا اشير ايضاً الى "قحطان عوني". 
 لا امتلك جوابا ً، كما لا اعرف سببا ً في اصطفاء قحطان عوني "بيركلي" الجامعة الواقعة على الشاطي الغربي مكانا لدراسته بدلا من تلك الجامعات الرصينة المعروفة والمنتشرة في الشاطئ الشرقي، لكني اعيّ تماما اهمية هذا الاختيار وتبعاته على نوعية التهيئة المهنية والفنية لمعمارنا الشاب.
ثمة تباين يصل حد القطيعة يسود، او بالاحرى ساد، الى وقت متأخر، الاوساط الثقافية الامريكية لجهة تأشير اختلاف "الايست كوست" : شرق الولايات المتحدة الموسوم بمزاعم، روّج لها واسعا، في كونه موطن الثقافة الرفيعة ومركز المؤسسات النخبوية وموئل الـ "استابلشيمنت" Establishment التى تتحكم في مجمل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد، وبين "الويست كوست"، الغرب النائي البعيد عن مراكز الحضارة، البدائي والساذج وايضا...الوحشي الـ "وايلد"!. لكن هذه المزاعم لم تجعل من الشاطئ الغربي مكانا قصيا ومهجورا، تسكنه بعض من "امية" ثقافية، وبعض من "جاهلية" معمارية. بل واكثر من ذلك، فقد عملت تلك (الاشاعات) على جعل "الويست كوست" يتخطى بنجاح وبسرعة كثير من التكبيلات و "التابوهات" التى عانى منها مثقفو الشاطي الشرقي بحجة وجوب اضفاء الرصانة على المنجز الابداعي، والتمسك بالتقاليد الثقافية الرفيعة له. ومهما يكن فان الشاطئ الغربي استقطب يومها كثر من المثقفيين وفسح المجال واسعا امامهم للابداع والتجريب، ما جعل فضاءات عوالم تلك المنطقة التجديدية تفرض، لاحقا، خصائصها على مجمل الناتج الابداعي الامريكي.
 وما يهمنا من هذا العرض السريع ناحيتين: بيركلي – الجامعة التى باتت تعد من المراكز العلمية المهمة والمعروفة في عموم الولايات المتحدة، حيث تعّلم "قحطان عوني"، ووجود كثر من المبدعين بضمنهم المعماريين الذي سيلتقي "قحطان" مع منجزهم التصميمي وجها لوجه سواء عبر مشاهدته الميدانية لنماذج تصاميمهم في مشهد البيئة المبنية المحيطة به، او من خلال ملاقاتهم ومحاورتهم والاصغاء اليهم في فضاءات المؤسسة الاكاديمية. ومن هؤلاء المعماريين / المعلمين " اريخ مندلسون (1887-1953) E. Mendelsohn و "ريجارد نويترا" (1892-1970) R. Neutra، وكلاهما معماريين مجددين ومعروفين على نطاق عالمي، وكلاهما، ايضا، اشتغلا كثيرا وعميقا على تجديد عمارة البيت السكني وايصالها الى مستويات غير مسبوقة من التحديث، ان كان لجهة التوزيع الفراغي ام لناحية اللغة التصميميه. ومعلوم ان موضوعة "الدارة السكنية" هي "الثيمة" المحببة الى قلب جميع المعماريين العراقيين، الذين اعتبروها دوما عنوانا لمنجزهم الابداعي ومختبرا لمصداقية العناصر التصميمية في تكويناتهم.
ثمة امر آخر تعلمه " قحطان عوني " اثناء دراسته في كاليفورنيا وسيكون له تأثير قوي على مسلكه المهني والفني، وهو ما اعتبر احد الخصائص المميزة لعمارة اقليم الشاطئ الغربي واعني به: امكانية التجريب، التجريب الذي يصل حد "الكيتش" Kitsch من دون ان يثير حنق او سخرية الاخرين. وربما ادى شيوع هذه الممارسة وتأصيلها في المنجز التصميمي الى تبوّأ ذلك الاقليم سريعا الاولوية في اهتمامات الخطاب المعماري الامريكي، ما افضى لاحقا الى " تحرير " العملية الابداعية من عوائق موروثة كثيرة وازالة حواجز ثقافية عديدة، جاهدت النخب الاكاديمية والمهنية الى التمسك بها والتلويح بسطوتها الرمزية. وسيأتي يوم، ليشير "روبرت فنتوري" في كتابه "درس من لاس فيغاس" Lesson from Las Vegas الى وجوب الاحتفاء بالصدفوية والتجديد الفنطازي الذي لا يعرف الحدود لاساليب العمارة ولغتها. وهو الذي سيسقط احتكار مفهوم العمل النخبوي للمنتج المعماري. لكن هذا موضوع آخر، فموضوعنا هو " قحطان عوني " الشاب العشريني الذي قدر له ان يترعرع ويشب ويتهيأ لدوره المعماري الذي "سيلعبه" بمهنية وفنية عاليتين .
 عندما عاد "قحطان عوني" الى العراق بعد ان انهى دراسته في بيركلي (1946-1951)، كان المشهد المعماري العراقي على اعتاب تغيرات جذرية، سبق لنا الاشارة الى مسبباتها في كثير من الدراسات التى تناولنا بها عمارة تلك الفترة (راجع على سبيل المثال لا الحصر كتابنا: "رؤى معمارية"، بيروت – عمان، 2000). لم يكن المعمار الشاب راضيا عن بعض الاعمال المعمارية التى صممها زملاءه الاخرون. وفي حديث مع "رفعة الجدرجي" (1926) في بداية الخمسينات يذكر الاخير نقلا عنه (اي عن قحطان) نقده اللاذع لعمارة مجايليه الاكبر سنا منه (انظر كتاب الجادرجي " الاخيضر والقصر البلوري "لندن – قبرص 1991 ص 26-32). لكن هاجس التغيير المسكون به المعمار الشاب سيظل يتحين الفرصة المواتية لتفريغه على ارض الواقع: عمارة بلغة مختلفة جدا عن سياقها المألوف والوانا ً صارخة وكثيرة، لم يجرأ احد من قبل ان استخدمها، مستدعيا ً بها " اجواء" كاليفورنيا المفعمة بالالوان ومستذكراً عمارتها المتخمة بفورماتها التعبيرية. وهذه الفرصة حانت، ولو بتأخر،لكنها حصلت حين كلف باعداد تصاميم: مستشفى سلمان فائق " بالعلوية ببغداد (1956). 
 يتعين الاقرار، باني لم اشاهد تصاميم المعمار المبكرة، وخصوصا تصميمه لبيت شقيقته ببغداد (1953) وازعم بان مجمل جهده المهني ذاك كان تمريناً تصميماً لاشتغاله على - ولابأس من قولها - رائعته المعمارية الخمسينية: مستشفى سلمان فائق، ذلك المبنى الذي كرس حضوره في المشهد المعماري العراقي، وابان قابلياته التصميمية المتميزة. ورغم ان المبنى افتقر الى فراغات تخصصية تستدعيها طبيعة مضمون المبنى، لكنه مع هذا فقد اتاحت عمارته تأسيس مفهوم معماري محلي جديد قائم على تجاوز مهام تلبية المتطلبات الوظيفية واقتصار انعكاساتها على الواجهات، ومنفتح على فضاءات ابداعية غير مألوفة. لكن هذا المفهوم على اهميتة فقد ظل وقتذاك اسير الذائقة الفنية الرائجة في ادراك " دال " المنتج المعماري وكيفية تقبل معنى "دلالته". اذ لم تشفع له خبرته التصميمة المتواضعة، ولم يساعده مجال عمله الوظيفي، كما لم تسهم اعمال زملاءه المعماريين الاخرين في التخلص نهائيا من تبعات سطوة المقياس المعماري "البيوتي" المتواضع والظاهر جليا في عمارة المستشفى. فعمارة المبنى واسلوب تنطيق كتله ما انفكت تذكرنا بعمارة البيوت السكنية الحديثة، نماذجها العديدة التى امست منتشرة في مناطق مختلفة من بغداد الخمسينية.
 ان اصطباغ عمارة المستشفى بطابع العمارة السكنية، وانتماء حلولها الفراغية لذلك الطابع، لم يجردا المبنى نهائيا ً من الاحساس بعمومية الوظيفة التى يؤديها. وهذا واضح من طريقة معالجة المعمار لجدار الطابق الاعلى المطل على الشارع العام واستخدام سطحه كـ " لافتة اعلانية " كبيرة بمقدورها ان تومئ بامتياز الى وظيفة المبنى العامة. من هنا يمكن فهم نوعية المعالجة الفنية العالية التى حرص المعمار على تأكيدها وتوفيرها للجدار. ثمة منظومة تناسبية متقنة وماهرة تتخلل مجمل ابعاد الجدار وتضفي هرمونية متسقة على تقسيمات عناصره. كما ان المعمار يؤسس لعنصر التضاد فيه عندما يلجأ الى تخريم قسم من سطح الجدار بفتحات دائرية صغيرة تعاكس صلادة قسمه الاخر الابيض، ومع شكل حروف الكتابة الكبيرة المقروءة جليا على سطح الجدار، يكون المعمار قد استوفى وجود كثر من المعالجات التى باستطاعتها ان تؤثر تأثيرا عميقا على المتلقي، وتفصح بالوقت عينه عن عمومية مبناه.
في عمارة المستشفى، يشعرنا المصمم بقيمة فنية الحلول المستخدمة واهميتها في المنتج المعماري، ويشير الى ان مقاربته التصميمية لاتنحصر غايتها في محض تنطيق احياز مصممة، وانما ثمة " كشوفات " تكوينية مضافة يتعين ابتداعها ومن ثم التعاطي المهني معها لتوسيع غايات تلك المقاربة، مثل قرار الرفع الجزئي لكتلة المبنى عن الارض واستخدام مواد بنائية مختلفة والتأكيد على تباين ملمسها واضفاء الالوان على اجزاء المبنى، وتوظيف الخطوط المائلة الديناميكة في الكثير من اقسامه، فضلا على تنسيق الفضاءات الخارجية وتفعيل دورها كعنصر متمم ومهم في اثراء صميم العملية التصميمة. من هنا تنبع اهمية عمارة " مستشفى سلمان فائق " بكونها خطوة ذات دلالة في المنتج المعماري الشخصي لقحطان عوني، ومن كونها ايضا علامة تؤشر لمرحلة جديدة في المشهد المعماري العراقي.

 شهد العقد الستيني، الذي نعرف بانه كان العقد الاخير في مسار منجز قحطان عوني الابداعي، فيضاً من المشاريع ذات التكوينات التصميمية المتميزة، المتدفقة من " مراسم " مكتبه الاستشاري الذي انضم اليه يومذاك معماريون آخرون. كانت لغة التصاميم تلك متنوعة سواء في مفرداتها ام في مرجعياتها، لكنها كانت جميعها تشترك في تقصياتها الاسلوبية ذات النفس الحداثي، تلك التقصيات التى اثرت من دون شك الخطاب المعماري العراقي واسهمت في تكريسه كخطاب مميز في المشهد المعماري الاقليمي.
واذ ندهش لغزارة المفردات وتنوع المرجعيات التى تعاطى معها المعمار ورصدها في مشاريعه المصممة المنفذة منها وغير المنفذة، فاننا بهذا نشير ايضا الى اهتمامه وانهماكه لتأسيس مقاربة معمارية خاصة به، ينزع الى تأثيثها بحساسية فنية جديدة يتوق لان تكون متساوقة مع خصوصية المكان الذي يصمم له. على ان هذه المقاربة " القحطانية " وان بدت ممارسة جديدة وطازجة وعبقة بَنفَس حداثي في الممارسة المعمارية المحلية وقتذاك، لكنها ليست من الصنف الذي يجد المتتبع صعوبة في ارجاعها لمنابع معينة، منابع تجد اصولها في خزين المنجز المعماري العائد لشعوب وامم اخرى. وبما اننا اشرنا الى هذه الحالة، الان، الحالة التى شابتها واعترت تداعياتها جملة من الاقاويل الكثيرة وربما غير المسؤولة كما رافقها كثيرمن الالتباسات، يجدر بنا، اذن، ان نتفحصها بموضوعية ونتابع عواقبها في ضوء آليات النقد الحداثي. واشير، مرة اخرى، باني اعني " خفة " توظيف معالجات تصميمية معينة تعود عناصرها الى تجارب آخرين، وسهولة استخدامها في صميم المعالجات التكوينية الخاصة بمشاريع عديدة صممها قحطان عوني في الستينات. بالطبع ان الطريقة " الشرق اوسطية " في التعاطي مع هذه الظاهرة والتى طالما غُلفت بتغاضٍ ماكر، لا تنفع كثيرا هنا. ينفع – في اعتقادنا – تفكيك تلك الظاهرة / الممارسة والنظر اليها نقدياً حتى تكون مجدية للعمارة اولا، وذات فائدة للمعماريين تاليا.
لا جدال ان بعض المعالجات التصميمة التى ارتبطت بمنجز قحطان عوني وخصوصا الستيني منه، يمكن ان تعود بمرجعيتها الى تقصيات تكوينية سابقة لمعماريين معروفين (سنشير الى بعضها واماكنها لاحقا). لكن الاهم في الموضوع هو التساؤل الذي يطرح نفسه، هل ياترى، يتعين على المعمار ان يظل دائما وابدا " مولدا " لافكار تصميمية جديدة لم يتطرق احد الى مواضيع فورماتها او الى تخوم تلك الفورمات سابقاً، حتى تكتسب مشاريعه صفة الفرادة والابداع؟ هل يتعين عليه ان يظل معتمدا على تصوراته فقط ومخيلتة في استحضار اشكال جديدة حتى تُضفي خاصية الاصالة على عمارته، مغلقاً، بالمرة، الامكانات الرحيبة التى توفرها المعرفة، معرفة الاخر، الاخر: المبدع؟
سيكون امرا عسيرا: شائكا وملتبسا بامتياز، فيما اذا وضعنا المعمار في اطار الموقع الذي حددناه ضمن مجال تساؤلاتنا تلك. فرؤى النقد الحداثي، او الاصح مابعد الحداثي، تنزع الان الى الترويج وحتى الاحتفاء بالمنجز الابداعي متعدد المرجعيات والافكار: المنجز " الطباقي " Counterpoint، بلغة " ادورد سعيد "، المتأسس عن فعل " التناص " Intertextuality والمتشكل جراء آليات التأويل Interpretation، المنجز المنفتح على افاق معرفية وثقافية شاسعة. وطبقا الى تلك الرؤى فان كل نص ابداعي هو صدى لنصوص آخرى سابقة عليه ومتداخلة معه عبر منظومات الاقتباس اوالتضمين اوالاشارة. فمفهوم التناص، كما نراه معماريا، يظل يكمن في التعاطي مع مفهوم الابداع المتشكل جراء فعل التأويل والقراءات الثانية لابداع الاخرين المعماري، ذلك الابداع الذي يفترض ان يكون نفسه صدى ايضا لمعارف تصميمة سابقة عليه. اذ " ليس هناك ملكية للنص – كما يقول رولان بارت – او ابوة نصية. لان الكتّـاب والمبدعين يعيدون ما قاله السابقون بصيغ مختلفة قائمة على التأثر والتأثير. فالنص الادبي يدخل في شجرة نسب عريقة وممتدة، فهو لا يأتي من فراغ ولا يفضي الى فراغ ". بالطبع نحن نتعاطى مع مفهوم جديد وشامل وذي تأثيرات عميقة على مختلف الاجناس الابداعية، مفهوم تقع اهتماماته ضمن استراتيجيات ما يسمى الان بالتلقي، والقراءة، والتأويل، وهي تنوعيات مفاهيمية يوفرها نقد مابعد الحداثة. بيد ان الاستطراد والحفر في " اركيولجية " هذه " الثيمات " سوف، لامحالة، يبعدنا، مرة اخرى، عن جوهر موضوعنا الرئيسي. (ولهذا نحيل المهتمين بهذا الجانب المعرفي الى دراسات عديدة تتناول هذا الشأن بضمنها كتابنا " تناص معماري: تنويع على تطبيقات المفهوم "، دار المدى، دمشق 2007).

 عندما تم اجتراح جدار المختبرات في مجمع الجامعة المستنصرية (1963-1966)، تفاجأ الوسط المعماري المحلي لنظارة اشكال الجدار الطابوقي " الاجري " وطريقة رصفه الداخلة والخارجة، والتى منحته شكلا فنيا معبرا مفعما بحضور مميز لحالات خاصية الظل والضوء التى تخلقها تناوبات رصف الاجر المختلفة. واعتبرت وقتها تلك المعالجة احدى " كشوفات " مكتب قحطان عوني المهمة والرئيسية، التى وجدت انعكاسا وتكرارا لها في كثير من التصاميم العائدة الى المعمار ذاته او في اعمال مقلديه. والامر هنا لا يرتبط في حذاقة ممارسة العمل المهني للجدار او يتعلق في مهارته الحرفية التقليدية، بقدر ما تعني نتائج تلك الممارسة التى اجتهدت في " تحويل " سطح الجدار ثنائي الابعاد الى كتل بابعاد ثلاثية، محتفية باستيلاد تنويعات فريدة لخاصية الظل والضوء، جاعلة منها ضربة التكوين والخاصية الاكثر اثارة وفنية فيه.
ومباني مجمع " جامعة المستنصرية " في بغداد (1963-66) حدث مهم في سيرورة العمارة العراقية، كما انه الحدث الاهم في مجمل منجز " قحطان عوني " المعماري. ولئن دعينا عمارة " مستشفى سلمان فائق " بكونها رائعة المعمار الخمسينية، فان عمارة " مجمع المستنصرية " هي بحق تحفته التصميمة على الاطلاق. وليس من ثمة مبالغة، كما نعتقد، في هذا التوصيف. فالمجمع كحدث معماري، هو في الاقل من اوائل المجمعات التخطيطية الحديثة المصممة، كما انه الاول المصمم من قبل معمار عراقي. انه " الانسامبل " Ensemble الرابع وقتذاك، في تاريخ العراق المعماري الحديث، منذ ان اعدّ " جميس مولسون ولسون " (1887-1965) مجمع جامعة " آل البيت " في الاعظمية سنة (1922 -24)، ولحين اعداد " فالتر غروبيوس " مخططه لجامعة بغداد (1957- 60) في الجادرية، ومرورا بمجمع مباني " السفارة الامريكية " (1955- 60) في كرادة مريم للمعمار خوسيه لويس سيرت.
تستقي، اذن، عمارة الجامعة المستنصرية اهميتها وفرادتها بكونها مجمعا لمبانٍ وليس مبنى واحد. وهذا الجانب اتاح للمعمار امكانية منح كل مبنى من مباني المجمع لغته التصميمية الخاصة به والمعبرة عنه، من دون ان ينسى بانه يتعاطى مع استحقاقات مناخ معماري محدد تفرضه فكرة المجمع الواحد، كاشفا بذلك مقدرته المهنية في ايجاد حل مقنع للمعضلة التصميمية التى تصدى لها. يعتمد مخطط الجامعة على وجود " شارع " رئيس، هو بمثابة العمود الفقري للمخطط. ومنه تتفرع " اذرع " تصل الى اقسام الجامعة المختلفة. ثمة فصل واضح بين القسم التعليمي المخصص للقاعات الدراسية وبقية الابنية الساندة مثل المكتبة والمبنى الادراي ومقصم الطلبة والمختبرات العلمية التى وقعت منفصلة الواحدة عن الاخرى ضمن موقع الجامعة، لكنها متصلة فيما بينها ومرتبطة مع ذلك الشارع الرئيس. يتوق المعمارعبر آليات " التناص " الى استدعاء مخطط " المدرسة المستنصرية " (1227-1233) العباسية القديمة (والتى سُميت الجامعة باسمها)، بغية تشكيل تكوينات القسم التعليمي التى جاءت فورماته على شكل " فناء " مكشوف، يحيط به شريط كتلوي تحتله فضاءات قاعات التدريس يذكرنا وجوده بعنصر " حوش " المدرسة البغدادية. وحتى لا يعطي المصمم انطباعا بانه يقوم " باستنساخ " الحل التصميمي لذلك الحوش، شرع الى شطره من وسطه، قاطعا استمرارية شريط كتل الاقسام التدريسية في ازاحة متقصدة، ما افضى الى معالجة تكوينية فريدة اتسمت بحضور رمزي لعنصر الحوش، الذي يشي الى انتمائية خاصة للمكان، في الوقت التى امتلكت الكتل المصممة بسبب تلك الازاحة شكلا حداثيا معبرا. ولن يقتصر تأثير المعالجة التحديثية على المستوى الافقي، وانما شمل ايضا المستوى العمودي، فجاء تشكيل صياغة الواجهات متكوناً من تكرارايقاع منتظم لقطع بنائية مرفوعة هي عبارة عن " شاشات " آجرية انطوت سطوحها على تجويفات ذات نقشات هندسية تراعي اشكالها ابعاد الطابوق المستخدم. كما يحمى وجود تلك الشاشات فتحات النوافذ الواسعة المزججة لقاعات الدرس الواقعة خلفها. ويمنح حضور هذه الشاشات الطابوقية ذات اللون الاصفر المطعم بالواح فيروزية مع التطليعات الخرسانية التى تبرز خارج سطوح تلك الشاشات، يمنح الواجهات قيمة جمالية عالية اكسبتها خصوصية تكوينية متفردة تميزها عن بقية واجهات المباني الاخرى، كما تؤشرفي الوقت عينه وظيفتها كقسم اساسي سهل التعرف عليه ضمن اقسام الجامعة الاخرى.
تبرز القاعة الرئيسية بالجامعة، باشكال سطوح جدرانها المائلة الانسيابية وكتلتها المتميزة المشغولة من الخرسانة والمكسية مناطق منها بالاجر، كمفردة اساسية ضمن النسيج التخطيطي لمكونات الجامعة. وقد تم اختيار مقياس معماري خاص بها ومناسب لها يبين اهمية وظيفتها كونها قاعة الجامعة الرئيسية ومكان انعقاد مؤتمراتها العلمية المتنوعة. وهي بالاضافة الى وظيفتها الجامعية فانها ايضا بمقدورها ان تخدم متطلبات احياء المدينة القريبة منها، مايجعل منها مؤسسة فاعلة في حياة المدينة الثقافية. يمثل الاجر مع الخرسانة المسلحة المادتين الاساسيتين الداخلتين في تركيب القوام الانشائي لمباني الجامعة. كما انهما المادتين الاساسيتين، ايضا، اللتين يتعاطي معهما المعمار لاضفاء الطابع الجمالي على اقسام مبانيه جميعاً. فمن خلال اشكال الاستخدامات المختلفة لهما وتنوع اساليب تمظهراتهما، يفاجئنا المعمار بالامكانات الهائلة الكامنة في هاتين المادتين اللتين بات استخدامهما في الممارسة البنائية المحلية امرا عاديا ومألوفا وحتى تقليديا. ثمة احساس مفعم بالاتساق والهارمونية يتبدى حاضرا بقوة في اللغة المعمارية لمجمع مباني الجامعة، وهذا الاحساس ينشأ، في اعتقادنا، من اقتصار المعمارعلى استخدام تينك المادتين الانشائيتين: الخرسانة والآجر، وخصوصا الآجر – المادة المألوفة والشائعة والمحببة لدى بنائي العراق منذ قديم الزمان، والتى اعتبرت دوما المادة " الوطنية " لمنجز حضارات كثيرة شهدتها ارض مابين النهرين!.
  لقد اظهرت عمارة الجامعة المستنصرية بوضوح عن امتلاك المعمار لناصية المعارف المهنية التى اهلته للتعاطي مع استحقاقات ظاهرة " المجمع المعماري " على درجة عالية من الكفاءة والابداع، فضلا عن ما ابانته تلك العمارة من مسعى لاضفاء فهم جديد ومضاف لعنصر " المقياس المعماري "، وانتشاله من تبعات القراءة القاصرة، وفك ارتباطه من الفهم الاحادي، الفهم الذي لا يخرج عن سياق الاستخدامات التقليدية والمتواضعة له. وهما حدثان معماريان مهمان ارتبطا بظهور مجمع الجامعة المستنصرية، واسسا لمفاهيم جديدة في الخطاب المعماري العراقي.

يغدو ان يكون النشاط التصميمي لمكتب قحطان عوني في الستينات تعبيرا بليغاً لفعالية التجريب وتمثيلا لها، التجريب الذي مكنّه من " التنزه " بحرية في فضاء " حديقة " الانتقالات الاسلوبية المتنوعة. والمتابع لعمارته ابان تلك الفترة يدهش لتنوع الرؤى واختلاف المقاربات التى ما انفكت تتوالى تظهرفي المشهد بدفق يبدو وكأنه لا يريد ان يتوقف. فمن مبنى " ناجي جواد الساعاتي " (1962) بالسعدون ببغداد ذات الواجهه الشفافة بجدران ستائرية، التى تذكرنا باسلوب " ميس فان دير رو ّ " العقلاني الى نقيضه مبنى " مصلحة الكهرباء الوطنية " (1965) بالميدان، المبنى الانيق بمنظومته التناسبية الحاذقة، المتشح " بعباءة " من الواح خرسانية بيضاء تحيط به من جميع جهاته والتى تتخللها شقوق ضيقة طولية هي بمنزلة نوافذ تفصل بين قطع تلك الالواح، الى مشروعه " دار ضيافة ببغداد " (الذي لم ينفذ)، لغته التصميمة التى تستحضر مناخات منجز " اوسكار نيماير " المعماري ومبانيه البرازيلية المشهورة، الى " عمارة الجمهورية " بالشورجة مرجعيتها التصميمية التى تعود الى مناطق جغرافية وثقافية نائية، الى بناية المؤسسة العامة للتجارة (1967) في كرادة مريم، عمارتها التى هي اقرب الى المعالجة النحتية منها الى الاسلوب " التكتوني " Tectonic المعتاد، مرورا بتصاميم سلسلة من " الدارت " السكنية ذات الجذر المعماري المحلي، التى اعتبر شخصيا، تصاميمها ظاهرة مميّزة وقيمة في الممارسة المعمارية المحلية والاقليمية على السواء.
 لكن ما يسم عمارة قحطان عوني ليس هذا فقط، ليس تنوع الاساليب التكوينية، وانما،ايضاً، شيئا اخراً، شئ متعلق بقرار " خروج " عمارته من بغداد باتجاه مدن الضواحي، لتزرع هناك عمارة الحداثة وتنشر " نكهتها " العبقة غير المألوفة في تلك البيئات المبنية البعيدة. واذ اشير الى اهمية هذه الناحية، فانني اذكرّ بان معظم النشاط المعماري لغالبية المعماريين العراقيين كانت تستحوذ عليه مدينة بغداد، " بتواطئ " غير معلن من ان المبنى المشيد في العاصمة يمتلك بريقا لا يتوفر لمثيله في مناطق الضواحي النائية. وايا يكن الامر، فاننا ازاء نشاط مميز ومتنوع اتصف به مكتب قحطان عوني لجهة اهتمامه في توسيع " جغرافية " عمارة الحداثة بالعراق وتوطين نماذجها في مناطق مختلفة من البلاد. وتدلل تصاميمه المنفذة وغير المنفذة هناك على مسعى المعمار الجدي في تكريس هذه النزعة التصميمة في الممارسة المعمارية المحلية، ما اكسب تصاميمه غنى مضافاً متأتي من " التغذية الاسترجاعية " Feedback التى تتيحها خصوصية المواقع المميزة التى يصمم لها المعمار. ولنتذكر " عمارة مبنى بلدية النجف " بكتلته المعبرة ومشروع مبنى " المغتسل " في نفس المدينة الحافلة عمارته برموزالمكان، وكذلك مبنى دائرة الادارة المحلية في الكوت، وكازينو كربلاء وروضة في البصرة وبهو البلدية في الناصرية والفندق السياحي بالصويرة ومثله في الكوت، وغيرها من الابنية العديدة التى اغنت البيئة المبنية المحلية وباتت عمارتها نماذج مبنية قابلة للاحتذاء والتعلمّ والمحاكاة. لقد اتسمت مقاربة عمارة جميع تلك المباني على صفة مشتركة هي صفة الحداثة، المعبر عنها باستخدام المواد والاساليب الانشائية الجديدة وبتوظيف تكوينات معمارية مستقاة من افكارطليعية وتطبيقات معمارية جادة. لكن عمارة مبنى ثانوية البنات في الصويرة (1962) تظل الحدث المميز في مجمل خطاب " عمارة الضواحي " لقحطان عوني نظرا لعمارتها الفريدة التى تغوي بقراءة نقدية، قراءة خاصة على مايسمى " بالنقد التناصي "، فضلا على متابعتي الشخصية ومعايشتي البصرية الدائمة لها (كوني احد سكنة المنطقة)، وكذلك للدلالات المتعددة المقترنة بذلك المبنى الحصيف. فالمبنى اولاً مشيد على ارض تعود ملكيتها الى عائلة الشهيد عبد الكريم قاسم، احد مؤسسي الجمهورية العراقية واول رئيس وزراء فيها، هو الذي اهدى الارض اياها لاغراض البناء، وهي حادثة نادرة في تاريخ العراق، وقد كانت الاولى من نوعها وربما ستظل الاخيرة، اذ لم نسمع بان حاكما عراقيا " وهب " املاكه للصالح العام , ما شاهدناه، وما قرأناه، ونسمع به دوما هو " نهب " الحكام للاملاك العامة، وهي على كل حال حادثة غاصة " بسيميوطيقيتها " (بلغة اشقائنا المغاربة). والدلالة الاخرى هو ان يكون المشروع المقترح: " مدرسة " و مدرسة الى " البنات " تحديداً، في وقت يروّج الان وعلى نطاق واسع من قبل ممثلي الاسلام السياسي الظلامي بوجوب غلق هذه المؤسسات التعليمية وخصوصا المخصصة منها الى " البنات " ! وتبقى الدلالة الثالثة التى تميزت بها " ثانوية الصويرة " ذات مغزى مباشر بكون عمارتها تجسد قيمّ الحداثة المعمارية في ارض بكر لا تزال " تعتاش " معماريا على اساليب وقيم وتقاليد بنائية قديمة تعود الى زمن ماقبل " سايكس – بيكو "، بوقت طويل... وطويل جدا !!.
يتوق معمار " ثانوية الصويرة " ان يكون مبناه نتيجة اعادة قراءة مبادئ العمارة الحديثة الخمسة التى حددها " لو كوربوزيه " يوما ما، لكن تلك القراءة تظل مسكونة بالنَفَس والمزاج المحلين، او في الاصح النفس والمزاج " القحطاني ". ثمة رفع جزئي للكتلة، وثمة نوافذ شريطية، فضلا الى حضور المخطط الحر، وهناك جدران ستائرية، ما اتاح الى تكوين واجهة حرة، ناهيك الى وجود مفردة السقف الافقي. ثمة وفرة كذلك في استخدام المواد الجديدة، الى جنب اساليب تركيبية حديثة. لكن الاساس في عمارة المدرسة هو نزعة التصادي او بالاحرى التناص مع محاولات معمارية تجد اصولها في تطبيقات منجز عمارة الحداثة العالمي، لجهة تمكين المعمار ومساعدته في اصطفاء مفردات الحل التكويني لعمارة المدرسة. ويبهرني في هذا المجال استذكار مصمم المدرسة لواجهة المبنى السكني عند " بولفار نوفينسكي " في موسكو (1930)، الذي عده " لوكوربوزيه " وقتها المنجز الحقيقي لعمارة الحداثة، واحدى كشوفاتها المتميزة. لا اعلم هل ان مصمم المدرسة سعى الى تفعيل اجراءته التناصية مع هذا المبنى تحديدا، ام مع " النسخ " المحاكية لواجهاته،التى قد تكون تأثر بها معماريون كثر، لكني ارى ثمة تشابه كبيرا في اسلوب تنطيق الواجهة الغربية لثانوية الصويرة ونوعية المفردات التكوينية للمبنى الموسكوفي. ويعيد المعمار هنا ذات الممارسة الايحائية التى رصدنا من قبل تطبيقاتها بالاشارة الى تماثل تشكيلات الجدار الطابوقي ذي الاسطح الكتلوية بالجامعة المستنصرية مع تقصيات المعمار الالماني المعروف " بيتر بيهرنس " (1868-1940) P.Behrens في مبناه " الادارة التقنية لشركة هوكست " (1920-24) في فرانكفورت بالمانيا. وقد تذكرنا ايضا طريقة ونوعية توقيع الكتلة الحجرية فوق مدخل ثانوية الصويرة الى ذات الطريقة التى استخدمها " لوكوربوزيه " نفسه في مبناه الشهير " الجناح السويسري " في المجمع الجامعي بباريس (1932).
وايا يكن، فان القراءة التناصية لعمارة ثانوية الصويرة المترعة بالمرجعيات المختلفة تجعل منها حدثا تصميما ً ذا اهمية استثنائية في دلالاته المتعددة، و التى ماانفكت تعتبر مفخرة تصميمية حقيقة لعموم الممارسة المعمارية المحلية،التى لم يتسن َ لمتابعيها الاطلاع الواسع عن منجزاتها الحقيقة.

واخيرا، فان منجز قحطان عوني المعماري المتنوع والمتعدد، ذوي المواقع المختلفة يظل يشكل علامة مضيئة في الخطاب المعماري العراقي، علامة لها خصوصيتها ولها اضافاتها. كما تعتبر مقاربته المتأسسة عن اجراءات التأويل، وتبعات القراءة الثانية لمنجز عمارة الحداثة العالمي وتطويعها ضمن مفهوم خاص للمكان الذي يصمم له، بمثابة الاضافة المميزة والهامة للمعمار.
لقد انجز قحطان عوني سلسلة تصاميم تجاوز بها مرجعيات الممارسة المعمارية المحلية السائدة، بل واشهر، بغير وجل مع معماريين آخرين محدثيين، قناعات تدعو صراحة بلزوم اجراء قطيعة معرفية ومهنية مع سياق الممارسات الماضوية والعمل على تفكيك قيمها بطرح مقاربة جديدة تنقض قيم تلك الممارسات بدلا من ايجاد " مساومات " تصميمية معها. لقد كانت عمارته من ذلك الصنف الذي يختزل زمناً للقفز الى زمن آخرا. واذ نستعيد قيمة واهمية منجزه المعماري الان، بمناسبة ثمانينيته (التى نعترف بتأخرنا الاحتفاء بمناسبتها في موعدها، لانشغالاتنا البحثية، ولكن من دون ان ننساها)، فاننا نستحضر، ايضا، اسماء فريق العمل الجماعي الذي شارك معه في انتاج تصاميم المكتب. ان ذكر اسماءهم (وانا اتكلم عن المعماريين حصرا)، سيكون بمثابة ايماءة احترام وتقدير لذلك المعطى التصميمي الذي ما فتئ يحفز كثر من المعماريين العراقيين ويثير لديهم هاجس الرغبة في ترسيخ قيم الحداثة في الممارسة المحلية. انهم (المرحوم) عدنان زكي امين وعبد الستار عياش واحمد شهاب وصلاح الاحمدي وتوفيق بدر وجورج انطون جورج وهاكوب كوركين وجابوتينسكي المعمار البولندي. ليس لدي علم عن مكان اقامتهم الان، وماهي مصائرهم، وماذا " فعلت " الحياة بهم، لكن دورهم مؤكدا سيبقى هاما ومقدراً، كما هي مساهمتهم المؤثرة مع قحطان في ابداع وانجاز عمارة مميزة، جميلة ومفرحة،مفعمة بالالوان والنظارة، والمهم انهم جميعا منحوا المكان تجديداً وتنويعاً معماريين باستنباطهم وايجادهم الطريق و... الطريقة، الطريق غير المعروف وغير المطروق معمارياً في البيئة المبنية المحلية، والطريقة الخاصة التى اهتمت في تأويل المنجز الحداثي المعماري العالمي .

مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
تموز 2007


في ثقافات