GMT 4:58 2017 السبت 22 أبريل GMT 17:31 2017 الثلائاء 25 أبريل  :آخر تحديث
من صنف الكابريه السياسي

مسرحية سينما.. تفضح بالكوميديا السوداء عبث السياسة

عبد الجبار العتابي
 على مدى ثلاثة ايام عرضت على خشبة المسرح الوطني ببغداد مسرحية (سينما) ، التي كتبها وأخرجها كاظم النصار لحساب الفرقة الوطنية للتمثيل في دائرة السينما والمسرح ، ولعب أدوارها الفنانون : إياد الطائي وباسل شبيب وعلاوي حسين وزيدون داخل وأزهار العسلي ، فيما كانت سينوغرافيا العرض للدكتور جبار جودي ،والدراماتورج لسعد عزيز عبد الصاحب.
  وجاء عنوان العرض (سينما) من المثل الشعبي العراقي (صرنا سينما) الذي يقوله العراقيون عندما يتعرضون الى مواقف سيئة جدا،وهو تعبير عن حالة الفوضى والخراب والسخرية وشر البلية ما يضحك ولا علاقة للعرض بالكلمة المجردة (السينما) .
تتناول المسرحية لقطات من الواقع العراقي المليء بالغرائب والتناقضات التي تتراكم فيها التراجيديا على الكوميديا السوداء،لاسيما ان (المقبرة) هي ساحة العرض في اشارة الى ان العراقيين اصبحوا مشروع مقابر مستمر ،ومن خلال اربعة اشخاص (موتى) قضوا في ظروف الحرب والعنف ،خامسهم العجوز حارس المقبرة الذي يجسد شخصيته الفنان (باسل الشبيب) فيما الاربعة الاخرون هم : الشاعر (علاوي حسين) والصحفية (أزهار العسلي) ، وخريج الكلية الذي لم يجد عملا باختصاصه فيعمل سائق تاكسي (زيدون داخل)  وهؤلاء الثلاثة قتلوا في احداث العنف في سنواته الاخيرة ، فيما الميت الرابع الذي جسده الفنان (اياد الطائي) هو الجنرال الذي قضى في الحرب العراقية الايرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وهو يحمل دلالة فاضحة تتمثل في استمرارية الموت في الحروب ومن ثم العنف الذي انتجته سنوات ما بعد 2003،حيث يبدأ العرض بلقطات  فوضوية كانت دلالاتها الواضحة: اصوات الانفجارات المرعبة ثم اصوات استغاثة تحيط بالمقبرة التي يطل وسطها الاشخاص الخمسة الذين يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع العراقي (الحارس والاموات الاربعة) ومن هنا تنطلق تراكمات العرض في تلك المحاورات المريرة التي تتعرض لمواقف حياتية تنطلق من الواقع السياسي وهي التي تمنح العرض صفة (الكابريه السياسي) الذي (يعتمد على التصوير الكاريكاتورى الساخر الذى يبالغ فى تجسيم العيوب والأخطاء) ،حيث نقوم المسرحية على تفكيك الواقع العراقي بكل ما فيه من مآسِ وغرائب قضلا عن الضحك كالبكاء الذي يوخز القلب حين يستشعر الفنانون والجمهور حجم المصائب التي يعيشها الشعب العراقي بفضل السياسيين الذين لم يعرفوا قيمة الانسان العراقي .
 من حوارات العرض ان الشخوص يجتمعون في مكانهم (المقبرة) وينظرون الى البعيد فيقول لهم الحارس :شوفوه  ذلك (ترافك لايت) صحيح، يجيبونه صحيح، ثم يقول: وهل تشوفون ذلك الذي تحت الترافك لايت؟ ،ترد عليه المرأة: من ؟ يقول : محمود ،يرد عليه احدهم: أي محمود ؟محمود المليجي ، فيقول الحارس: ذاك واحد يعمل لكم تشريع،فيرد عليه اخر: تشريع دجاج تشريع لحم ماذا تقصد بالتشريع ؟،فتقول المرأة :التشريع يعني اقرار مجموعة قوانين تنظم الشأن العام والشأن الخاص، فيسألها احدهم:الشأن العام افتهمناه،فما الشأن الخاص؟ فترد عليه المرأة: يعني الفيلر والبوديكس والهوليداي سمايل!!،
    يشير احدهم الى شيء امامه ويتساءل: ما هذه، فيجيبه الحارس: تلك كتلة ثانية ،فتقول المرأة : كتلة .. فلننتخبها (وتهلهل) ثم يتراقصون ويغنون (ها وها وها وها ..) فيهزج احدهم بينهم وهو الشاعر (بس انت بس انت بس انت ،اريد انتخب، خلصت عمري احلم ان انتخب الذي اريده ،مرة واحدة انتخبت وقلت نعم لان اللا تخليك تدوخ ويصير عندك دوار ، البعض يأتون بك مكتوفا الى هناك ، تسأله المرأة: اين؟ يقول : الى تلك السيارة القاطرة والمقطورة التي هي (دعمت) سيارتكم وخلتها مقبولة من ذاك الوقت الى هذا الوقت ،وهي نفس القاطرة والمقطورة ،شوفوها الى اين رايحة؟ الى البحر شايلة فلوس ونفط ،الله.. قاطرة ومقطورة بداية قصيدة جديدة (عاشت ايدك ع الجرح كلش كبير شلون شلته بقاطرة ومقطورة) !!.
هذه الحوارات وسواها في اسقاط سياسي واضح جدا ، فيها سخرية تنكشف اوراقها حتى وان كانت تحاول ان تغمض احدى عينيها لكن القصد واضح ولا يحتمل أي التباس ،وصلت السخرية من الوضع العام الى حد ان المتفرج يفهم وهو ما اكد عنوان المسرحية (سينما) وقد صار  الشعب سينما فعلا .
كان المخرج بارعا في ضبط لقطات عرضه وفي ملء فضاء المسرح كما كان بارعا في جعل الممثلين يبذلون كل ما لديهم ،اما اداء الممثلين فكان مميزا بقدرتهم على تجسيد الشخصيات بالشكل الملفت حتى وان لم يكن بينهم من تخصص بالكوميديا، لاسيما انهم مشهود لهم قبل هذا بالتفوق .
 
بصمة فنية 
   فقد اكدت الفنانة د.عواطف نعيم ان للنصار بصمته المميزة في هذا العرض، وقالت: انا مع جميع العروض التي تحمل هدفا ذا قيمة عليا، لاسيما مثل هكذا عرض يصنف من انواع الكابريه السياسي، الذي نجد فيه النكتة والسخرية مع التوعية وتسليط الضوء على الحبكة المراد ايصالها.
 واضافت:العمل اخرج باسلوب النقد البناء مغلف بشكل راق من ناحية الاداء والمستوى والحضور، وهذا هو اسلوب كاظم النصار الاخراجي الذي تميز ببصمته الفنية.
 
الكابريه السياسي
     الى ذلك قال الناقد عبد العليم البناء : يواصل المخرج المسرحي كاظم نصار مشواره الإبداعي المتميز، في فضاءات المسرح بعروض متوالية تميزت بجدتها وحداثتها شكلا ومضمونا ،ويؤشر هذا التميز في إطار مشروع مسرحي ،عمل عليه بالتزام عال ومتناغم مع هموم وتطلعات الانسان العراقي ،والاقتراب من محنته بخاصة بعد 2003 ، أسماه (الكابريه السياسي) يتسم بأسلوب الكوميديا السوداء .
واضاف: هذه المسرحية تمثل حلقة من مشروع النصار  المسرحي الذي أسماه (الكابريه السياسي) والذي اجتهد فيه ونجح في ايصال رسالته او دق جرس انذار من خلال المفارقات التي قدمها في العرض .
 
  الانضباط العالي
اما الناقد بشار عليوي فقال : أزعم أن كاظم النصار يعي تماماً تحولات المسرح العراقي المُعاصر عموماً , لذا نجد في هذا العرض تأكيداً من قبلهِ على أن المسار الجديد الذي إختطهُ لنفسهِ بنفسه والذي بدأهُ بعرض" مطر صيف" و"أحلام كارتون" هوَ ذاتهُ لم ولن يتغير كما يبدو . من الوهلةِ الأولى مع عنوان "سينما" تَتم المُجاهرة مُقدماً من قبل النصار المؤلف والمُخرج بـ(العبث) بوصفهِ سمتاً دلالياً عبرَ يافطة ساكنة لم تدفع بالمُتلقي بإتجاهِ ولوج العرض , فكأنما يُصرح بالقول أن التراجيديا العراقية ماهي إلا مشاهد سينمائية مُجتزأة من واقع حياتي مُضطرب . 
 واضاف: ثمة تناصات لا بل مُتبقيات عديدة من عروض سابقة للنصار وتحديداً " أحلام كارتون" على مُستوى المُعالجات الإخراجية كبناء الشخصيات وفرزها عن بعضها البعض وإستثمار اليومي بكُل تجلياتهِ عبرَ سرديات تلكَ التراجيديا بكُل شخوصها المعروفة ( سائق الستوتة /الضابط العسكري/ الصحفية / الشاعر ) , حينما جعل (المقبرة) القاسم المُشترك بينهم رُغمَ محاولة إضفاء صفة العبث على تشاركيتهم لتلك البيئة (أموات يتحدثون عن أنفسهم ويحتجون على قدوم نُزلاء جُدد ) كنايةً عن توالد الضحايا في البلد ولشتى الأسباب , لكن ما يُحسب للنصار هوَ الإنضباط العالي لإيقاع العرض وكذلك مجمل مساراتهِ السمعية والبصرية .
 
 المخرج: الكوميديا السوداء
يقول كاتب ومخرج المسرحية كاظم نصار : هذا العرض هو نتاج ورشة تحاول ان توظف اسلوب العبث وبنكهة عراقية عبر شخصيات مستمدة من الواقع العراقية ومحنتها ، شخصيات لكل منها قصتها وحكايتها مع هذه التراجيديا العاصفة،وان بدت في احيان كثيرة كوميديا سوداء لكنها ليست سوى قناع لتخفيف رعب الواقع ، انها حكاية شخصيات تحاول ان تنهض من رماد الحروب ،لكن الصراع المستمر عطل من مسيرتها وما زال ،ومع ذلك كله نحن محكومون بالامل.
كتبت مسرحية (سينما) بعد ان اكتملت عندي فكرة النص والحاحها فجربت الكتابة ، وهي أصعب انواع الكتابة ،لأنها تحتاج الى جو عام وشخصيات وحبكة وعقدة وربط الحدث وصياغته، والى أي زاوية ينظر هذا النص وبؤرته، وبعد اكتمال النص عرضته على مثقفين وفنانين مسرحيين عربا وعراقيين ،وكان الانطباع عنه إيجابيا مع بعض الملاحظات المهمة التي عملت عليها بـ (البروفة) ، وأثمرت محاولة الكتابة هذه عن عرض مختبري ينتمي للكوميديا السوداء. 
 واضاف: عنوان النص يحمل مفارقة مستمدة من الذهن الجمعي ، إذ أن غرابة ما يجري يشبه شريط سينما أو برنامج كاميرا خفية ، والفكرة ترتكز على أن فكرة الموت فكرة مقلقة ، والأكثر قلقاً .. أن يتساوى الموت مع الحياة في واقعنا العراقي ، بسبب ما مررنا به من كوارث وحروب وإرهاب.
وتابع : اما عن المعالجة الاخراجية  فقد اعتمدت على المونتاج النصي والكوميديا السوداء، والقدرة على صناعة شخصيات متصارعة مع الفكرة والمعطى أكثر من صراعها مع بعضها ، فهم ضحايا بمقابل وضع كارثي يريدون تلمس طريقهم فيه وسط الظلام .
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات