GMT 11:30 2017 الثلائاء 17 يناير GMT 5:18 2017 الثلائاء 14 مارس  :آخر تحديث
صدرت حديثا عن دار التنوير/ بيروت

المرآة والقطار رواية ما بعد حداثية بامتياز: قراءة تركيبية في المقروء الضمني

حكمت الحاج
 
مقدمة:
إذن، فقد فعلها الجنابي، عبد القادر، فها هو يصدر مطلع هذا العام 2017 وعن دار التنوير ببيروت رواية بعنوان "المرآة والقطار" في 120 صفحة من القطع الوسط، حمل غلافها رسم منحوتة للفنان مهدي مطشر، تقف وسطا ما بين الرواية القصيرة (النوفيللا) والرواية الشعرية، وقصيدة النثر المطولة سردا، ورواية التشويق والتحقيق البوليسي محتوى (إذ جاء العنوان الفرعي للرواية هكذا: قِصةٌ تحليليّة بوليسيّةٌ بالخطأ).
وعبد القادرالجنابي، شاعر السوريالية العربية الأول كما أسماه ذات مرة كميل قيصر داغر، الشاعر المُعارك المُحرض الكاسر لتابوهات القديم والجديد معا وباستمرار، ولد ببغداد عام 1944 ويعيش الآن بباريس بجنسية فرنسية بعد المرور سنوات بلندن. ساهم في الحركة السوريالية العالمية، وأسس مجلات طليعية بالعربية والفرنسية والإنكليزية، منها: النقطة والرغبة الإباحية وفراديس. أصدر في الشعر: كيف أعاودك وهذه آثار فأسك 1973 في هواء اللغة الطلق 1978 ليتبعها بعد ذلك بـ مرح الغربة الشرقية، وثوب الماء، وشيء من هذا القبيل، وتدفق. وله ديوان شعر باللغة الانكليزية. وضع أنطولوجيا للشعر العراقي خرجت تحت عنوان "انفرادات الشعر العراقي الجديد"، وله أيضا مختارات من نصوص وبيانات تحت "عنوان معارك من أجل الرغبة الإباحية".

أمام المرآة:
إذا نظر شخصٌ ما إلى المرآة فإن صورته ستنعكس في المرآة. مثلا، إذا رفع الشخص أمام المرآة يده اليمنى فإنه سيبدو في المرآة وكأنه قد رفع يده اليسرى. ذلك ما يسمى بظاهرة التناظر الانعكاسي. وهذا هو لبّ العمل في رواية المرآة والقطار لعبد القادر الجنابي.
يقال عن شكل ما بأنه ذو تناظر انعكاسي reflection symmetry  إذا كان ينطبق على نفسه تماما. وفي رواية المرآة والقطار ينطبق الرائي والمتمرئي في ثنائية دائرية لا نهائية (إذْ إنّ الدائرة كشكل هندسي في المفهوم المرآتي أو المرآوي لها عدد لا نهائي من محاور التناظر، وجميعها تمر بالمركز، أي مركز الدائرة) تشكل في سيرورتها المتحددة قسرا بطول هذا العمل الأدبي وضرورة انتهائه عند نقطة ما، تشكل البناء الهيكلي لهذه الرواية الأخاذة الجميلة سريعة القراءة والمخادعة (خداع المرايا) إلى حد كبير في مراوغتها ما بين انفلات الشكل والإمساك بالمضمون في وهم خيالي أساسه التمرئي في مرآة غير موجودة أصلا. يفصح الروائي أو السارد الضمني في الرواية أو بطلها صاحب الاسم الغريب "شخصان يحيى" أو كلهم دفعة واحدة (حيث يصعب جدا الفصل بينهم كإجراء نقدي  في هذا العمل المتماسك جدا مثل قصيدة) عن رؤيته أو رؤياه لمفهوم الوقوف أمام المرآة قائلا ومقتبسا من عجائب المخلوقات للقزويني: «إنّ ما يُرى في المرآة لا حقيقة له بل هو من باب الخيال، ومعنى الخيال في هذا المقام أنْ ترى صورة الشيء مع صورة الغير، بتوهّم أنّ إحداهما داخلة في الأخرى، ولا يكون في الحقيقة كذلك بل إحداهما تُرى بواسطة الأخرى من غير ثبوتها فيها».
كان هذا داخل النسيج السردي للرواية وتحديدا في الصفحة 26 منها. ولكن، وبالعودة الى مطلع الكتاب، فسنلحظ بسرعة انه ليس من قبيل الصدفة أيضا أن تُستهل الرواية باستشهادين دالين على التمرئي والمرآة، وأن يُعطى لكل استشهاد صفحة خاصة به، مما يدل على مقدار الأهمية التي أولاها الروائي لهذه التقنية. فبمقتبس أول من ماين دو بيران يقول : « بتحويل نظرنا إلى أنفسنا، سنرى ثمة لحظة حيث لن يعود بإمكاننا التحليل أو التفكيك، إذ سنكون وجها لوجه مع وجودنا فقط ». وبمقتبس ثانٍ أقصر من الأول، وهذه المرة من جول ليكور: «راح يتَمَرْأى في الهاوية، فابتلعتْه الهاوية»، يكون الدخول ضمن موجهات القراءة المتقصدة إلى الأجواء العامة للسرد الحكائي بصورة سر يعة ربما تطلبتها اختزالية الرواية من النوع القصير مثل "المرآة والقطار" لعبد القادر الجنابي.
 
رؤى المرايا:
تحصل للبطل "رؤيا مرآوية" إن صح التعبير، وذلك لمرتين وفي مكانين مختلفين. الرؤيا الأولى تحصل له في القطار في طريقه إلى مدينة الحدث لمقابلة شخص ما بخصوص عمل جديد سيدر عليه بأموال جيدة. أما الرؤيا الأخرى فتحصل له وهو في الفندق في تلك المدينة، بعد أن تحدث جريمة قتل يروح ضحيتها نفس الشخص الذي كان من المفروض أن ينتظره في محطة الوصول.
 
1. في القطار: تصبح نافذة القطار هي المرآة العاكسة للتمرئي بالنسبة للبطل الذي يقول: أحبُّ كثيرا نافذة القطار فهي ليست مجرّد زجاج، وإنما مرآة نابضة يمتزج فيها عالم القطار الخارجي الفسيح بعالمك الداخلي الصغير... الزجاج الذي يفصل بينك وبين خارجه، هو عينُ الحاجز الذي يفصل بين وعيكِ وما تحت وعيكِ. اسند ظهرك إلى خلفية المقعد والقِ بكلّ نظرك على زجاج النافذة، حيث يتدفق كم هائل من المناظر الخارجية... ابقَ مستسلما حتّى الانخطاف، حتّى تستيقظ ذاكرتك، يسقط شعاعها على الزجاج، فيرتد باتجاه عينك: وها أنت تسبح في سيلِ أناكَ البصري الذي تدفعه تدفّقات داخلية، لا علم لك بها من قبل، وإنْ هي في أعماقك تجري... وفي الوقت ذاته تحافظ عل مسارك في واقع ملموس حتّى لا يفقد الانعكاس خط سيره، فتجد نفسك في مدار الهلوسة! المسألة هي أنْ تعرف، حقا، كيف تنظر، من زاوية ما، إلى الزجاج حتّى تتراءى لك أعماقك واقعا وحقيقةً متراميةَ ... فلو لا التخيّل لما كانت هناك «أساطير وُلِدَت منها ثورات »! 
 
2. في الفندق:
أما الرؤيا الثانية فتحصل للبطل وهو ثاو في غرفة سيئة في فندق حقير. وهنا يسرد لنا كيفية الحصول: توقفت قليلاً وشعرت أنّ ريحا تجذبني صوب مرآة الدولاب؛ مرآة صدئة بعض الشيء، في وسطها شرخ صغير، رحت أحدّق فيه لدقائق طويلة وتجلّت فجأة صورة... لا أعرف ما هي «أعَرَضٌ، أم جوهَر، أم شيءٌ حقيقيّ، أم تخييل »؟ استشعرتُ وكأنني لستُ من ينظر في الصورة، وإنّما الصورة هي التي تنظر إليّ، وأسمعها تنطق قائلةً: ابحث لك عن واقع جديد لا جريمة فيه؛ واقع حيث لا أسئلة من نوع: من أنت، كم عمرك، هُويتك، أين كنت، وإلى أين تمضي... هذه أسئلة مراهقين. عليك ألّا تخشى عيون الآخرين، وألاّ تخشى أنْ تقف عارياً أمام نفسك... فحريتك هي وجودك... والكوجيتو يقول: أتمرأى، إذنْ أنا موجود! 
 
المرآة والقطار رواية شعرية:
الشعرية الرواية هي نوع من الشعر المسرود أو السرد المستعين بالشعر، ينعقد فيها الخطاب الروائي المبتكر عبر وسيط شعري بدلا من اعتماد النثر الإعتيادي.
وسواء أتمَّ استعمال الشعر الحر في ذلك، أو المقطعات الشعرية، أو القصائد الغنائية أو حتى قصيدة النثر، فإنه سيكون هناك دوما عدد كبير من الشخصيات، وتعدد في الأصوات، وحوارات مبثوثة في النسيج العام للعمل، ووصوفات سردية، وحركات سلوكية. وكل هذا يجب أن يكون في إطار من الأسلوب الروائي المتعارف عليه.
ضمن هذا التعريف تقف "المرآة والقطار" لعبد القادر الجنابي بالضبط في منطقة الرواية الشعرية، ولكن، تلك المكتوبة بقصيدة النثر، لا غير. ولابد لمن يعرف مسيرة الجنابي الشعرية وفاعليته في الميدان الأساسي لحركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، كتابةً في الشعر وتنظيراً لقصيدة النثر،  أن يدرك بسهولة إن المؤلف قد ارتكب "جناية السرد المكثف" منذ أمد بعيد في نصوصه الشعرية المنشورة منذ بواكير منشوراته، وذلك عبر ما كانت تتيحه له تعاريف قصيدة النثر الإنكليزية (والتي كان تبناها بشكل واضح)  المتفقة جميعها على ضرورة الكتلة النصية واحتواء القصيدة النثرية على أجواء سردية واضحة. 
وهذا ما فعله عبد القادر الجنابي في روايته البكر "المرآة والقطار". فما هي إلا قصيدة نثر طويلة مكتوبة ضمن تيار ما بعد الحداثة ومتوسلة طرائق الرواية الضد أو ضد الرواية في أفق تيار ما بعد الرواية في الثقافة الانكلوساكسونية.
بطل الرواية اسمه شخصان يحيى (نريد هنا أن ننحي جانبا سهولة المقترب السايكولوجي للحديث عن الشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية عند بطل المرآة والقطار انطلاقا من التركيب اللغوي لاسمه في اللغة العربية) يعمل صحفيا في مجلة مصورة ويطمح الى تطوير أوضاعه فيقبل بمهمة مهنية في مدينة بعيدة. يصف نفسه قائلا: "لم أُولد لأكون عنيفاً ولا شاعرا أو روائيا، وإنّما ولدتُ لأكون أنا المسمّى «شخصان» بكل ما أمتلك من تناقضات. كنت أريد أنْ أعيش حياتي حتى النخاع، ولأمت بعدئذ... لم يفهمني أحد، كنت في نظر الجميع كائنا لا فائدة منه".
وبمجرد وصوله الى تلك المدينة يفاجأ بجثة الرجل الذي كان من المفروض أن ينتظره في محطة القطار، ممدة على أرضية المحطة تحيط بها ثلة من رجال الشرطة والمباحث الجنائية. وهناك فورا يتم سوقه الى التحقيق والمساءلة العدلية ليتم من الغد اكتشاف جريمة أخرى حصلت في مكان آخر للشخص الذي توسط له في العمل مع المجني عليه. وهكذا تدخلنا الرواية في أجواء بوليسية مشوقة ومتسارعة مكتوبة باتقان حرفي شديد وكأن المؤلف مختص بروايات الغموض والجريمة. وفي الأخير ينال شخصان يحيى حريته وتتعرف الشرطة على سلاح الجريمة وهو السم وعلى الفاعل والدوافع لارتكاب تلك الجرائم والأشخاص الذين يقفون وراء كل ذلك. ويغادر البطل تلك المدينة الغريبة عائدا الى مدينته الأصلية بنفس وسيلة النقل وهي القطار الذي سرعان ما يقع في حادث سير مروع ينقلب على اثره القطار ويخرج عن السكة وتحصل الكارثة ويموت من على متنه بمن فيهم بطل روايتنا، شخصان! ليروي لنا، كما كلكامش، أسطورة موته والخلود، عبر نشيد شعري عظيم يبدأ من العبارة " ها أنا أذوب في تخيلاتي كشمعة لم يبقَ شيء من خيطها القطني!" على الصفحة 81 لينتهي عند آخر الصفحة 84 أين تعمد المؤلف ان يضع العبارة الأخيرة من هذا القصيد النثري السردي الرهيب في صيغة خط غليظ: عند منعطف سكّة الحديد، شاهدة قبر مكتوبٌ عليها: هنا يرقد الذي لم يذِق للواقع طعما ولم يَرَ للخَيال حدودا!
 
الرواية داخل الرواية:
إلى هنا ونحن أمام مرآة الحكي وعرفنا كل ما تقدم ذكره وما حصل للبطل وللشخصيات الأخرى من قدر ومصير. ولكن تعالوا بنا لنرى ما الذي يمكن أن يكون قد حصل خلف المرآة من عوالم مجهولة تفوت بكثير تلك الحبكة البوليسية وقصة التشويق الواقعية.
فهل الذي حصل للقطار، حصل للرواية؟ تعالوا ندلف الى شفيفة أخرى من شفائف المرآة. 
تخبرنا الرواية على الصفحة 67 منها وما بعدها، إن كل ما عشناه من أحداث مشوقة داخل الرواية إنما لم تتم في الواقع. لم تتم أمام المرآة. بل هي كانت انعكاسا لا غير لعقل البطل المحوم في علياء خيالاته، خلف المرآة. "أكتشفُ، وأنا أبحث عن مقعدي، أنّ الرقم 29 بجوار النافذة، هو رقم مقعدي نفسه في القطار الذي أتى بي إلى هذه المدينة، وهو رقم المكان الذي خلدت فيه، ليلة أمس، إلى النوم... بل حتّى العربة هي نفسها. يا للغرابة... أنا لم أنزل، إذنْ... بل لم أبرح مكاني...أيّ برهان، أيّ طارق، أيّ سلوى... لا، مستحيل... أنا لم ولن انزلَ من القطار. وبصفتي المعتادة كمُسافر المسافات الطويلة... أوقّت، متى أشاء، الزمنَ وأضاعف المكان، وأنا قابع في مقعدي، متكئاً بجبيني على زجاج النافذة؛ كُرتي الأرضية التي أحتفظ فيها بكلّ أعمدة تلغراف العالم، والمنازل، والحقول، والمرتفعات الرملية، والأنهار... وبكلّ ما يلقيه المَظانُّ مُجسّماً على سطح زجاجِ نافذة أغرف منها كلّ مغامراتي دون أيّ أذى، أيّة تكاليف أو جهدٍ... لا شيءَ كالحٌ من وراء زجاج النافذة، فكلّ ما هو مُسقَط عليها ينمّي شعورا بأنّ هناك جانباً آخرَ على الدوام!". ويكمل البطل أو الراوي الضمني أو حتى المؤلف الحقيقي هذه الامثولة قائلا: "يقينٌ أنّ الصور التي تتراءى على زجاج نافذة القطار صور وهمية... لكن بالتأكيد ليست سَراباً... اعطني قطارا له نافذة زجاج عريضة، وسأسرد لك حوادث لن ترى مثلها أكثر واقعية... فما الفرق يا تُرى في عين نافذة القطار، بالنسبة إلى كائن يريد أنْ يحقق لنفسه مكانا لائقا تحت الشمس، بين سهول خضراء، مثلا، ومروج مفروشة بالدولارات... أليس الخيال نصف حياة الإنسان! إنّ نافذة قطار يمكن لها أنْ
تجعلك ثرياً ما إنْ ترشقها بنظرِ أناكَ الدفينةِ من دون أنْ تكسرها".
ولكن، نحن كقراء، ومن خلال خبراتنا المتراكمة في القراءة ومشاهدة الأفلام السينمائية، سنعلم ان هذا الحديث ما هو إلا حيلة أو تكنيك من قبل المؤلف الحقيقي للرواية يُراد به كسر الإيهام كما لو أننا في عرض مسرحية ملحمية لبرتولد بريشت. إن كسر الإيهام والثواب الى الواقع المعاش حيلة سردية تكررت أكثر من مرة في رواية المرآة والقطار. فلو عدنا الى الصفحة 84 أين انتهى نشيد الموت الملحمي، وأين انتهت الرواية الواقعية، لوجدنا ان المؤلف يكتب ما نصه: "نسخة أولى لا تتجاوز نصف هذا السرد نشرت في «إيلاف 4 » تموز 2005 ". فهل على كل قارئ أن يعرف ما هي هذه النسخة الأولى، وما هي "إيلاف" التي نُشرت فيها تلك النسخة؟ أليس هذا تكنيك أو حيلة من حيل السرد ما بعد الحداثي؟
 
حيلة المراجع والملاحق للرواية ما بعد الحداثية:
ثمة تكنيكات أو حيل أخرى يلجا إليها الروائي لكي ينقلنا دوما الى حقيقة التمرئي أمام الصفحة اللامعة لتاريخ الأجناس الأدبية ونحن نطالع رواية المرآة والقطار لعبد القادر الجنابي. إن الروائي هنا لم تكفه ما نثر من تقنيات داخل الحقل السردي للعمل جعلتنا نشك اننا أمام رواية بوليسية بحق وحقيق، بل هو يعمد في الجزء الأخير من الرواية، وهو برأيي أهم الأجزاء إن لم يكن هو الرواية كلها، يعمد إلى صفعنا كقراء مسترخين على أريكة السرد الحكائي المشوق، ليضع لنا في أخر الرواية قائمة بالمصادر والمراجع وكأننا أمام عمل بحثي أكاديمي أساسه تحري الدقة والتوثيق، مُخبراً إيانا إننا لسنا سوى أمام عمل جديد مغاير لا يشبه ما ألفناه من القصص والروايات فما بالك بالبوليسي التشويقي منها، بل هو عمل يقع في خانة الرواية ما بعد الحداثية بكامل عدتها اللغوية والشكلانية والأجناسية والمقروئية. وليس هذا كل شيء. فزيادة بالتنكيل بقارئه، يعمد الجنابي الى وضع ملاحق بالرواية تشرح بكل "أدب" ما تم التجاوز عليه بكل ما أوتي "اللاأدب" و "اللارواية" تحديدا، وليذكرنا بشئ كبير من اللباقة واللياقة ان التناصات والاشارات والتنصيصات التي عثرنا كقراء عليها داخل المتن الروائي لم تكن أشياء متحررة من زيف الأمانة قدر ما هي تكتيكات للكتابة ما بعد الحداثية، واليكم اصلها وفصلها في ملاحق منفصلة خارج المتن. 
يقول المؤلف في ملحق بعنوان "مِزَقٌ" ص 85: بعد الانتهاء من كتابة هذه الرواية، وجدتُ عددا من التفاصيل تخلّ بالبناء الروائي وتحدّ من سرعة السرد... فقمت بحذف كلّ ما رأيته زائدا ووضعته في هذا الفصل المنفصل لكي يطّلع عليه القارئ. كما يجب تذكير القارئ أنّ ما هو محصور، داخل الرواية، بين قوسين ، لهو عبارات مقتبسة خارج سياقها... وإنَّ عدم الإشارة إلى مؤلفيها، بسبب انه لم يعد لها المعنى الذي قصد إليه أصحابها... كهذه العبارة عن «ما من أحد عاد منه ليروي ما يحدث!»، فهي مقتبسة من قصة قصيرة كتبها محمد ديب في منتصف ستينات القرن الماضي بعنوان «نعيمة لن تعود».
تتضمن قائمة المراجع المثبتة آخر الرواية مراجعَ بالعربية مثل الملف الذي أعده المؤلف عبد القادر الجنابي نفسه  لمجلة فراديس العدد الثالث 1992 بعنوان: «أتمرّى إذن أنا موجود !». كذلك حوارات مع سيمون دي بوفوار، جان كوكتو، ولورنس دوريل ونشرت جميعها في مجلة «حوار» التي كان يرأس تحريرها توفيق صايغ الأعداد يناير 1963 ، ديسمبر 1964 واكتوبر 1965. ونجد أيضا كتاب د. مصطفى حجازي: «معجم مصطلحات التحليل النفسي». فضلا ترجمة المؤلف عن ابْلَز سندرار: «نثر القطار العابر سيبيريا »، ملحق النهار الثقافي، 3 أكتوبر 2015. وباللغات الأخرى نقرأ في قائمة المراجع عن كتاب جان فال بخصوص الفلسفة الفرنسية وكتاب جول ليكور المعنون هابيل وهابيل. 
وبعد ملحق آخر عن السُّم، سلاح الأزمنة الغابرة بامتياز... وهو السلاح الذي استعمل في الجرائم التي حصلت داخل رواية "المرآة والقطار"، وثلاثة شذرات شعرية بامتياز، نقرأ فصلا بعنوان العراء الوهمي إشارة للفيلسوف ليبنتز، وآخر بعنوان سذاجة البطل، فضلا عن ملاحق أخرى تتعلق بما حصل في الرواية.
لم يطلق الكتّاب القدماء عبارة «العراء الوهمي » على كلّ عراء خال من الأجسام، وإنّما فقط على العراء الذي هو خارج العالم الملموس. ولم يقصدوا بهذا أنّ عراء كهذا ليس حقيقيا، وإنّما كانوا يقصدون أنّنا نجهل أيّ نوع من الأشياء فيه. وتمضي بنا الرواية قائلة: إنّ كلّ مَنْ سمّى العراء «وهميا » قاصدا بهذا أنّه ليس حقيقيا، فإنّ هذا ليس برهانا على أنّه غير حقيقي.
أما فيما خص سذاجة البطل، وهذا عنوان أحد الملاحق، فإنه ربما يشرح بصدق حال بطل روايتنا المسمى "شخصان يحيى" والموقف الضمني  إزاء منظومة القيم التي تختفي في الرواية خلف غلالة شفافة من مرايا متقابلة في السمت الذي يفصل ما بين الجسد والمرآة العاكسة لصورته. فإن حاله هو حال ذلك المناضل الذي ألقيَ القبض عليه مع ثلاثة رفاق وأثناء المحاكمة أقسم رفقاؤه أمام القاضي بأنّه لا دور له، وأنّهم هم الذين ورَّطوه... وقالوا للقاضي إنّه مسكين، إنسان ساذج لا يعرف أيّ شيء. ويشعرون بخجل وإهانة أنْ يُعتبر واحدا منهم... وهكذا أُطلق سراحه... غير أنّه فكّر فيما بعد: هل كانت، أقوالهم بشأنه، محاولةً نزيهة منهم حتى يُطلق سراحُه، أم أن رفاقه هؤلاء يعتبرونه فعلاً إنسانا ساذجا لا قيمة له... هكذا انتهى إطلاق سراحه الى غانغارينا تتآكله!

أخيرا، نحن أيضا لنا ملاحقنا:
يحق لنا كقراء، فيما أرى، أن تكون لنا أيضا، أسوة بالمؤلف، أن تكون لنا ملاحظاتنا ومقتكفاتنا الاثيرة المحببة الينا من النص وكذلك ملحقاتنا عليه. وفي هذا السياق نضع هنا ثلاثة ملاحق، أحدها يشرح وجهة نظر الرواية في الرواية، أي الرواية "المرآة والقطار" منظورا اليها من داخل نفسها. وملحق يحتفي بمقطعات شعرية لا تنسى. وآخرها يتضمن نشيد الموت الذي لبطل الرواية كقصيدة نثر رفيعة بامتياز.
 
الرواية تفكر في نفسها:
"حين توقفت أمام مكتبة توزعتْ في واجهتها الكتب بشكل فني جميل، رأيتُ روائيا يجيب عن أسئلة الحاضرين. وحين اقتربتُ سمعت الروائي يقول أنا أفهم همنغواي لماذا قال إنّه أعاد كتابة الصفحة الأخيرة من روايته «وداعا للسلاح » أكثر من ثلاثين مرة. لم يكن السبب تقنياً، وإنّما مشكلة الحصول على كلمات مضبوطة، وعلى خاتمة مرضية له. السرد ليس إنشاءً بل بناء والبناء يحتاج إلى اللبنة الصحيحة التي تجعله يصمد زمنا طويلا نعم هناك روائيون يُقحِمون مواضيع زائدة لكي يكبر حجم الرواية. الرواية فنٌّ صعب للغاية، سرّ يظن الكثيرون أنّ من السهل اكتشافه فيثرثرون. إنّ الرواية كما أراها هي كيف تروي شيئا مألوفا وكأنك ترويه للمرة الأولى. لذلك لم يكن الراوي القديم يأبه لما يقول إنْ كان فيه معنى أو لا، وإنّما كان ينتبه إلى العنصر الفنّي. السرد الروائي هو نثريّة مفتوحة، حيث طريقة السرد، والمضمون المراد إيصاله، يكوّنان وحدة عضوية لا يمكن فصلها. وليس في هذه الوحدة ما هو مقرَّر سلفاً... فالوقائع تتكشّف من دون أيّ استغراق فيها. ذلك أنّ النثر فيها في حركة دائمة وتوتر لا يقرّ له قرار".

منثورات:
قلّما ينجو الجلد من مراياه. 
وقلّما تخرج من انعكاس فبركْتَهُ طوال الرحلة، إلى هيئتك الفيزيقية. 
لا تفكر أنّ «هناك » يمتُّ بصلة إلى «هنا » 
حيث أنت في منتصف المنظر، بين فلوات الهواجس تبحث عن خيط تنسج به دَوركَ... 
لكن لا خيط، ولا إبرة... 
كأنّما الأمر وهمٌ في وهمٍ! 
******
نَمْ بسلام... 
لن يكون هناك ليلٌ بعد الآن، 
ولا عاصفة 
ولا مطر... 
إنّما ضياء أبيض 
آنّى امتد بك النظر...

نشيد الموت والعودة منه:
 
ها أنا أذوب في تخيلاتي كشمعة لم يبقَ شيء من خيطها القطني! الظلمات مشتعلة على الدوام لا تحتاج  إلى خيط يبقيها... أرى السماء من النافذة تنذر بعواصف عنيفة... سمعت أنّ نهاية العالم تُحدَّد أحيانا في قطار... وها هي الظلمات حلّت والبروق الخاطفة اندلعت وهبّت الرياح العاصفة واشتد هبوبها بحيث ما عاد يصل إلى سمعي سوى اصطفاق الأشياء. الأرواح الباردة تركض في السهول... 
- أين نحن؟
- في العالم الذي يبدأ وينتهي في لحظة بحركة دائبة.
- ماذا تقصد...؟
- أقصد أنك الآن حيث الشعور المحض بالوجود...
- أأنا ميتٌ؟
- أأنت ميت؟ أأنت حيٌّ؟ أسئلة لا معنى لها...
كان عليك أنْ تعرف أنك حين صعدتَ القطار، حملتَ، إلى جانب أحلامك وهواجسك، شيئا لا يُجتَنَب لأنه جزء من القَدَر...
- أتعني أنّ القطار كان محكوماً عليه أنْ يصطدم في
هذا العراء...؟
- لكلّ حركة قدرُها...
- إذن لن أرى خاتمة اللحن...
- نَمْ... بسلام... لن يكون هناك ليلٌ بعد الآن، ولا عاصفة ولا مطر إنّما ضياء أبيض آنّى امتد بك النظر...
أرى قطارات العالم تتوقف حدادا، والعالم تستوعبه حقيبة. أرى الحياة متأهبةً لطريق مسدود كلُّ الطرق تؤدي إليه. أسمعُ الحركة الثانية من سوناتا يانتشيك. نوطات الندم المتمهلة تتصاعد ببطء، والعالم الآخر يبكي تحتي. ثمّة خضمّ مادةٍ لا ساحلَ له، تعتلي الموجة فيه، فلا تلبث أنْ تزول متدحرجةً بين دورة الانهيار ونعيق الغربان التي تلوح أوّلا كنقاط سود ثم تكبر وهي تقترب، آتيةً من أفاجيج الجحيم! وما هي إلا لحظَة يَسِيرَة، حتى انسلَّ جسدي الأثيري من غلافي الفيزيقي، وطفق يسبح في الهواء وطارت نفسي شعاعا يختلط بتباشير الفجر الآخذ بالظهور. فرأيت نادية مستلقية على السرير شاحبةَ الوجه من البكاء. اقتربتُ منها وهمستُ في أذنِها: ها أنا أعود... إليك أعود... أعود... أعود!. وحين تخبو نثارة النجوم، صباحَ أوّل تموز من كلّ عام، ويُسمَع ثغاء الأنْعَام وهي تعود إلى حظيرتها، يصعد سكّان السهول تلّةً خضراءَ، عند منعطف سكّة الحديد حيث بقايا قطارٍ مركومة، ويقفون لدقائق أمام شاهدة مكتوبٌ عليها بخطٍ كوفي كبير: هنا يرقد الذي لم يذِق للواقع طعما ولم يَرَ للخَيال حدودا!
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات