GMT 10:00 2008 الإثنين 20 أكتوبر GMT 19:43 2008 الأحد 19 أكتوبر  :آخر تحديث

إقليم بلوشستان يلتهب والنظام الإيراني يرتهب

صباح الموسوي

لا يذكر التاريخ ان انفجارا سياسيا أو ثورة جماهيرية حدثت دون ان يكون هناك مسببات وراء حدوثها. فالظلم والقهر والاستبداد كان دائما من أهم المسببات التي تدفع بالمقهورين الى الثورة ضد الغزاة والحكام الجائرين. و لعل ما جرى في إيران خلال القرن الماضي خير شاهد على ذلك حيث شهدت إيران فيه عدة ثورات و انقلابات ‘ كان أخرها ثورة الشعوب عام 1979 التي انتصرت في على نظام البهلوي الذي كان قد جاء الى السلطة بانقلاب عسكري جرى عام 1926م و أطاح بحكم الأسرة القاجارية. و قبل هذا الانقلاب المشئوم كانت إيران ( اسمها بلاد فارس آنذاك) قد شهدت في سنة 1907م حدوث الثورة الدستورية التي أدت ولأول مرة في تاريخ البلاد الى قيام حكم ملكي دستوري لكن سرعان ما قوض هذا الحكم وأصبح ملكي استبدادي مارس فيه رضا خان أبشع أنواع القهر والاضطهاد. ونتيجة لإعجابه الشديد بهتلر أطيح برضاخان من قبل بريطانيا وحلفائها وجيء به ابنه محمد رضا الذي واجه فيما بعد أشرس حركة معارضة سياسية في تاريخ إيران وهذه الحركة قد استطاعت ان تنفذ عام 1953م انقلابا ضده بقيادة زعيم الحركة القومية رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق ولكن انقلاب مصدق لم يدم طويلا حيث وبعد قرار تأميم النفط بأيام استطاعت المخابرات الأمريكية اسقطا حكومته و إعادة الشاه الذي كان قد فرمن البلاد الى العرش.


لقد مارس النظام البهلوي ظلما و قهرا شديدا ضد القوميات غير الفارسية التي كانت في عهود ما قبل نظام البهلوي تدير مناطقها بذاتها ‘حيث كان النظام السائد في بلاد فارس آنذاك أشبه ما يكون بالنظام الفدرالي الذي أعطى الأقاليم صلاحية حكم نفسها و إدارة شؤونها بنفسها بعيدا عن هيمنة واستبداد السلطة المركزية. إلا ان نظام البلهوي ألغا ذلك النظام وقام بضم إقليم الأحواز الى الدولة الإيرانية و أطاح بجمهورية الأكراد في مهاباد وضرب جمهورية الاذاريين في تبريز وهاجم البلوش وغيرهم من القوميات الأخرى و بدأ بتطبيق سياسة فرض اللغة و الثقافة الفارسية على غير الفرس وسلب جميع حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية.


خمسون عاما كانت مدت حكم النظام البهلوي ‘ كان الفرس وغير الفرس المكتوين بظلمه و جوره يهتفون بصوت واحد ‘ " الموت للشاه " ونعم للاستقلال و الحرية والجمهورية ‘ وكان الخميني و أعوانه يرقصون طربا لسماعهم هذا الصوت ويزيدون في دويه من خلال إعطائهم الوعود بأنهم سوف ينصفون الشعوب ويزيلون القهر القومي والمذهبي الذي لحق بها إذا ما انتصرت الثورة واستلموا الحكم. وبالمقابل كان الشاه يصف حركة الجماهير ضده بأنها مؤامرة ‘ وكان قمع الانتفاضات والثورات في أقاليم القوميات غير الفارسية يتم تحت اسم وأد الانفصال وخطر تهديد وحدة التراب الإيراني ‘ و كان نصب المشانق وقمع المظاهرات الجماهيرية في طهران والمحافظات المركزية يجري باسم مواجهة مروجي المخدرات و إخماد فتنة الرجعية وغيرها من الحجج الأخرى. وبعد الإطاحة بالشاه أصبح نظام الخمني يمارس ذات الأساليب ويستخدم نفس المسوقات التي كان يستخدمها نظام البهلوي في قمع الشعوب الإيرانية.


واجه نظام الخميني مطالب الشعوب والقوميات غير الفارسية بقمع قل نظيره تجاوز فيه كل المعايير الإسلامية والإنسانية ‘ وكان نصيب الشعب البلوشي من هذا القمع والظلم هو الأعلى‘ فما لقيه الشعب البلوشي طوال العود لثلاثة من عمر نظام ولاية الفقيه يفوق كل التصورات ‘ فكان اغتيال شيوخ القبائل وعلماء الدين البلوش أو إعدامهم وتهديم المساجد والمدارس الدينية هي من ابسط الوسائل لإسكات الشعب البلوشي ‘ حيث كان هؤلاء هم صوت الشعب البلوشي المعترض على تجاهل الدولة لمطالبه المشروعة التي لم تكن تتجاوز المطالبة بالخدمات الاجتماعية و اعمار مناطقهم التي كانت ومازالت تشكوا من قلت الخدمات من مرافق صحية و طرق و مراكز تعليمية وغيرها من المرافق الحيوية الأخرى.


ففي بلوشستان الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من ثلاثة ملايين نسمة وبحكم وقوع الإقليم في منطقة المثلث الإيراني الباكستاني الأفغاني الذي تحيطه الجبال من الشرق والجنوب والشمال ‘فإقليم بهذه السعة والجمعية السكانية لا يمتلك سوى 1585معملا ومصنعا صغيرا لا تضم سوى 12080عاملا فقط. فاغلب البلوش يعملون بالمهن الحرة كالزراعة والنسيج وبناء السفن الخشبية وغيرها ‘ و بسبب الفقر المدقع فقد تحول الإقليم ممرا لمافيا المخدرات الدولية التي تعمل بدعم وإسناد من قوى مؤثرة في نظام الخميني. ويؤكد البلوش أن تعمد الأنظمة الإيرانية المتعاقبة على إبقاء هذا الإقليم على ما هو عليه من الأوضاع البائسة يهدف إلي إجبارهم على التعاون مع عصابات المافيا التي تعمل على استغلال حالة الفقر والعوز الشديد الذي يعانون منهم.


 كان علماء الدين وشيوخ القبائل هم الذين يتصدرون حركة المطالبة بحقوق الشعب البلوشي حيث والى ما قبل خمسة وعشرون عاما مضت لم يكن في إقليم بلوشستان حركة سياسية منظمة قادرة على قيادة نضال الشعب البلوشي ‘ إلا ان شدت الظلم والقهر المتواصلة دفعت بالجيل الشاب من البلوش الى التفكير جديا بتأسيس حركة سياسة منظمة تكون قادرة على مواجهة ما يتعرض له شعبهم من ظلم واضطهاد وتستطيع انتزاع الحقوق المشروعة لهذا الشعب. وقد توجت هذه الرغبة والتفكير الجاد‘ بإنشاء منظمة "جندالله " التي استطاعت وخلال فترة قصيرة جدا ان تتحول الى حركة مقاومة شعبية حقيقية أجبرت السلطات الإيرانية مرات عدة على التفاوض معها لإطلاق عناصر من القادة العسكريين والمسئولين السياسيين الذين تمكنت المنظمة من أسرهم بين فترة وأخرى ‘ وتارة تتفاوض مع جندالله على أمل التوصل معها الى صفقة توقف هجمات البلوش و تخرج النظام من الأزمة التي واقع بها في الإقليم ‘ وفي كل مرة يفشل النظام الإيراني في هذه المفاوضات يلجئ الى الاعتقالات والإعدامات في صفوف علماء الدين والنخب الثقافية البلوشية للضغط على منظمة جندالله التي استطاعت ان تخرج من إطارها البلوشي و تصبح حركة مقاومة شعبية إيرانية بعد ان تحالف معها عرب وأكراد وقوميات أخرى‘ وقد استطاعت القيادة الدينية الإسلامية في إقليم بلوشستان‘ وبفضل جهودها المستمرة لرفع الظلم والتمييز الذي يمارس ضد أهل السنة وصمودها أمام مختلف أنواع الضغوط التي تعرضت لها من قبل السلطات الإيرانية‘ ان تصبح مرجعية لجميع أهل السنة في إيران.


وهذا ما جعل النظام الإيراني يرتهب من هذا الإقليم الذي تحول الى ما يشبه الكرة النارية التي تسير نحو طهران لتحرق عمائم الشيطان وتزيح الظلم والطغيان.

صباح الموسوي
كاتب احوازي


في أخبار