GMT 20:30 2006 الجمعة 15 سبتمبر GMT 20:36 2006 الجمعة 15 سبتمبر  :آخر تحديث

جمال البنا: لا راحة لأمريكا بعد اليوم

جمال البنا

ايلاف- شن المفكر الإسلامي جمال البنا هجوما لاذعا على الولايات المتحدة والدول الغربية في الذكرى الخامسة لهجمات 11 سبتمبر، محملا إياها مسؤولية ما حدث، كما أبدى إعجابه بالانتحاريين الـ 19 الذين شنوا تلك الهجمات واصفا أدائهم بالرائع وأنهم "أشجع الشجعان". وقال البنا، وهو من الإسلاميين المتنورين في مقال بصحيفة "المصري اليوم" نشريوم الأحد الماضي  إن "أحداث سبتمبر فتحت آفاقاً جديدة، أسلوباً جديداً يمكن به تصفية الحسابات القديمة" مع "الدول الاستعمارية" و"تحقيق العدالة" و"نيل الحقوق .. جنباً إلي جنب أحداث استشهاد الفلسطينيين" مؤكدا أن أميركا لن تعرف الراحة بعد اليوم.

وفيما يلي نص المقال: 

 جمال البنا:

 لا راحة لأمريكا بعد اليوم


لم يحدث أن فقدت أمة في العصر الحديث رشدها ولو لمدة ساعة كما حدث لأمريكا إثر وقوع أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ لم يحدث هذا لأمريكا عندما فاجأ الطيران الياباني الأسطول الأمريكي الراسي في بيرل هاربور ودمره تدميراً. فمع أن عنصر المفاجأة كان موجوداً، فإن الطريقة كانت معهودة، وهي استباقة دولة لعدو لها لحرب تدمر به سلاحها.

د. شاكر النابلسي: جمال البنا حلقة جديدة في سلسلة المرتدين
أما أحداث سبتمبر كانت شيئاً جديداً بالمرة، شيئا لا يكاد يصدق، فالإنسان ينظر بعينيه إلي ما حدث أن تأتي طائرتان من أضخم طائرات السفر كل واحدة ممتلئة بوقودها وركابها ثم تصطدم ـ عامدة متعمدة ـ بأحد برجي التجارة فتحول الجميع في دقائق إلي أعظم محرقة وتدمير ونار وقودها الناس والحجارة.
ومنذ أن وقعت هذه الأحداث، ولم يتوقف مستر بوش عن الحديث عن عدو خفي غريب يظهر في أي وقت، وفي أي مكان اسمه «الإرهاب»!
لم يكن بوش مخطئاً عندما ضخم الحدث الذي وقع ١١ سبتمبر سنة ٢٠٠١، ولكنه أخطأ في التعرف علي أسباب وقوعه، ولم يستطع، ولن يستطيع أن يعرف أسباب هذا الوقوع لسبب بسيط أنه هو نفسه السبب! أو علي الأقل أحد أسبابه!.. وهيهات.. هيهات أن يخطر هذا بباله، وإن خطر فلن يعترف به.
قبل أن تقع أحداث ١١ سبتمبر كانت الولايات المتحدة قد قطعت شوطاً كبيراً في بسط سيادتها علي العالم، وبوجه خاص الشرق الأوسط، حيث توجد المحبوبة ـ أو المعبودة ـ إسرائيل، وحيث توجد منابع النفط التي كانت محل حسد الولايات المتحدة وعجبها المستمر أن توجد وسط «الأعراب» الذين لا يعرفون قيمتها، وألا توجد في أمريكا التي تقوم عليها صناعاتها، وكانت تستنكر علي الأقدار، أن تضع اللحم أمام من ليس لهم أسنان!!
كانت الخطوة الأولي أن أغرت العراق بحرب إيران وإجهاض ثورتها الرائعة التي أذلتها وحاصرت سفارتها.
كان هذا انتصاراً نموذجياً لأنه أوهن أكبر قوتين في الشرق.
ثم أغرت أمريكا ـ صدام ـ مرة أخري بغزو الكويت ولوحت له سفيرة الولايات المتحدة أن بلادها لن تتدخل، وبلع الطاغية الطعم وهاجم الكويت، وعندئذ حانت الفرصة للولايات المتحدة أن تضرب لتكسب ثلاثة انتصارات من حرب واحدة.
أعلنت الحرب علي العراق بعد أن جيشت جيوش العالم، بما فيها جيوش دول عربية، واتفقت مع الكويت ومع السعودية أن ترسل حاميات عسكرية لتحمي الدولتين من «البعبع» وبهذا دخل الأمريكان البلد المقدس، والكويت العزلاء بإذن حكومات الدولتين، وعلي أساس أن تدفع الدولتان الإقامة وكل التكلفة، كل هذا دون أن تطلق رصاصة واحدة.
واستطاعت بما جيشته من جيوش أن تلحق الهزيمة بصدام، وأن تجعل من «أم المعارك» «أم الهزائم»، ولكنها مع هذا أبقت علي صدام ليظل ـ حتي تهضم الوجبة الثقيلة التي أكلتها ـ «البعبع» قائماً وموجوداً.
وقبل هذا كانت الولايات المتحدة قد تعاونت مع الأفغان لحرب السوفييت التي ارتكبت خطأ تاريخياً عندما احتلت أفغانستان، وهب الشعب الأفغاني الأبي يدافع عن استقلاله، وتقاطرت علي الأفغان مجموعات من الشباب المسلم لكي تتطوع في هذا الجهاد المقدس ضد الغازي السوفييتي.
واتصلت أمريكا بـ«بن لادن» وزودته بالأسلحة وقاد بن لادن الحرب الشعبية حتي هزم الاتحاد السوفيتي وفي هذه اللحظة، طالبت الولايات المتحدة بن لادن بتسليم السلاح الذي سلمته له، وأبي هذا، فاحتدمت بينهم العداوة.
كانت مجموعة من شباب الخليج، ومصر، تتابع المشهد وتشهد فصوله المأساوية فصلاً فصلاً، وتري بأم عينها الدول العربية تتساقط وتستسلم لأمريكا وتشهد الأوغاد الأمريكان يمرحون و«يبرطعون» في الأرض المقدسة، ثم تابعوا والألم يعتصرهم فقد المكاسب المحدودة التي كانت فلسطين قد كسبتها في أوسلو ورأوا السفاح «شارون» يرأس إسرائيل ويرتكب كل يوم مجزرة، ويقيم سداً يخنق الفلسطينيين ويجعلهم في شبه سجن ويتحكم في أرزاقهم ويرتكب كل ما يشعرهم بالمذلة، والولايات المتحدة تصفق له، وتقول إن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، وتدرأ أي إدانة لها في الأمم المتحدة .
وشاهدوا صقور المحافظين الجدد الذين استعبدتهم أسطورة توراتية واستخدمهم الصهيونيون ليرسموا الخطط لتنال إسرائيل أرضها من النيل إلي الفرات، ولو أقحمت الغرب في حرب عالمية.
فكر هؤلاء الشبان في طريقة لإعطاء أمريكا درساً بطريقة فريدة لم تسبق وهداهم التفكير إلي خطة ما كان يحلم بها أكثر المخرجين السينمائيين الأمريكيين، أن يستخدموا طائرات الخطوط الجوية الأمريكية فيتدربوا أولاً علي قيادتها، ثم يضعوا الخطة للسيطرة علي عدد منها، وأن يحولوا اتجاهها بحيث يمكن أن يدمروا رمز الازدهار والخيلاء الأمريكية «برج التجارة العالمي».
وهكذا وقع هذا الحدث المريع الرائع.
المريع.. لأنه خلال نصف ساعة وفي مشهد درامي يجاوز عنفه كل تصور هدم برجا التجارة الذان كانا محل زهو وفخر الولايات المتحدة وقتل أكثر من ثلاثة آلاف نفس، وهذا أمر مريع فعلاً.
والرائع.. لأن الذين رسموا خطته تلك بكل ما فيها من جسارة ومن قوي تدمير يعجز الإنسان عن تصورها كانوا يعلمون أنهم أول من يموت، وأنهم خلال ثوان من اصطدام طائراتهم بالبرج ستكون أجسامهم دخاناً لا يبقي علي «فتفوتة من عظم أو لحم أو أثر من أي نوع»، ومع هذا لم يترددوا فكانوا بحق «أشجع الشجعان».
ورسم هذا الحدث نهاية لعهد وبداية لعهد.
فقبل هذا الحدث كانت الدول الغنية القوية التي استعمرت الشرق ونهبت ثرواته وقتلت رجاله واحتلت أرضه ونقلت إلي بلادها كل ثمين وغالٍ، حتي حققت «تراكمها الرأسمالي» الذي ما كانت تستطيع بدونه أن تحقق ما وصلت إليه من ارتفاع هائل في مستويات المعيشة، فهذا التراكم الذي ظل لمدة قرنين أو ثلاثة قد أفقر الشرق بقدر ما أغني الغرب، واشترك في هذا النهب بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا، أما الولايات المتحدة فكانت قد حققت تراكمها بإبادة الشعب الأصلي لأمريكا بأدنأ الوسائل والاستيلاء علي أرضه، ثم أفقرت أفريقيا عندما استعبدت عشرات الملايين من شبابها اصطادهم الأسطولان البريطاني والأمريكي وتجار الرقيق.
إن هذه الدول سواء منها المستعمرة القديمة في أوروبا أو زعيمة الاستعمار العالمي الجديد أمريكا ما كانوا يخافون حساباً أو عقاباً، ورفضوا حتي الاعتذار، ولكن أحداث سبتمبر فتحت آفاقاً جديدة، أسلوباً جديداً يمكن به تصفية الحسابات القديمة.
نحن نعترف أن هذه الطرق ستودي بأبرياء، ولكن متي كان للأبرياء حساب عند الدخول في معركة، إن الطيار يضغط علي زر فتسقط قنابله علي مبان ومستشفيات ومدارس ومحطات مياه ومؤن.. إلخ.. إن الحرب الحديثة، وبالذات سلاح الجو لا يمكن أن يعمل حساباً لأبرياء، فليسكتوا، أو ليحرموا استخدام الطائرات.
ونحن نعترف أن هذا السبيل قد ينتج عنه سوء استغلال، ولكن هذا إنما يدل علي فساد في المجتمع كان يجب علي المجتمع أن يصلحه، وعندما أهمل فإنه يدفع ثمن إهماله.
أريد أن أقول في النهاية إن وسيلة جديدة لتحقيق العدالة، أو نيل الحقوق لم تكن معروفة قد أظهرتها أحداث ١١ سبتمبر «جنباً إلي جنب أحداث استشهاد الفلسطينيين»، وأنها ستجد سبيلها حتماً إلي المجتمع الأمريكي والأوروبي في المستقبل مادامت سياسة هذا المجتمع الرأسمالية المتوحشة واستعباد الشعوب، وأن القضية هي قضية وقت فحسب، وسيكون الذين يقومون بمثل أحداث سبتمبر أو بمثل الاستشهاد الفلسطيني من أبناء المجتمع الأوروبي نفسه، وليس من «الفاشية الإسلامية»، كما يقول المستر بوش، وأن هذا لن يدع راحة لأمريكا أو لحلفائها، لأنه من العسير مقاومته، حتي لو ارتدت الحضارة الأوروبية عن مثلها العليا الحضارية، وكممت الحريات وأصبحت معسكرا مدججاً، فإن هذا سيفقدها حسناتها التاريخية، ولن ينجيها من المصير الأسود، وكل جهد تبذله في محاربة الإرهاب سيكون لحساب الإرهاب، فليواجه الغرب مستقبلاً لا راحة فيه، بعد أن انسلخ من ماض لا إنسانية فيه

في أخبار