GMT 16:00 2006 الثلائاء 15 أغسطس GMT 12:42 2006 الأربعاء 16 أغسطس  :آخر تحديث

إيلاف تلتقي أهالي عين إبل النازحين إلى المجهول

مي ألياس

"تركونا ونسيونا... كأننا لسنا على الخارطة"
إيلاف تلتقي أهالي عين إبل النازحين إلى المجهول

د. مارون بركات
مي الياس من بيروت: أكثر من 1550  نازحا خرجوا من قرية عين إبل الجنوبية بعد ان تعرضت بلدتهم الى قصف إسرائيلي عنيف الحق خسائر كبيرة وهدم أغلب المنازل التي بناها اهلها بدموع العين، لكنهم بدأوا الاستعداد للعودة الان.

"لم نر كاميرا واحدة تدخل البلدة لتنقل آثار الدمار والخراب الذي حل بها". يقول الدكتور مارون بركات، وهو أحد شباب القرية الذين تكاتفوا وشكلوا لجنة أغاثة خاصة تعمل لأعانة أبناء بلدتهم الذين شردتهم الحرب الاخيرة. ويضيف:" لم يسأل عنا احد وكأننا من عالم اخر".

والدكتور مارون، كان بين عدد من ابناء عين ابل الذين التقتهم "ايلاف" لدى زيارتها مقر اللجنة في جامعة ال AUST حيث كان يتم تسجيل اعداد النازحين وتأمين احتياجاتهم. وقد جرى تحويل احدى غرف الجامعة الى مستودع يضم المواد التي تصل الى اللجنة من الافراد او الجمعيات الاهلية او الحكومية.

ويتحدث الدكتور مارون عن الخدمات الطبية والتي تقع ضمن دائرة اختصاصه فيقول "ان لدينا خمسة أطباء من أبناء البلدة  الذين يستقبلون كل الحالات المرضية في مستوصف تابع لنا، ويهتمون بتوفير الدواء لمحتاجيه، الا اننا بدأنا نواجه مشكلة حقيقية الان باعبتار ان أغلب ادوية الامراض المزمنة اصبحت غير متوفرة في الصيدليات ولذلك فاننا   نحاول تأمينها عبر الأقنية المختصة في الدولة."

ويضيف :" لقد خصصنا كذلك يوماً في الاسبوع لفحوصات الدم بالتعاون مع مختبرات جامعة الـ AUST التي وضعت كل إمكاناتها تحت تصرفنا.وبالاضافة الى ذلك هناك عشرات المتطوعين من شباب البلدة الذين يعملون ليلاُ نهاراً لتأمين كافة إحتياجات العوائل النازحة. كما يوجد لدينا ايضا أطباء آخرين من عين إبل قاموا بمساعدتنا قدر الإمكان مثل د. بول بركات وهو طبيب نسائي تبرع  بمعاينة وعلاج  نساء عين إبل وتامين اماكن لهن في المستشفى مجان عند الحاجةا" .

جو عتمة
ويسرد لنا  د. مارون قصة تشكيل اللجنة ونزوح اهل البلدة كما حدثت بالتفصيل:"نحن أعضاء في نادي شباب عين إبل في بيروت، ولدينا جمعية خيرية إجتماعية ايضاً، ولكننا نحن كشباب نجتمع في النادي بالعادة، وأول إجتماع لنا كان يوم 13 تموز(يوليو) وهو اليوم التالي لخطف الجنديين الإسرائيليين من قبل حزب الله، اجتمعنا واتصلنا بأهالينا في القرية للإطمئنان عليهم بعد ان كانت اسرائيل قد بدأت ضرباتها الجوية ولكن على نطاق ضيق، يومها كان كل شيء لا يزال على ما يرام، الا ان الوضع تغير بعد يومين خصوصا عندما لاحت ازمة الشح في الخبز، فقررنا البدء بجمع المواد الغذائية لتأمينها لهم، لأننا ندرك أن القرية لا تملك مخزوناً غذائياً يكفيها، ولا يوجد فيها سوى بقالة صغيرة لا يمكن ان تحتوي مخزوناً غذائياً يكفيهم اكثر من بضعة ايام. وكنا نرى كاريتاس عاجزة عن الوصول اليهم بسبب القصف في وقتها، فقررنا ان نجمع ما يمكننا من مواد غذائية، وبمساعدة معارفنا والجمعيات الأهلية والأحزاب، وننطلق نحن لأيصالها الى أهلنا بأنفسنا".

ويكمل د. مارون بتأثر: " ربما هو قرار انتحاري نوعاً ما لكنه كان الحل الوحيد المتاح أمامنا لنجدة أهلنا. كنا قد إستكملنا جمع المواد اللازمة وقررنا ان ننطلق صباح اليوم التالي الى هناك، الا انا تلقينا اتصالا هاتفياً فجرا من أحد شباب الضيعة ينصحنا بعدم الذهاب الى عين ابل لأن الاهالي يستعدون للنزوح الى بيروت بعد ان اصبح الوضع لا يحتمل هناك.وفي اليوم التالي بدأت القوافل تصل تباعا. كل 50 – 70 سيارة تنطلق معاً، منها وصلت ليلاً ومنها وصلت فجراً. لم ننم وقتها، وكنا نستقبلهم على الطريق ونمدهم بالحصص الغذائية التي كنا قد جمعناها، وكنا نرى الأطفال يشتهون قطعة الخبز".

وأضاف :" سجلنا كافة المعلومات الممكنة على الارض لكي نتمكن من متابعة هذه العوائل قدر الإمكان. وبذلنا قصارى جهدنا لكي لا ينتهي المطاف بهم في المدارس، فتوزعوا على منازل معارف او أقارب لهم في مختلف مناطق بيروت، وهناك من لجأ الى إهدن، حيث أرسلنا 9 عوائل الى احد الاديرة بترتيب من الوزيرة نائلة معوض، كما ساعدتنا مطرانية الكاثوليك أيضاً في إيواء 12 عائلة - لأن سكان عين إبل ينتمون لطائفتي الكاثوليك والموارنة-  وهناك عوائل تكدست في منازل الاقارب والاصدقاء. لكن الحمدالله مضت الامور على خير."

منزل كلود صادر
وحسب ما روى الدكتور مارون، "فأن إستهداف القرية بدأ في 16 تموز(يوليو)، وأمضى الجميع ليلتهم في زوايا البيوت وسط الظلام ، فقد بقي الموتور يؤمن لهم الكهرباء لمدة ساعتين يومياً لثلاثة ايام، ثم انقطعت الكهرباء تماماً، لان المسؤول عن الموتور بات يخشى الخروج من الملجأ لتشغيله، بسبب كثافة القصف على البلدة، ومرت الايام ثقيلة عليهم، وبحلول 19 تموز، كان الوضع هناك قد ساء جداً. وبعده بأيام انقطعت التلفونات ولم نعد ندري ماذا يحدث لهم، لان بطاريات الهواتف الخلوية فرغت ولا توجد كهرباء لشحنها، بالاضافة الى ان الهواتف الارضية توقفت عن العمل. "

ويضيف انه  "في ليلة من الليالي كان القصف شديداً ومباشراً، تهدمت بسببه عدة منازل في القرية، والناس هناك مذهولة تتساءل لماذا تستهدف قريتهم تحديداً وهي قرية محايدة، وليست طرفاً في هذه الحرب ، ولا يوجد ما يبرر هذا القصف المركز على منازل الأهالي. وبحلول السادس والعشرين من تموز باتت القرية تعيش كل ليلة في جحيم النيران المعادية، ولم يعرف خلالها الاهالي طعم النوم ولو ثانية خلال الليل او النهار، كما بدأ مخزون الغذاء بالنفاذ، لا سيما ان المنازل بمجملها غير مهيأة للحروب ومفتوحة، الا ان العناية الإلهية وحدها هي التي انقذت السكان من الموت لان المنازل تهدمت وهم في داخلها لكننا لم نفقد احداً وكان هناك اربعة جرحى فقط اصاباتهم طفيفة."

وتابع قائلا انه "بعد هذه الايام الصعبة التي مرت على ابناء القرية وصلهم خبر ان بلدة (رميش) المجاورة لهم تستقبل النازحين من البلدات المجاورة الأخرى كعيتا الشعب، وهي لا تعاني من قصف مكثف او مباشر، وهناك دير يبعد عن عين ابل 3 كيلو مترات، فقرر سكان البلدة التوزع بين النزول لرميش في ضيافة جيرانهم وهي قرية سكانها من المسيحيين ايضا، وبين المبيت في الدير، على اساس ان يعودوا لعين ابل بعد ان يتوقف القصف.لكنهم لم يتمكنوا بعدها من العودة الى عين إبل،  فتوجهوا الى بيروت  بمواكبة الصليب الأحمر وتحت نيران القصف الاسرائيلي الذي استهدف موكبهم الذي انطلق من رميش مرورا بالناقورة ، صور ثم صيداً ، الى الشوف ثم الى بيروت، وقد استغرقتهم هذه الرحلة 9 ساعات تقريباً.ولأن أغلب من تركوا منازلهم تركوها على اساس انهم عائدون اليها في اليوم التالي، فقد وصلوا الى بملابس النوم، بدون اي مال او متاع، او حتى اوراق ثبوتية".

تعتيم إعلامي غير مفهوم

منزل ابو غنام
ويكمل الدكتور بركات مارون بحضور عدد من شباب البلدة الذين تجمعوا في مقر نادي شباب عين إبل قائلا  "ان هناك علامة استفهام كبيرة لدينا، فنحن نتابع جميع المحطات بشكل متواصل، ونراهم يصلون عيناتا، ويدخلون الى قلب بنت جبيل ويصورون القرى في المنطقة لكنهم لم يدخلوا عين ابل مرة واحدة ليصوروا ما حل بها من دمار وكأنها غير موجودة على الخارطة، ومن أول الحرب لليوم لم تذكر عين إبل الا بخبر حول نزوح الأهالي، لم يذكر احد ماذا حدث في عين إبل بعد ذلك.وجربنا ان نستسفر حول اسباب التعتيم، لم نجد جواباً شافياً، ويبدو ان هناك تعليمات معينة حول ما يسمح لهم بتغطيته وما يفترض بهم ان يتجاهلوه. فمثلاً، تلة مسعود التي تعتبر من أراضي عين ابل لم تذكر كجزء منها، لكن ما هو السبب الاساسي لهذا التجاهل لا اعرف؟  اكيد هناك شكوك ولكني لا اريد التحدث عنها."

 وفي دردشة مع اهالي عين ابل جى الحوار التالي:
- لماذا ضربت عين إبل تحديداً في العمق ؟
أعتقد هذا بسبب جغرافية عين إبل، لأنها منطقة جبلية، ولا تزال تحافظ على ثروتها الحرجية، وهي عالية، وتطل على إسرائيل، والمقاومة الإسلامية جاءت وأستقرت منذ عام 2001 في أحراج الضيعة ، التي قدمتها لهم البلدية بإعتبار انهم يساهمون في حماية لبنان، وأقام حزب الله في أحراجها مربعاً  أمنياً لم يكن مسموحاً لنا أن نعرف ما يحدث فيه.أما لماذا استهدفت تحديداً لا ندري، ربما بسبب التواجد الطويل لحزب الله في احراجها.

هل لديكم اي علم إذا كانت هناك بطاريات صواريخ أرادت إسرائيل تدميرها؟
لا نعلم، فوقت القصف لم يكن احد يستطيع ان يميز ما يحدث حولهم،اي اذا كانت هناك اي صواريخ تنطلق من احراجهم ام لا، لم يكن أحد يتجرأ على الإقتراب من نافذة  في وقت القصف.

هل لديكم فكرة عن حجم الأضرار التي تعرضت لها البلدة؟
حسب احصائيات البلدية، عين إبل فيها 410 منازل، 80 منزلا منها تهدمت كلياً، 200 منزل تضررت   ولم تعد صالحة للسكن، والباقي  اضرار طفيفة.

هل بقي احد هناك؟ 

بيت روكز
نعم هناك مجموعة من الشباب تنام ليلاً في رميش وتنزل نهاراً الى عين إبل، لتفقد حجم الاضرار.

عائدون الى عين ابل
لم تتوقف الدردشة مع الاهالي النازحين ، بل انضم ايها بعض الذين نزحوا في وقت متاخر وجاؤوا حاملين صور لحجم الدمار الذي لحق بمنازل عين إبل ... وقد خصوا ايلاف بهذه الصور بعد ان غابت كاميرات وسائل الإعلام عن بلدتهم، فقرروا أن يتولوا بأنفسهم توثيق مأساتهم، كما تولوا من خلال تكاتفهم إعانة أهاليهم وحفظ كرامتهم.

ويحدثنا جو عتمة وهو خبير كومبيوتر واستاذ جامعي، عن الية تسجيل ومتابعة كل ما يتعلق بالنازحين، واعدادهم واماكن تواجدهم، والحصص الغذائية والدوائية ومختلف المستلزمات الاخرى، مشيرا الى ان كل هذا يتم عبر قاعدة بيانات قام ببرمجتها خصيصاً لتوفر كافة انواع الاحصاءات والمعلومات اللازمة لعمل اللجنة بشكل فعال ومحترف.

ويرى  ان أكبر إنجاز تحقق لهم هو " أن الاهالي الذين نزحوا من ضيعتهم وجدوا من كان بإنتظارهم، واستقبلوهم في منازلهم دون الحاجة للوقوف على أبواب المستوصفات او المدارس، بحثاً عمن يؤمن لهم الاكل، والفرش وغيرها من المستلزمات".

واضاف بأن" كل هذا كان جاهزاً لأننا تحسبنا له، وربما سبقنا الدولة في تحضيراتنا".

وتحدث جو عتمة عن الجوانب الأخرى التي تهتم بها اللجنة، ومنها الجانب النفسي للنازحين، وترتيب الاحتفال بعيد انتقال السيدة العذراء وهو طقس سنوي مقدس لدى جميع اهالي البلدة، يعرف محلياً بـ " زياح عيد السيدة (مريم العذراء)".

البيت بعد ان طاله القصف
 جو يقول انه "في السابق كانت تصاحب الاحتفالات الدينية مهرجانات فنية وتعقد حلقات الدبكة لساعات في البلدة. لكننا اكتفينا هذا العام بالصلاة. لكن المهم ان عين ابل باقية وسنعود اليها بمجرد ان تفتح الطريق لإعادة بناء ما تهدم من جديد".

 

 

 

 

 

 

 

 

دمار وتشريد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيت الراحل تابت دياب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطريق الى بيت روكز

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منطقة المومياء


في