GMT 7:06 2004 الأربعاء 21 يناير GMT 22:17 2004 الخميس 1 أبريل  :آخر تحديث

لوح آشوري يؤرخ لتقليد حجر الأساس
توكولتي ـ نينورتا يشيِّد معبد عشتار

إيلاف
مازن أمين من برلين: خلال العمل من قبل جمعية الأبحاث الألمانية، التي تمّ تكليفها بإعادة تدقيق وتصنيف وتوثيق الآثار التاريخية المخزونة في المتحف الألماني، تمَّ العثور على صفيحة معدنية صغيرة تتسم بأهمية خاصة. وهذه الصفيحة، هي في الواقع، جزء من الكنوز الأثرية التي حصل عليها المتحف الألماني، خاصة في قسمه الهام (آسيا الأدنى)، من التنقيبات التي أجرتها البعثات الأثرية الألمانية في آشور.
ويضم متحف "البرغامون" الألماني كنزاً من الآثار العراقية القديمة التي يعرضها، وخاصة بوابة عشتار و جزءا من شارع الموكب. إلاّ أن أقبية المتحف ماتزال تختزن الآف القطع الأثرية والرقيمات التي لم يجر جردها وتصنيفها ودراستها والتي ستشكل حسب المطلعين ثورة في المعلومات عن الحضارات العراقية القديمة.
وبصدد القطعة الأثرية ـ الصفيحة المعدنية ـ المذكورة التي اتسمت لدى الباحثين بأهمية خاصة كان قد أعلن عن جودها لأول مرة في العام 1935 ثمّ اعتبرت مفقودة منذ العام 1945الى أن تم العثور عليها. وأهمية الإعلان عنها الآن تكمن في التوصل الى حل رموزها وقراءة محتواها وعرضها أمام الزوار. وكان الملك الآشوري " توكولتي ـ نينورتا " الأول (1243 ـ 1207ق.م) دفن هذه القطعة لتوثيق وضع حجر الأساس لدى بنائه لمعبد الآلهة عشتار. 
 ولدى العثور على على القطعة الأثرية المصنفة تحت رقم 995 VA ASS كانت تغيرت كلياً من جراء الصدأ والتآكل والتراكمات عليها. ولم يكن المشاهد يعرف طبيعتها أو جوهر تكوينها مطلقاً. ولذا فقد بذل المنقبون جهوداً مضنية في التقاطها ومن ثم في تخليصها مما لحق بها. وفي الواقع كان صعباً عليهم في البداية أن يحددوا أصلاً طبيعتها كقطعة معدنية، أو ان، يعرفوا محتواها.
ويعود الفضل في عدم ضياع هذه القطعة الأثرية، التي هي شهادة ووثيقة تاريخية، الى الحالة الرثة التي وجدت عليها من التلف والتآكل والتشوه، ولكن ذلك أبعد في الواقع عنها الأيادي، على خلاف أخواتها من رقائق الذهب أو الفضة الخالصة التي أخذت أوسرقت إبان الحرب الثانية. وهكذا فقدت كوثائق تكشف أموراً هامة في معرفة الحضارات القديمة , وتكون بمثابة مفاتيح لمزيد من المعرفة البشرية بهذا الشأن.
لقد أصبح بالإمكان ان تُعْرَضَ هذه الوثيقة التاريخية اليوم كعينة مدهشة أمام الملأ، ولكن في هذه المرة بما تتضمنها من شهادة على التاريخ. ومن الغريب ان تقليد وضع الوثائق في حجر الأساس الذي يجري في عصرنا الحالي، كان تقليداً آشورياً حسبما توّضح الصفيحة المعدنية . وتكشف الوثيقة التي تمّ فك رموزها واعيدت الى الحياة، تكشف أيضاً سيرة الملوك الآشوريين الذين دأبوا على إرساء هذا التقليد في مشاريعهم العمرانية .
وكان العاملون على تخليص القطعة الأثرية من الحالة التي وجدت فيها على ثقة تامة بأنهم سيتمكنون من إعادة جمالها الفضي وتجسيد حروف كتابتها المسمارية وفك رموز نصوصها. وفعلاً، بعد جهود مضنية تمكنوا من ذلك، وهي تقعى الآن جميلة ونظيفة في متحف آسيا الأدنى ببرلين تستقطب الزوار وتدهشهم، وتميط اللثام عن جذور تقليد معاصر لتعيده الى الوراء، الى ما قبل الميلاد.
 
عملية الترميم
في ديسمبر/ كانون الأول من العام 1996 بدأت عملية معالجة وترميم الصفيحة الفضية، لتخليصها من التلف والتآكل الذي لحق بها مع الزمن ، وقد استمرّ هذا العمل سنوات طويلة. ويبلغ طول الصفيحة المذكورة 52 ملم وعرضها 28 ملم. أما سمك الصفيحة فلا يتجاوز 1,3 من المليمتر. و قد حُـفِـرَ على وجهها وقفاها خط مسماري يختلف في طول سطوره الواحد عن الآخر، بحيث يتراوح ما بين 6,. الى 4,. ملم فيما لا يتجاوز عمق الحفر وفق أكبر العلامات المنقوشة أكثر من عشر المليمتر. وتقترب بالشبه هذه القطعة الفضية التالفة من قطعة أثرية آشورية أخرى تمّ العثور عليها، ولكنها استبعدت عن أن تكون قطعة فضية لما تحتويه كسبيكة من نسبة عالية من النحاس، ولذلك يمكن اعتبارها سبيكة نحاسية أكثر من تصنيفها كقطعة فضية.
ومهما يكن فإن الصفيحة الفضية التي بدأت عليها عمليات الترميم كانت تقعى تحت طبقة سميكة غير متجانسة من السلفات، ويعلوها الصدأ والوسخ والعوالق المختلفة، بحيث جعلت سماكة القطعة أكبر بخمس مرات من حجمها الأصلي. ومع ذلك فقد ظهرت بالكاد في موضع ما حَفرٌ تشير بصعوبة الى احتمال وجود خط مسماري تحت الأغطية السميكة التي علتها. ولأجل التأكد من الخطوط المسمارية وتوخياً لسلامة النص، بغية قراءته فيما بعد وترجمة مضمونه، فقد صُوّرت القطعة من الوجه والقفا بأشعة رونتكن قبل الشروع بمعالجة الصفيحة نفسها. وقد قام السيد هـ. بورن من متحف التاريخ القديم بالتقاط تلك الصور على نحو فني وبخبرة طويلة من معالجة الرقائق المعدنية المثيلة. وخدمت الصور الملتقطة في توجيه عمل الترميم والصيانة نفسها، بينما كشفت عن المعدن الفضي تحت ما يكسوه من عوالق. وكانت لدى العاملين لحظة مفرحة عندما تم اكتشاف قدرة الصفيحة النسبية على مقاومة الزمن. لقد أظهرت الصور التي عولجت على نحو خاص بأن الصفيحة الفضية لم تتلف أو تتآكل في جسمها الرئيسي. وبهذا فقد أجمعت كافة المعطيات والنقاشات الطويلة على أنه من الممكن معالجة القطعة الأثرية معالجة دقيقة بواسطة مواد كيماوية سائلة خاصة التراكيب وبواسطة عمل يدوي دقيق وآلي يخلصها مما علق بها، وإن الأمر بحاجة أيضاً الى أدوات وأجهزة خاصة غير تقليدية. وستستغرق عملية الإعادة " الى الأصل " وقتاً طويل.اً
لقد استخدمت المواد الكيماوية السائلة لتفكيك الرواسب وجعلها هشة، بحيت يسهل قلعها وإزالتها بالمعالجة الميكانيكية. ولكن هذه المعالجة ينبغي لها أن تكون دقيقة على نحو كبير. وتلافياً لتلف الصفيحة جاء استخدام المواد الكيماوية السائلة لفترات قصيرة جدا، ومن ثمّ إعادة الكرة مرات ومرات.
وتوصل المرممون والكيماويون الى مُركب خاص لغرض التنظيف، حيث يتم به تشريب كمادات صغيرة توضع جزئياً على الصفيحة المعدنية بحيث لا تتعدى فترة التفاعل أطول من عشر دقائق، تغسل بعد ذلك الصفيحة جيداً إثر تفاعل المركب في كل مرة، ثم تجفف لتبدأ عملية كشط ورفع الصدأ بتأن شديد. ويلزم تكرار العملية مرات عديدة.
في البداية بدأت عملية إزالة الرواسب بالطريقة اليدوية، بآلات خاصة للحك وللبرد، آلات طورت لهذه الغاية، ثم عوملت بمكائن الجلي الخاصة بأحجار الماس، ومن ثم استخدمت المشارط الحادة الدقيقة وأدوات الكشط الرقيقة وأخيرا أستخدمت الإبر. ولأجل تنظيف وإظهار الخطوط المسمارية المحفورة على اللوح اقتضى صنع واستخدام أدوات جلف دقيقة مثلثة الرأس لمعالجة الأماكن التي تظهر فيها تلك الخطوط، دون أن تلحق بها ضررا وتشوه الكتابة.
هكذا بعد تخليص الصفيحة مما علق بها أصبح بالإمكان قراءة النص المسماري، وتدقيق كل ذلك تحت المجهر بغية إنهاء العملية وإضفاء اللمسات الأخيرة على الصفيحة بالجلي الرقيق. وفي الختام غسلت الصفيحة في مرات عديدة بالماء المقطر الدافيء وتمَّ تجفيفها بالأشعة تحت الحمراء. ولأن الرقيقة الفضية، هي في الواقع، غير خالصة وتحتوي، كما ظهَرَ، على نسبة قليلة من النحاس فقد اقتضى بأن تطلى بمادة كيماوية مُثبِتةٍ تغدو بمثابة غطاء يقيها ويحافظ عليها من التفاعل الكيماوي لدى تعرضها الى الهواء، فضلاً عن أن هذا الغلاف الواقي سيبقيها على لونها الأبيض اللامع. واليوم تزدهي الصفيحة، بعرضها تحت الزجاج بالمتحف ، باللون الفضي الجميل كما لو كانت الأصل، وقد قطعت أكثر من ثلاثة آلآف عام منذ عهد آشور لتصل ألينا وتقول لنا شيئاً.
 
المحتوى
تحتوي الصفيحة الفضية المعروضة الآن في متحف البرغامون بالمانيا على 12 سطراً في كل وجه منها. السطور منقوشة بالخط المسماري. ويتحدث النص باللغة الآشورية عن الملك "توكولتي ـ نينورتا " في جهوده المبذولة لإعادة بناء معبد عشتار. ويضع الملك، بمناسبة الحدث، حجر الأساس المرفق بشهادة تحتوي على رغباته وتمنياته
وتشبه الصحيفة الفضية في شكلها وفي كتابتها المسمارية سائر الألواح الطينية التي كتب عليها بالخط المسماري. بتعبير آخر انها اتخذت نفس أسلوب الألواح الطينية في اتجاه الكتابة وفي تعاقب السطور والكتابة على الوجه والقفا. وهكذا فإن استمرار قراءة النص يبدأ من أعلى الصفحة بسطور أفقية تتوالى نازلة حتى أسفل الصفحة. ولأجل متابعة قراءة النص على قفا الوجه يلزم قلب الصفحة على عقبها لمتابعة السطور حتى النهاية.
وهنا ترجمة النص الى العربية مأخوذة عن النص الألماني لترجمة محتوى الرقيقة الفضية.

 
الوجه
 1 (أنا) توكولتي ـ نينورتا
 2 ملكُ الأجمعين، ملكٌ آشور
 3 إبن شلمنصر (الأول)
 4 ملك آشور
 5 حين بنى معبد (الآلهة)
 6 دينيتو، سيدتي
 7 ملكٌ سابقٌ
 8 اسمه الوشوما
 9 وعندما غدا هذا المعبد
 10 على وشك الخراب
 11 وبات قديماً
 12 أزلتُ ما تداعى منه

 
القفا
13 حتى وَصَلتُ بهِ إلى حَجَر الأساس
14 ومنَ القاعدة
15 حتى قبتهِ النحاسية
16 أعدتُ البناءَ مجدداً (و) باسمي
17 وضعتُ وثيقةً
18 وحينما يأتي حاكمٌ آخرَ
19 ليعمِّرَ ما تهدَّمَ منهُ ويُجدِّده
20 عسى أن يحفظ اسمي المكتوب
21 والى مكانه يعيده
22 (عندها) سيسمعُ آشورُ
23 دعاءَهُ
24 وسيستجيب له

 
في ثقافات