GMT 15:05 2016 الثلائاء 20 ديسمبر GMT 21:27 2016 الثلائاء 20 ديسمبر  :آخر تحديث

سان جون بيرس: الشعر غمغمة مضيئة!

حسونة المصباحي
 
في العشرين من شهر سبتمبر -أيلول 1976 فقدت فرنسا واحدا من أعظم شعرائها في القرن العشرين، أعني بذلك سان جون بيرس الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1960. وهو ينتسب الى عائلة استقرّت في جزر "الأنتي" على مدى قرنين كاملين. .عقب ولادته بعام واحد، وكان ذلك عام 1898، رافق والديه في رحلة العودة الى فرنسا، إلاّ أن الجزر الحارّة ببحرها، وغاباتها، ونسائها السمراوات، وروائح أزهارها ستظلّ حاضرة في ذاكرته، بل أنها ستغذّي شعره بشكل واضح وقويّ:
سمّوني الغامض، وقوْلي كان من البحر،
السّنة التي أنا أتحدث عنها هي السنة الأكبر،
والبحر حيث أسائل هو البحر الأعظم
إجلالا لضفتك، جنون، آه يا بحر الرغبة الأكبر...
بعد تخرّجه من الجامعة، دخل السلك الديبلوماسي مثل بول كلوديل ليعمل سكرتيرا للسفارة الفرنسيّة في بيكين (1916-1921)، ثم مديرا لمكتب أرستيد دو بريان (1923-1932)، ثمّ كاتبا عامّا ل"الكي دورساي" (1933-1940). عند اندلاع الحرب الكونية الثانية، إنفجر خلاف بينه وبين حكومة "فيشي" التي أمضت وثيقة الإستسلام للمحتلّ النازي، فاستقال من منصبه، وغادر فرنسا ليستقرّ في واشنطن إبتداء من عام 1941. حتى عام 1946 ظلّ يعمل مستشارا لمكتبة الكونغرس، ولم يعد الى فرنسا إلاّ عام 1957.
في البداية كان اسمه ألكسي ليجي ليجي. شاعرا اختار أسم سان جان بيرس. قصائده الأولى تعكس الأحاسيس والمشاعر التي هزّنه في سنوات الطفولة والمراهقة. فيها يبدوحضور الجزر الإفريقية التي ولد فيها ساطعا قويّا.فيها أيضا هو شبيه بروبنسون كروزويه الذي يحاصره البحر من كلّ النواحي. في عزلته تلك، هو يحاول أن يبتكر عالما مُنسجما مع صورته، مُنْصتا الى ذكرياته، والى الطبيعة المحيطة به. وقد صدرت مجموعته الأولى تحت عنوان:”حور كروزوي ":
أيّها العجوز ذو اليدين العاريتين
المعاد بين الناس، أنت يا كروزوي !
كنت تنتحب، أتصوّر عندها من خلال أبراج الدير، مثل مدّ،
يتدفّق زفير النواقيس على المدينة
آه أيّها المسلوب المجرّد
كنت تنتحب من مجرّد التفكير في الأمواج التي تتكسّر تحت القمر،
في الضفاف الأشدّ بعدا، في أنغام الموسيقى الغريبة التي تولدُ وتخفتُ تحت الجناح المغلق لليل،
شبيهة بالدوائر المترابطة التي هي موجات صدفة، وبتوسّعات الصيحات تحت البحر!
 
في مجموعته الثانية "مدائح" الصادرة عام 1911، تمتزج إختلاجات الروح بعصف الريح، وبأنغام أمواج البحر المتكسّرة على الشاطئ هناك في الجزر الإفريقيّة البعيدة:
نخيل!
وتحت البيت المتشقّق كم من ملهاب!
كانت الأصوات غمغمة مضيئة تحت الريح...مركب أبي، نشطا يجلب وجوها بيضاء كبيرة: ربّما ملائكة مشعثو الشّعر، أو رجال ينعمون بالصحّة، يرتدون ثيابا من الكتّان الجميل، ويعْتمرُون بيلسان (مثل والدي الذي كان نبيلا ومحتشما)
ذلك في الصباح ، تحت الماء العاري، على طول الغرب، كنت قد شاهدت أمراء يسيرون بصحبة أصهارهم، رجال من طبقة رفيعة، جميعهم يرتدون ثيابا غاية في اللياقة، وصامتون، ذلك أنّ البحر قبل منتصف النهار، يوم اتّخذ فيه النوم شكل جسد سماويّ، يثني ساقيه!
 
في مقطع آخر يقول سان جون بيرس:
أتذكّر الملح، أتذكّر الملح الذي كان على الحاضنة الصّفراء أن تجفّفه عند زاوية عينيّ.
السّاحرَ الأسودَ يطلق أمثاله وحكمه في غرفة الخدمة: ”العالم مثل زورق من جذوع الشجر الذي يدور، ويدور، حتى لم يعد يعرف إذا ما كانت الريح تبكي أم تضحك"
في الحين تسعى عيناي لرسم عالما متأرجحا بين المياه المتلامعة،
والتعرّف على السّارية الملْساء للبراميل، والمصطبة تحت الأوراق، ونباتات الدبْق، وعارضات الصّاري، وكبْل الأعمدة الذي من العارشات،
حيث الأزهار طويلة جدا
تنتهي كأنها أصوات الدّرّات.
في مجموعاته الأخرى مثل "منفى"(1944)، و"منارات"(1957) ،أصبح شعر سان جون بيرس شبيها بالأمواج التي ترتدّ الى الوراء، راسما صورة لتوْق الإنسان نحو المطلق، وعاكسا لحبّه للأرض والطبيعة، الأم الرحيمة التي وهبته الحياة والقدرة على البقاء:
أبواب مفتوحة على الرمال، أبواب مفتوحة على المنفى،
المفاتيح لرجال المنارات، والكوكب مُتْعب
على حجر العتبة: يا ضيفي اتركْ لي بيتك الذي من بلّور في الرّمال...
حين الجبس يشحذ نصاله من جراحنا!
في المجموعتين المذكورتين، يبدو سان جون بارس وكأنه الطائر المهاجر بين الضفاف بحثا عن القصيدة التي تضيء في عتمة الكون. وهو دائم البحث عن "المكان الجليّ فيه تولد القصيدة من لا شيء"، وفيه يكون العدم هو جوهر الشعر". مكان يذهب اليه وقد أصبح "جسده المركب، وفكره المجداف"كما في النصوص البوذيّة القديمة.
وفي المجموعات التالية مثل "أناباز"، و"ثلوج"، يصبح الشعر عند سان جون بيرس شبيها بمغامرة هائلة معنيّة بهجرة الإنسان، ومنجذبة الى أفق ما يفتأ يبتعد، ويبتعد فلا تتبقّى منه غير ألوانه المتفرّقة هنا وهناك، وآثاره الباهتة. وكان سان جون بيرس يقول بإن أشعاره "تطوّرت خارج القوانين، وخارج الزمن، وكان هدفها الدائم الإنقلاب على أيّ مرجع تاريخيّ، أو جغرافيّ، أو متعلّق بحدث شخصيّ". محاولا تحديد الخصائص المتّصلة بشعره، يضيف سان جزن بيرس قائلا: ”أن المسكن الحقيقي لشعري هو الحب. أمّا قانونه فهو رفض الخضوع والإستسلام، وفضاؤه أيّ مكان. لكن شرط أن يتمتّع هذا المكان بالحرية. إن شعري لا يريد أن يكون أبدا لاغيابا ولا رفضا". في مقطع من "ثلوج" يقول سان جون بيرس:
غريبا على كلّ السّواحل الرمليّة في هذا العالم، بلا جلسة أو شاهد يحمل في أذن "بونانت"
صَدَفة من دون ذاكرة:
ضيفا عابرا على تخوم مدننا، أنت لن تجتاز البتّة عتبة "اليودس"، حيث كلمتك لم تعد متداولة وذهبك من دون قيمة...
“سأسكن إسمي"، كان جوابك على استجواب الميناء. وعلى طاولات الصرّاف، لم يعد لك غير إضطراب تُنْتجُه،
مثل تلك القطع النقديّة الحديديّة الكبيرة التي نبشتها الصّواعق.
لعلّ الشاعر والناقد البريطاني كينيث وايت على حق عندما كتب يقول بإن سان جون بارس رغم فخامة لغته يظلّ دائما منجذبا الى الطراوة والنضارة، وإلى اتساع الآفاق، والى حضور الأشياء المجنحة. إنه الى جانب"المستكشفين، وجائبي البحار، والمترحلين، والذين يلتقون في أعماق المحيطات متشمّمين الفكرة الجديدة التي لها طراوة العدم".

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات