GMT 18:27 2017 الأحد 26 فبراير GMT 18:30 2017 الأحد 26 فبراير  :آخر تحديث

من تشعير الكائن إلى عناق: الأنا/ الآخر: حنين الصايغ في ديوانها:" فليكن"

عبدالله السمطي
 
تستهل الشاعرة حنين الصايغ ديوانها :" فليكنْ" (الدار العربية للعلوم – ناشرون، بيروت، الطبعة الأولى ديسمبر 2016 بنص:" كلمة ضالة" وفيه تشير مباشرة إلى الكلمة بوصفها اللبنة أو الأداة التي تتشكل منها الجمل ، ومن ثم تتشكل منها النصوص، وهي كلمة موسومة بأنها:" ضالة" كأن الشاعرة تبحث عنها لتهديها إلى دلالاتها، وكأنما تبحث هي نفسها عن سياقاتها التي تولد فيها:
" أنا الكلمة الضالة التي سقطت من ثقب جيب صانع القواميس، من يومها وأنا أتسلق الأبجديات لأحشر نفسي في فم ثغرة، أو أرصف مسافة بين كلمتين لأسدّ رمق المعنى" / ص 13 
تعرف الشاعرة أناها في النص بأنها :" الكلمة الضالة" والوسمُ هنا وسم تعريفي مجازي يقود إلى هذه الطرق الغامضة التي على الكلمة أن تقطعها لتهتدي إلى النص، وهي كلمة مجهولة ربما لا معنى لها. الشاعرة تفتح فضاءات رحبة أمامها لتتقمص معناها الأثير، فهي لا تعريف لها، كلمة ساقطة من صانع القواميس، تبحث في دأب تخييلي عن ما يسد رمق المعنى. 
بداية دالة ومعبرة عن الجموح التعبيري الذي تنشده الشاعرة وتتغياه، خاصة حين تضيء أكثر مكامن هذه الكلمة الضالة في بقية النص:
أمشي في مواكب الحروف
أسقط عني البوادئ واللواحق
أمزق حروف النداء والعطف
وألعن القواميس وصانعيها
من يومها وأنا مسكونة بالمعنى وغيابه 
تواقة للعدم وعدمه
أربط حروفي بسلسلة معدنية صدئة وأدور بها على المعابد
أتوسل المخلصين أن يضعوني في جملة مفيدة/ ص 13 
 
وفي وسمين آخرين تسم الشاعرة الكلمة بأنها جاحدة وجاهلة ، متلبسة إياهما عبر ضمير المتكلم أنا:
أنا الكلمة الجاحدة التي كانت تتضرع للفزاعات
ولا تجرؤ على الحلم بالطيور
الكلمة الجاهلة التي كانت تردم الثقوب
لأنها تجهل أن سقوطها من ثقب جيب صانع القواميس
لم يكن سوى مشروع قاموس يشرح عالمها
كلمة كانت تحلم بالمعنى وحدث لها السياق / ص 14 
 
إن تنوير دالة:" الكلمة" يمضي في أفق متتابع في النص، وهذا التنوير يحمل أولا : إشارة إلى الكلمة، ومن ثم وسمها عبر صفة، وثانيا: إضافتها لضمير المتكلم ، وثالثا : تفصيل وتفسير دلالتها في المرات الثلاث الموسومة ب: الضالة، الجاحدة، الجاهلة، على خلاف ما يتحقق لها بعد ذلك، من الوصول إلى المعنى عبر السياق. وفي نصوص أخرى مثل:" مروضة فاشلة" / ص . 45-46 تحول الحروف إلى " قطعان" وهي قطعان تتربى على التمرد، والهرولة والبحث والاجتياح، والمباغتة، حين تباغت الآخر ، فالحروف والكلمات لا لجام لها. 
إن البدء بالكلمة والحروف والجمل في الديوان الذي يتشكل من (58) نصًّا، هو بدء يمهر الرؤية الشعرية بحالات من المكابدة والتأمل، فالكلمة لا تأتي هكذا على سجيتها، بل من نزق المخيلة، ومن معاناة الشاعرة لحلم ما، أو تخييل، أو تجربة، أو رؤية حتى تنتشي الكلمات بقصيدتها آخر المطاف. وبالديوان إشارات كثيفة لأفق الكلمات والكتابة، يمكن أن نشير هنا إلى بعض النصوص التي تتشح بهذه الرؤية منها: " كلمات هزيلة" و" كان الحديث آمنا" و" قد أكتبك" .

تشعير الكائن:
تحشد الشاعرة جملة من التعبيرات التي تتخلق عبر سياقاتها صور وعلاقات مجازية واستعارية، وعلاقات تشبيهية تترصد للكائنات الأخرى المصاحبة للإنسان في الطبيعة والأرض والمكان، وهي في حضورها تعبر عن حيوات ما صغيرة، ربما حيوات غير عاقلة لكنها تتخذ معنى حكمة اللحظة وحيوية الحركة والتأمل في مشاهدها وصيرورتها. الكائن ليس بمعزل هنا عن مراقبة الشاعرة، وليس بمعزل هو بالتالي عن أن يشكل أفقا جماليا ما في نص شعري. وليس بمعزل بشكل أو بآخر عن حيوية الحياة وقيمها الدالة. ولذا فإن القصيدة حين تلجأ للكائن تلجأ إليه لتحقق وعيا ما بحركة الكائن، وحيوية الشيء، وطزاجة المعنى ومتابعته للآخر حتى لو كان جمادا لا مجرد كائن حي. ذلك لأن من عمل الشعريّ أن يمدد طقوسه الرائية لتصل إلى المخلوقات والأدوات والأشياء، ومن عمل الشعري أن تولد الكلمات سياقاتها كي تحيا في مختلف أشياء الكون وعناصره استلهاما لرؤية فلسفية أو وجودية أو جمالية ما. خاصة وأن الإنسان لا يعيش بمعزل عن الكائنات والأشياء ولكنه يحيا معها وبها بل تترصده هناك في حالات وعيه وأحلامه ورؤاه. 
وكتسمية مباشرة هنا نشير إلى بعض عناوين النصوص الكائنية:" سمكة تنام في باطنها المدن" / ص 21 " طائر في المكيف" / ص 24 " " بقعة زيت " / ص 51 " " قبل متحولة" / ص 70 " نبتة الصبار" / ص 91 " عطش صَدَفة" / ص 104 " عقم شرنقة" / ص 105 " عناد شجرة التوت" / 107 ، بيد أن هذه النصوص ليست وحدها التي تتناول الكائنات شعريا، كما يتبدى من عناوينها، لكن هناك أفق عباري شعري كثيف، بها وبمشاهد نصية أخرى يمكن أن نومئ لبعض تجلياتها: 
" لماذا على الضفادع أن تكون بهذا الوفاء؟ 
...نقيق يقابله نقيق من غير انقطاع 
وكأن الليل يضبط أنفاسه على أصواتها 
أحقد على الكائنات الليلية التي تعيش على الثرثرة./ ص 20 
 
- من أنتِ؟ 
أنا سر الدوار
سمكة تنام في داخلها المدن / ص 21 
 
- في راحتيك غابات تتسع للجنون
وفي داخلي غزالة تهرول داخل عجلة فأر
كيف أنا بعد أن أعبر مصفاة ذاتك؟ / ص 32 
 
وفي " مراكب ورقية" تحتفظ بحفنة الماء لسمكة، " بك أشعر بوجع المخلوقات المنسية " / ص 41 فيما يتغلغل الكائن في أعماق الوعي أو الحلم أو الرؤيا كما في نص:" بقعة زيت":
كائن صغير يرفرف
على مرمى شهقة من بقعة الزيت
قد يكون بعوضة
أو فراشة
أو وطواطا خديجا
لا أراه، لا أسمعه
فقط
أشعر
بحركة جناحيه الهادئة
التي تحمل ذاكرة الخفقان
هل تتسع بقعة الزيت؟
هل يزحف الكائن نحوها
لينتحر سكونًا
لا أعلم
لا أعلم ماذا يحدث في أعماقي ! 
إن تشعير الكائن، واللجوء إلى وصف ومتابعة أو تخيل الكائن الصغير هو نوع من تأمل حيوات أخرى بعيدا عن المشهد الواقعي الإنساني بحركته الجياشة وبأحداثه الدرامية، فيما تعبر الشاعرة في نص:" رجل حقيقي في بلاد العجائب" / ص.ص 97-99 :" ليس هناك من بشر في تلك البلاد، بل أزهار وقطط وأشجار" .  في الكائنات صخب تأمل، وهواجس من صدى، وأسئلة تركض بعيدا لترى صيغا أخرى من العالم المهمش المنبوذ الذي نلاحظه ولا ننتبه لحركته، ودلالة هذه الحركة، وربما نجد هذه المسألة تشكل ظاهرة ما في قراءة مشهد الطبيعة ومشهد الحياة، حين نشير مثلا إلى بعض رؤى الشاعر سليم بركات التي تحتفي بالكائن، ومن قبله شوقي أبي شقرا، ومن بعدهما الشاعرة رنيم ضاهر. 

أفق الدلالة: 
الغياب، العزلة، الانطواء ، الاغتراب، العدم، الانتظار ، الحلم،   دلالات أثيرة لدى الشاعرة. يمكن أن نقتطف بعض الإشارات هنا كتعبيرات تومئ إلى هذه الدلالات: " سالكا ممرات الحنين/ مجتازا حواجز الغياب"  / ص 26 
وفي نص :" فليكن" تستهل الشاعرة بالقول:
في الغياب
كم من مرة تغرغرت بالمرارة
تنشقت الغثيان
تقمصت اللا مبالاة
ورددت" فليكنْ" / ص 28 
وفي مشهد آخر من مشاهد هذه الدلالات تقول: 
في صقيع المساءات
أتحسس أطراف الحلم الخدرة
أسحبُ غطاء الواقع لاحتوائه
أقبل احتضاره
وأتمنى له أن نصبح على عدم
فليكن
ما دمنا لن نكون / ص.ص 28-29 
إن حنين صايغ  تتخذ من أفق الحلم مدارًا لتشكيل قطع نثرية متكثرة، ولتشكيل آفاق من التعبيرات التي تمتزج فيما بينها لتأسيس وعي حالم بمثال، والحلم لا يتدرج إلا في صورته السردية المتنقلة بشكل مبعثر، لا بشكل تراتبي منتظم، أعني أنه يجيء على شكل لقطات دون التزام بخط أفقي أو رأسي، بل يأتي كحالات خاطفة متنقلة من مشهد إلى مشهد ومن أفق منطقي إلى أفق عبثي وسوريالي وغرائبي، وهنا حين تنقل الشاعرة هذه الأحلام تعتمد على لغة حيوية وعلى صور متنقلة كذلك من مكان إلى زمان، من دون تراتبية زمكانية. تحضر في الحلم الوجوه والشخصيات قديمة وجديدة، ماضوية ومستقبلية، وتحضر الأمكنة بمختلف تفاصيلها: البيوت، الشوارع، المدن، القرى، الطبيعة بعناصرها .
 
عناق الأنا/ الآخر 
تبدل الشاعرة من معادلة الآخر الذي يتغزل في الأنثى، ويهب إلى جمايتها على المستوى التعبيري أو على المستوى الواقعي. الشاعرة تكسر هذه المعادلة لتصبح هي الفارسة الأكثر استجابة لاحتضان الآخر الوجداني، ومعايشة إشكالياته، حين تقول الشاعرة – تمثيلا -:
علي أن أحميك من وحشة الغابات
التي أنبتها اخضرار كفك فوق رحمي
 
وهو ما يتبدى كذلك ولو بشكل ضمني في : ( راحتاك غابة ص 32) /  وفي (عناق ذاكرتين ) ص 36 كما يتبدى في تنوع مخاطبة الآخر سواء كان طفلا يتوامض في زمنية ماضوية كما في (عقدة القمح) / ص. ص 47-48 ، وفي نص :" عيناك والسماء" / ص 68 يستحق أن يوصف الآخر الوجداني بقول الشاعرة:" يخيل لي إني تذوقت إحدى نظراتك/ في حبة فاكهة صيفية عندما كنت طفلة، وأني لمستُ أخرى/ حين قصدت النبع للمرة الأولى... منذ متى وعيناك تزرعان السماء" / ص 69 
ومن النصوص الثرية دلاليا بالديوان نصوص: النصوص الرائعة: حماقة الليل / ص 65، ملمس الجحيم / ص 67 " قبل متحولة" / ص 70  " طفل الصحراء" / ص 92 وهي نصوص تتشح بعمق أكبر في قراءة الذات والآخر معا، لا تقتطف تعبيرها الذاتي الأول ولكنها تقوم بتجريب عناصر تجريدية كثيفة، وفي ملاحقة الذات بنقدها، أو ملاحقة الآخر وتتبعه لابتكار جوانياته. 
وإذا كانت عوالم الطفولة والحلم والغياب، ورصد حالات تزمين كثيرة عبر الإشارات لليل والنهار، والتأمل في الطبيعة هو أجلى ما تقدمه الشاعرة في ديوانها، فإنها تستثمر آليات فنية متنوعة كالتكرار كما في " ولادة" / ص 34، أو استثمار البعد السردي / الحكائي كما في :ط قس في نزهة" / ص38 تمثيلا. فضلا عن إشاعة قدر من التعبيرات التي تسميها الجمل الاسمية على الأغلب، وتسميها الأسئلة، ويدل عليها ما هو وصفيّ في بعض الأحيان، ساعية في ذلك إلى تشكيل عالم شعري أولي مبسوط على حواف القراءة والتأمل والسؤال. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات