GMT 11:27 2017 السبت 11 مارس GMT 11:29 2017 السبت 11 مارس  :آخر تحديث

الباحث علي حافظ كريري يقرأ النقش وفضاءاته البصرية في الشعر العربي

محمد الحمامصي

 

 
رأى الباحث علي حافظ كريري في كتابه "أدب الجـدران.. قراءة في النقش الشعري وفضاءاته البصرية"  إنّ كتابة الشعر على الجدران، ونحوها من الظواهر التي سجّلت حضوراً لافتاً في تاريخ الأدب، ولكنها من ناحية أخرى سجّلت غياباً ملحوظاً في الدراسات النقدية، ربما كان هذا الغياب عائداً إلى شفاهية الشعر العربي في الأصل، وسيطرة هذه الشفاهية، حتى حجبت العيون عن الوقوف عند فضاءاته البصرية التي من شأنها أنْ تثريَ القول الشعري، فتضيف إليه عناصر جديدة، وإشارات مهمة، تكشف عن نوافذ من العمل الشعري مجهولة، وتفتح للمتلقي آفاقاً واسعة من جماليات القراءة، والتأويل.
وسعى كريري في كتابه الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالتعاون مع نادي نجران الأدبي الثقافي، للكشف عن البواعث المتعددة وراء كتابة الشعر على غير الورق، وقام بتأمّل فضاءاته البصرية، وأبعاده الموضوعية، ثم سماته الفنية التي يتسم بها في جانب الشكل. وقال "عرف في تاريخ العرب كتابة الشعر على جدران المباني، من القصور، والمصانع، والمدارس، والمساجد...وكذا كتابته على الأدوات، والآلات من السيوف، والتروس، والأقلام، والمحابر، وكتابته على الأواني، والتحف، وكتابته على الفواكه، والعصائب، والمناديل، وغير ذلك كثير، وقد نبّه بعض الأدباء، والنقّاد على هذه الظاهرة، ومن بينهم إبراهيم البيهقي (ت بعد 320هـ) حيث يقول:  "وكانوا يجعلون الكتاب نقراً في الصخور، ونقشاً في الحجارة، وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان الكتاب هو المحفور، إذا كان ذلك تاريخاً لأمر جسيم، أو عهداً لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمْدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المُشَقَّر، وعلى الأبْلَق الفَرْد من تَيْماء، وعلى باب الرُّهاء. يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة، والأماكن المذكورة، ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، وأمنعها من الدروس، وأجدر أنْ يراها مَنْ مرّ، ولا تنسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم، ونقوش الخواتيم، فجعلوها سبباً لحفظ الأموال، والخزائن، ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير".
ولفت كريري  إلى أن من أقدم النقوش النادرة، والمثيرة في تاريخ علم النقوش  "ترنيمة الشمس أو القصيدة الحميرية " التي تعود إلى الثلاثة القرون الأولى بعد الميلاد، على صخرة قرب قصور آل معاصر في اليمن، وأبرز ما في هذا النقش هو خاتمة كل سطر فيه، حيث يتكرر حرفان هما الحاء، والكاف في كل سطر، وعدد حروف كل سطر تتراوح بين ثلاثة عشر حرفاً، وسبعة عشر حرفا، والغالب هو ستة عشر حرفا. وقد صوّر يوسف محمد عبدالله النص بنفسه، ونقله إلينا بخطه المسند، ثم قدّم ترجمة كاملة له، والنقش عبارة عن ابتهال أشبه ما يكون بأنشودة دينية "، ومن هنا تظهر أهمية الفضاء البصري، وتخليده لهذه النصوص، فلو كان النص مكتوباً على الجلد، أوورق البردى ـ مثلا ـ لتعرض للتلف، أو الضياع، وأصبح في عالم النسيان.
وقال "في المعلقات – على مذهب مَنْ يرى أنها كتبت بماء الذهب، ثم علقت بأستار الكعبة – مظهر من مظاهر النص الموازي "يرفع النص إلى مرتبة التعظيم، والتقديس.. وهو مبدأ يوظف عناصر غير لغوية من النص الموازي التي تذكّر بعنصر التجليد، والتزيين، والتذهيب.. " لقد تحولت أشهر القصائد الجاهلية بطريق الخطاب الموازي إلى "معلقات مذهبة، وعندما كان الحجاج يطوفون بالمعبد كانوا يتأملون التذهيب البراق، ومن يحسن منهم القراءة كان يتبيّن على هذه القصائد الشمسية كلمات القبيلة، وقد تحولت ذهبا" فعل التذهيب، والتعليق هنا قد حول النص من  "قصيدة هوائية إلى قصيدة شمسية ".
ولفت كريري إلى إنّ إغفال الوعاء الشعري بوصفه مكاناً  "في قراءة النصوص يعبّر بوضوح عن تحكم التصور التقليدي في قراءة النص الشعري، خاصة وأنّ أهمية المكان ذات دلالة لا يمكن اعتبارها جانباً هامشياً، أو ترفاً فكرياً، أو لعبة مجانية" فـ "الطبيعة والكلمة يستطيعان أنْ يتقاطعا إلى ما لا نهاية، مشكلين لمن يعرف القراءة نصاً كبيرا ".
ورأى أن هذه الظاهرة الشعرية تجذب عين الناظر جذباً قويّاً آسراً، فتجعل "العين تسمع، والأذن ترى " وتجعل القول ممكناً بأنّ الشعر "صورة ناطقة، أو رسم ناطق، وأنّ الرسم، أو التصوير شعر صامت" فتنفتح الظاهرة عند ذلك على "مفهوم يتمحور حول الانتقال من الأذن إلى العين، أي الانتقال من أحكام جمالية متأسسة على الأصوات إلى أحكام جمالية تؤسسها الرؤية، والنظر، حيث يصبح التعامل مع العمل الفني، وهو رهين وعي بالفضاء، والمكان ". 
وأكد كريري  أنه في هذه الظاهرة تمازجت ثلاثة وجوه من الفن: فن الشعر، وفن الخط، وفن المعمار.." ومن أجمل الصور الشاهدة على هذا التمازج الثلاثي قصور الحمراء بغرناطة، فإنها علامة مثيرة، وفارقة في جماليات النقوش الشعرية على مدى التاريخ العربي، والإسلامي، ويعد نحو هذا التمازج مرحلة متطورة في "الخبرة المستندة إلى التجريب، حيث أعقبت الكتابة الرمزية مرحلة الكتابة الصورية، ليتعاظم هرم المعرفة في مرحلته النهائية بالكتابة الصوتية".
وتساءل عن الدلالات الجمالية لكل واحدٍ من هذه الفنون الثلاثة؟ عن البعد الجمالي، أو الفلسفي الذي تحمله النقوش الشعرية بوجه عام؟ إنّ  "القصيدة المنقوشة لسان المباني الناطق، فهي المعبرة عن روح المبنى، المرشدة إلى كشف أسرار معماره.. مفتوحة على مدى الدهر أمام أعين القراء، تحملهم على الوقوف، والتأمل، والتفكر، والاعتبار، وكأنه رجوع إلى العهد البدائي، حيث كان النقش على الحجارة وسيلة الكتابة، والتبليغ، وكأنهم رأوا في الورق، والكاغد مادة رقيقة سريع إليها الإتلاف، فآثروا الحجارة الصلبة، يبلغون بواسطتها رسائلهم إلى الأجيال البعيدة. فهل هو إحساس فاجع بالزمان، ورغبة ملحة في ترك بصمات عميقة الأثر، بعيدة الغور، تصمد في وجه البلى، والاندثار؟.. كأن هذه النقائش رسالة إلى مجهول، غير محدد، لا في الزمان، ولا في المكان".. فهي تمثّل  "انتصار الإنسان عبر الفن، والحضارة.. فهذا الشعر إلى جانب قيمته الوثائقية، والأدبية ذو قيمة وجودية ".
وأضاف "من نقش الشعر على المباني، والمنشآت، إلى نقشه على الأدوات، والأواني التي تحمل نقوشها قيمة اجتماعية، وحضارية، فهي تحيل على مجموعة من الحرف، والصناعات، كحرفة النقاشة، وصناعة الزخرفة، وما تسفر عنه هذه الحرف من روحٍ تنافسية بين أفرادها في  "تقديم النماذج الهندسية، والعناصر النباتية، والتنويعات الخطية التي تجمع بين الفن، والجمال" إلى نقش الشعر في النهاية على القبور، فتكتمل الدورة، ويغدو الشعر رفيق الإنسان، من الولادة إلى الوفاة "إنّ ما يلفت النظر في أشعار القبور أنها كتبت لتقرأ ... وتكرارها على الألسنة يجلب الرحمة للميّت ... ولكنّ المخاطب بها أيضاً المُتَرَحِّم على الميت، فكأنها رسالة هو مدعوّ إلى تلاوتها بين يدي الفقيد ... وكأنها محاولة للانتصار على الموت؛ فهي مكتوبة لتتلى على قبر ميت، وناظمها صائر إلى الموت بدوره، وقراؤها، منهم من ولد، ومنهم من لم يولد بعد، ولكنهم جميعاً إلى الموت صائرون، فهي أشعار تتردد على لسان الدهر.. وكل ذلك يكسبها بُعْداً فلسفيّاً وجوديّا: فالبشر صائرون جميعهم إلى الفناء، أما الكلمة فباقية خالدة، مخلدة للروح البشرية ".
الكتاب جاء في مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة. أوضح الباحث في التمهيد مفهوم النقش الشعري، وبين بعض مراميه، وجمالياته، ثم تحدثت في الفصل الأول عن كتابة الشعر على غير الورق من خلال أربعة مباحث، كان أولها مواطن كتابة الشعر على غير الورق، فأجملها في أصناف معينة، أهمها المباني، والآلات، والقبور، وكان ثاني المباحث أدواتها، فأجملها أيضاً، وشرح أبرز الطرق المستخدمة في تنفيذ النقوش الشعرية، وبخاصة في نقوش القصور، وتوقف عند استعمال الفحم أداة للكتابة، فكشفت عن الأبعاد الدلالية المختبئة خلف استعمال هذه الأداة في كل من أشعار الغربة، وأشعار الزهد، وذكر أغرب صورة جاءت في التشكيل البصري للشعر، وهي تشكيل بيتين من الشعر فوق سطح مياه الخليج العربي في الوقت الحاضر، داخل جزيرة النخلة التي تم تشكيلها فوق سطح مياه الخليج في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية، وتحدث في المبحث الثالث عن بواعث الكتابة التي بلغت ستة عشر باعثاً، فوضحتها، وأورد نماذج من الأمثلة، والشواهد على هذه البواعث، وانتهى الفصل الأول بالمبحث الرابع، وهو المخاطبون بهذه الكتابة، فكان المخاطب لا يخلو من أنْ يكون معيّناً، أو يكون موصوفاً، أو يكون عاماً، حسب السياق، أو حسب أحوال المرسل، والمرسل إليه، وحسب نوعية الوعاء الشعري.
وأبان في الفصل الثاني الأبعاد الموضوعية للظاهرة، والتي جاءت في ستة مباحث، كان أولها البعد الاغترابي الذي كان ظهوره لأسباب اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، وجاءت الغربة فيه على وجهين، غربة اختيارية، وغربة إجبارية، وقد تميزت النصوص، وفضاءاتها في هذا البعد بمجموعة من الملامح التي جعلت منه بُعْداً غنياً، وتحدث في المبحث الثاني عن البعد الوجداني، فتكوّن من غرضين شعريين، وهما الغزل، والرثاء، وكان الحديث في المبحث الثالث عن البعد الديني الذي تكوّن أيضاً من غرضين شعريين، وهما الزهد، والمديح، وكان المبحث الرابع البعد الاجتماعي الذي تجلّى من خلال الهدايا، وطلب العطايا، والإخوانيات، كما تجلّى أيضاً من خلال غرض المديح، وغرض الفخر، وجاء بعد ذلك المبحث الخامس، وهو البعد الحضاري الذي أوضح فيه الباحث انعكاس المنجزات الحضارية على الأشعار التي سُجّلت عليها، وختم هذا الفصل بالمبحث السادس، وهو البعد السياسي الذي كانت نصوصه قليلة جداً بالمقارنة مع نصوص الأبعاد الأخرى.
ثم كان بعد ذلك الفصل الثالث، وهو الطوابع الفنية، فدرس كريري  فيه النصوص من خلال ثلاثة مباحث، وهي اللغة، والصورة الشعرية، والإيقاع، ووقف في دراسة اللغة عند أهم الحقول الدلالية للنصوص، فكانت هذه الحقول هي: الزمن، والموت، والزهد، والمال، والطبيعة، والعمارة، والتحذير، والوعيد، ثم وقف في دراسة الصورة الشعرية عند الصور البارزة التي ظهرت في كل بعد موضوعي على حدة، ووقف بعد ذلك على مبحث الإيقاع من خلال الإيقاع الخارجي، والإيقاع الداخلي، وما تميزت به بعض وجوه هذه الظاهرة من بحور، ومدى نجاح الإيقاع في خدمة الموضوع الشعري.
وخلص كريري  إلى تَعَانَقَ الشعرُ مع الوعاء الذي كتب عليه في أكثر الأحيان، فظهرت وجوها كثيرة لهذا التعانق، كما جاء الوعاء الشعري في أحيانٍ قليلة مجرد وسيلة لإيصال الرسالة، حاله كحال الورق. وأن السمة الفنية الغالبة بدت على نصوص الغربة هي لغة الزمن، وقد تجلّت من خلال الاستفهام الخارج عن دلالته الأولية إلى التعبير عن أزمة في الشعور، وحيرة في العقل، وتجلّت حركة الزمن أيضاً من خلال الجمل الفعلية التي تناسب الاضطراب، وعدم الاستقرار الذي يعيشه الغريب. وقال "يغلب على الأشعار المنقوشة في الجداريات أنْ يأتيَ فيها بعض السقط، أو الزيادات الطفيفة في الأحرف، أو الكلمات، أو التصحيف، ولا أعرف السبب تحديداً، غير أني لا أستبعد أنّ اختلاف ثقافة الناقش، أو المعالج لكتابتها على الجدار عن ثقافة المبدع له أثره في ذلك، وهذا شيء يلمسه كثيرون في الأشياء التي يكتبونها عند غيرهم من الفنانين، أو الخطاطين من نقش، أو غيره. وأحياناً قد يعالجها الناقش بحكمة، وتحت إشراف المبدع، غير أنها مع تقادمها، وما فيها من تزويقات معدنية ناتئة، أو غائرة تسبب ارتباكاً لدى القارئ، وهذا أمر صادفني شخصياً في قراءة بعض القطع".
وأشار إلى أن الإيقاعات تنوعت بين الطويل منها، والقصير، حسب الغرض الشعري، وظروف الكتابة، ونوعية الوعاء، وغابت عن الموضوع الأوزان المستحدثة التي خرجت عن البحور الخليلية، ما عدا مثال واحد فقط، جاء على المواليا؛ لأنّ هذه الأوزان المستحدثة اخترعت لأجل الغناء، وليس الغناء من غايات الشعر المكتوب على غير الورق.
 وأضاف "كان التفاح من أكثر الأوعية الشعرية التي تهاداها العشاق، والأحباب؛ لما فيه من لون الحمرة، ومشابهته لخدود المعشوقين من ناحية، ولسهولة الكتابة عليه من ناحية أخرى، وكانت العملات النقدية من أكثر الأوعية الشعرية التي تهاداها الرؤساء فيما بينهم؛ لأنها علامة دالة على عظمة الملك، وغنى الدولة، ومنعتها، وهذه العلامة قد تمنع الآخرين من التفكير في مغالبة الدولة، ومحاولة القضاء عليها. كانت الخواتيم المنقوش عليها أدلّ الأوعية الشعرية على شخصية صاحبها، حيث كشفت الأشعار المنقوشة بها عن هوية لابسها، ولخّصت أهم صفاته.. أنتج هذا اللون من الشعر ظاهرة الحوار الشعري بين النصوص، فأثّرتْ بعض النصوص في بعض القراء الذين مروا بها، فتحاوروا معها شعراً كتبوه بجوارها، وقد جاء بعض هؤلاء القراء بعد عدة قرون من تاريخ تلك النصوص المكتوبة.. ظهور عناصر غير لغوية من النص الموازي، تمثلت في الفضاء البصري، ووجوه التشكيل الكتابي، وبواعث الكتابة، والغرض الشعري. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات