GMT 11:40 2017 الخميس 13 يوليو GMT 9:20 2017 الخميس 13 يوليو  :آخر تحديث

حرب بين الشعبوية والأحزاب الرئيسية: التطرف والديمقراطية في أوروبا

ميسون أبو الحب
يضم كتاب "عن التطرف والديمقراطية في أوروبا" عددا من الأبحاث التي نشرها المفكر والكاتب الهولندي كاس موده بشكل متتابع منذ عام 2010 وكرسها لتحليل المشهد السياسي الحالي في أوروبا. ويحاول الكاتب تقديم شرح علمي وفكري لمواقف الأحزاب الرئيسية ولأسباب انتشار تيارات حديثة مثل التيار الشعبوي وانطلاق دعوات تنادي بالتخلي عن مشروع الإتحاد الأوروبي مرورا بتحليل الوضع الذي تواجهه الديمقراطية الليبرالية اليوم. ويناقش الكاتب في دراساته هذه المخاوف السائدة حاليا لاسيما تلك التي تروج لها وسائل الإعلام الرئيسية حيث يطرح تحليلا للسياسات الأوربية المعاصرة يمكن الركون إليه وفهمه بسهولة.
 
من يقوض ماذا؟
بعد ظهور نتائج الانتخابات الفرنسية في السابع من آيار/مايو 2017 لاحظنا الكيفية التي رحبت بها وسائل الإعلام بفوز ايمانويل ماكرون حيث اعتبرته نصرا لقيم الديمقراطية الليبرالية وللانتماء الأوربي الموحد إضافة إلى كونه هزيمة للتيار الشعبوي اليميني المتطرف. ومع ذلك، يفتح هذا الكتاب بابا آخر أمام القراء يشرح فيه هذا التفاؤل بطريقة متوازنة ومختلفة بعض الشئ.  
ويتطرق الكاتب في هذا الكتاب إلى مواضيع رئيسية طالما عالجها في عمله الأكاديمي – أقصى اليمين والشعبوية والسياسات الأوروبية والتيار الديمقراطي الليبرالي – ونفهم من خلال طروحاته أنه يناقش ويحاجج الأفكار السائدة التي تروج لها أغلب وسائل الإعلام والقائلة بأن التيار الشعبوي اليميني المتطرف هو الذي يقوض الدولة الديمقراطية في أوروبا. ويجري الكاتب في تحليلاته مقارنة بين الأحزاب وسياساتها الحالية وخطاباتها السياسية والنتائج الانتخابية المختلفة في السنوات المنصرمة في دول أوروبا والتاريخ الأوسع للديمقراطية اللبيرالية. ولفهم مصدر القلق السياسي الرئيسي اي كيف يمكن لديمقراطية ليبرالية الدفاع عن نفسها أمام التحديات السياسية دون تقويض قيمها الأصلية الخاصة بها يقسم موده فصول كتابه إلى أربعة أقسام متشابكة ومتداخلة، أحدها عن اليمين المتطرف وآخر عن التيار الشعبوي وثالث عن الدعوات إلى التخلي عن المشروع الأوروبي الموحد ثم عن الديمقراطية الليبرالية.

مخاوف من اليمين
في ما يتعلق بأقصى اليمين يناقش موده في كتابه مخاوف عبرت عنها وسائل الإعلام بسبب تزايد عدد الأحزاب اليمينية المتطرفة الجديدة وانتشار التزمت السياسي. وهو يبدأ بتحديد الصفات الرئيسية التي تميز أحزاب أقصى اليمين في أوروبا ويطرح تفسيرات جاءت بها نظريات كلاسيكية حاولت شرح هذه الظواهر الجديدة وتعاظم الدعم الذي تحصل عليه هذه الأحزاب اليمينية الحديثة مع توقف عند انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2014 وعرض لأهم ممثلي اليمين الأوروبي المتطرف. ويقدم الكاتب على مدى هذه الشروحات بيانات ومعطيات وإحصاءات ذات صدقية عالية يفند بها الأفكار السائدة التي يروج لها الخطاب السياسي ووسائل الإعلام المعتمدة.

خطر الأحزاب الرئيسية
يرى موده إن من الضروري التمييز بشكل واضح بين بيانات أقصى اليمين وآيديولوجية أقصى اليمين ثم سياسات أقصى اليمين وبعدها الخطاب السياسي الذي يعتمده أقصى اليمين. وبكلمات أخرى، وحسب رأي موده، قد لا يطبق حزب من أقصى اليمين سياسات يمينية قصوى ولكن أحزابا رئيسية تُعتبرُ معتدلة في ايديولوجيتها قد تطبق مثل هذه السياسات بشكل أسهل. ويعتقد الكاتب أن هذه السياسات هي التي تمثل الخطر الحقيقي على المساواة وعلى قيم الديمقراطيات الأوروبية وأن هذا هو الوضع السياسي الذي نلاحظه عندما ننظر إلى الأحزاب الرئيسية المهمة التي يدعمها النظام المؤسساتي والرأي العام، وهو ما يقوض في النهاية الحقوق الديمقراطية والحريات من خلال الإدعاء بأن هذه الأحزاب أقل شيطنة وبأنها البديل الوحيد للأحزاب اليمينية المتطرفة.
 
الشعبوية مفهوم سلبي
ويركز الجزء الثاني من الكتاب على التيار الشعبوي في أوروبا حيث تتفق أغلب التحليلات السياسية على نمو هذا التيار في مختلف أنحاء القارة وعلى أن كلمة شعبوي تحولت إلى تعبير أصبح يتردد استخدامه في أي نقاش سياسي إذ يتخذ منه السياسيون والأحزاب السياسية وسيلة لانتقاد خصومهم السياسيين علما أنهم يضمنون هذا التعبير فكرة سلبية مفادها أن الشعبويين يشكلون خطرا واضحا على الديمقراطية. ومع ذلك يطرح موده فكرة مخالفة فهو يقدم أولا تعريفا واضحا لتعبير شعبوي ويقول إن الشعبوية "آيديولوجية تقسم المجتمع إلى فئتين اخلاقيتين متباينتين هما فئة الأنقياء ثم فئة الفاسدين". ومن خلال استخدام هذا الخطاب تقوم الآيديولجية الشعبوية بتحشيد الناس بشأن قضايا يهتمون بها ولكنها قضايا كانت النخبة قد جردتها من صفتها السياسية. ويلاحظ الكاتب أن الأحزاب الحاكمة والرئيسية تستخدم تعبيرات شعبوية للحصول على أصوات ناخبين إلا أنها نادرا ما تنفذ وعودها الانتخابية وهو ما يخلق هوة واسعة بين السياسات المنطوقة من جهة وتلك المنفذة من جهة أخرى وهو ما يؤدي إلى نفور من جانب الناخبين.
ويرى الكاتب أن الشعبوية اليمينية تؤدي إلى التزمت القومي فيما تؤدي الشعبوية اليسارية إلى الاشتراكية ثم يؤكد أن الاثنتين لا علاقة لهما بالديمقراطيات الليبرالية لأن كلا منهما تتحدى السياسات السائدة وتطرح في الساحة السياسية قضايا كان يتم تجنبها أو نسيانها وحتى هنا يعرض موده فكرة أكثر إيجابية عن الشعبوية معتبرا أن بروز تحديات سياسية جديدة يعكس حالة صحية جيدة على صعيد النقاشات الديمقراطية. ويرى الكاتب من جانب آخر أن أكبر خطر على الديمقراطيات الأوروبية إنما تمثله الأحزاب الكبرى والحاكمة التي تستخدم خطابا شعبويا لا علاقة له بسياساتها الحقيقية وهو ما يقلل بالتالي من ثقة الناخبين بها.   

المشروع الأوروبي
ومع ذلك، يبدو موده أقل تفاؤلا بشأن الوضع السياسي الحالي في الاتحاد الأوروبي ويقول إن غياب اتفاق الآراء الاجتماعي بين الدول الأعضاء في الاتحاد هو ما خلق التيار الرافض للإتحاد لدى الأحزاب الرئيسية. ويلاحظ الكاتب أن النخب السياسية الأوروبية هي التي نفذت مشروع الإندماج الأوروبي بموافقة الشعب الذي لم تكن له أي مشاركة كبيرة أو مباشرة في الأمر كله وهو ما أدى إلى انتشار شعور رافض للإتحاد الأوروبي لدى الناخبين. ومع ذلك، ووفقا للمعطيات المسجلة، لم تعكس نتائج انتخابات البرلمان الاوروبي في عام 2014 هذه المشاعر الرافضة ولكنها كشفت عن تراجع الدعم الذي كانت تتمتع به الأحزاب الكبرى وهو ما مهد الطريق لظهور أحزاب جديدة متوسطة الحجم.  

فشل التعددية الثقافية
وفي معرض مناقشته لوضع الديمقراطية الليبرالية، يحلل موده اسباب تفاقم ظاهرة عدم التسامح بين الأوروبيين والكيفية التي تؤثر بها ردود الفعل على الهجمات الإرهابية على الأقليات في أوروبا ويلاحظ أن تنامي مشاعر الإسلاموفوبيا حتى في أكثر الدول الأوروبية تسامحا يمثل حقيقة وواقعا يعكس حالة الفشل التي وصلت إليها مشاريع التعددية الثقافية. ومع ذلك، يحاول موده تفنيد فكرة خاطئة في رأيه تقوم على أن الفشل ليس سببه مجتمعات لم تندمج في الوسط الأوروبي بل إن أسباب الفشل كامنة في سياسة الإندماج التي تعتمدها الدول الأوروبية. ويشير الكاتب إلى حالة من التناقض ترافق حظر الخطاب المتطرف حيث يرى أن هذا الحظر عرض للخطر الأقليات والقيم الديمقراطية على حد سواء. ويعتبر الكاتب أن منح المجال للخطاب المتطرف قد يدفع القوى الديمقراطية إلى تحسين سياسات الإندماج ومحاربة الأفكار المسبقة الجاهزة. إضافة إلى ذلك، وحسب رأي الكاتب، من الممكن أن تمهد مثل هذه الحرية لحوار أوسع قد يؤدي بدوره إلى فهم أفضل للأقليات مع تشجيع مشاركتها في الديمقراطية بشكل أوسع.
وفي نهاية المطاف، يفند موده المخاوف السائدة من الشعبوية ومن أحزاب أقصى اليمين ومن تزايد النفور من الإتحاد الأوروبي ومن انتشار عدم التسامح في أوروبا حيث يرى أن التهديدات الحقيقية التي تواجهها الديمقراطيات الأوروبية تتمثل في الأحزاب الرئيسية الحاكمة. وهو يعتقد أن الخطاب الشعبوي الذي تتبناه هذه الأحزاب وسياساتها اليمينية هو ما يصنع مشهدا سياسيا يؤثر على السكان وعلى القيم الديمقراطية باسم الأمن ومن أجل ما يسمونه مصلحة المواطنين ويؤكد أن هذه الأحزاب هي التي تشكل تهديدا للمشروع الأوروبي.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات