GMT 15:00 2017 الجمعة 25 أغسطس GMT 9:10 2017 الثلائاء 5 سبتمبر  :آخر تحديث
تجربة سعدي ممتدة طوليًا في الزمن وأفقيًّا مع الفن

أطروحته دكتوراه حول الاغتراب عند سعدي يوسف

محمد الحمامصي
 
أكد الناقد د.رضا عطيه اسكندر أن اختيار للشاعر سعدي يوسف محورا لأطروحته لنيل درجة الدكتواره التي حصل عليها أخيرا والمعنونة بـ "الاغتراب عند سعدي يوسف.. دراسة في النقد الثقافي"، جاء نتيجة امتللاكه تجربة ثرية، حافلة بالكثير من الملامح الجمالية والتحوّلات الفنية التي تتسم بنوع من التؤدة والتَمهُّل. وقال حول اختيار تيمة الاغتراب "إذا كانت حياة الشاعر سعدي يوسف تُوسَم بالقلق واللااستقرار والوقوع تحت الملاحقة والفرار والرحيل، والنضال والتمرد والثورية الذي دفع حريته أحيانًا بسجنه ثمنًا لكلّ هذه القيم التحررية التي آمن بها بوصفه مثقفًا عضويًّا، حتى كاد أن يدفع حياته ثمنًا باهظًا لثوريته وشيوعيته في العام 1963 إثر انقلاب النظام العراقي الحاكم على الشيوعيين ومسعاه لسحقهم بل إفنائهم- فإنّ اختيار تيمة الاغتراب في شعر سعدي يوسف يأتي لأنّ تبديّات الاغتراب بأشكاله وأنواعه المختلفة تبدو ماثلة بوضوح في خطابات سعدي يوسف، فضلاً عن أنّ تجربة المنفى قد أسهمت في تعميق الشعور الاغترابي لديه، وهو ما تبدى في شعره في منافيه".
وأوضح أن تجارب سعدي في منافيه، بعيدًا عن الوطن، عمقت فيه هذا الشعور الاغترابي بفقد الوطن من ناحية وجعلته يعاين في منافيه الغربية وجوه هذا الآخر، الغربي، في اختلافاته الهوياتية عن الذات وقيامه أحيانًا بتهميش الآخر المختلف عنه عرقيًّا مثلما يفعل مع الزنوج وعدم تقبُّله الآخر عمومًا مثلما كان يغلب على شعور الذات هذا الإحساس الاغترابي في منافيها بالمكان الآخر.
ولفت د.رضا عطيه إلى أن سعدي يوسف يعد أحد أبرز الشعراء العرب المؤسسين للحداثة الشعرية العربية في تجربة فنية خصبة وسفر شعري يمتدُّ موصولاً لأكثر من ستة عقود بدءًا من 1954، ورأى إن تجربة سعدي ممتدة طوليًا في الزمن وأفقيًّا مع الفن عمومًا، فقد كتب سعدي إلى جوار الشعر المسرح والقصة والرواية، ومع السياسة ونضالاته من أجل الوطن والحرية، لتكون بمثابة مرآة عاكسة للتحوُّلات السياسية الإقليمية والعالمية على امتداد أكثر من ستة عقود في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى وقتنا هذا في العقد الثاني من الألفية الثالثة؛ فبإمكاننا أن نتمثّل في خطابات سعدي يوسف الشعرية التيارات الفلسفية والسياسية والمجتمعية فضلاً عن الصياغات الفنية وتحولات كل هذا باختلاف المراحل الزمنية. فقد حمل شعر سعدي يوسف في مرحلته الأولى ألوية التحرر الوطني في حقبة ما بعد الكولونيالية في أعقاب الحرب العالمية الثانية واعتناقه الأيديولوجية الشيوعية وإيمانه بالمنهج الماركسي في تثوير الحياة السياسية وانخراطه في الحركات الثورية المدافعة عن حقوق العمال والكادحين والمهمشين في مناداتها بثورية بروليتارية تؤسس لعدالة اجتماعية وحرية سياسية.
ورأى د.رضا عطيه أن اختياره لمنهج النقد الثقافي كأداة منهجية لدراسة تجربة سعدي الشعرية جاء بغية اكتشاف ما وراء الجمالي من خلفيات سياسية واجتماعية وثقافية والكشف عما يعتمل تحت جلد النص الشعري الجمالي من أيديولوجية أو بالأحرى صراع أيديولوجيات وفق المفهوم الماركسي للأدب بوصفه تمثيلاً لصراع قوى متضادة. كما أنّ القراءة الثقافية لشعر سعدي تساعدنا على الكشف عن تشابكات الوعي الفردي للذات المبدعة بالوعي الجمعي للذات الكلية والشخصية الجمعية للطبقة التي ينتمي المبدع إليها وللوطن عمومًا.
وتنقسم الدراسة إلى مدخل أول "في الاغتراب"، ومدخل ثانٍ "في النقد الثقافي، وثلاثة مباحث: الأول: عن الاغتراب في المكان الأول، والثاني عن الاغتراب في المكان الآخر، والثالث: عن استعادة المكان الأول.
في المدخل الأول عن الاغتراب نتناول التعريفات اللغوية والاصطلاحية المتنوعة للاغتراب، كما نتناول المفاهيم الفلسفية المختلفة للاغتراب سواء في التراث العربي أو في التراث العالمي، وكذلك التصوّرات المفاهيمية التي قدّمتها المدارس الفلسفية الرئيسية عن الاغتراب عند مدارس التعاقد الاجتماعي والمثالية الألمانية كما عند هيجل ثم فيورباخ والمادية الماركسية كما عند ماركس وأتباع الماركسية المجددين لها كما عند أصحاب مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية كإريك فروم وماركوز، فضلاً عن تصوُّرات الاجتماعيين كدوركايم وماكس فيبر لمفهوم الاغتراب، وكذلك تصوُّرات تيار الفلسفة الوجودية للاغتراب خصوصًا عند هايدغر وسارتر، وصولاً للمفهوم النفسي الفرويدي للاغتراب. ثم ننتقل بعد ذلك لبيان التَمثُّلات المختلفة لأنواع الاغتراب لدى سعدي يوسف.
وفي المدخل الثاني حول "النقد الثقافي" نبدأ بتعريف مفهوم "النقد الثقافي" وإبراز مجالات الدراسات الثقافية التي تنتقل من النص الجمالي إلى سياقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية، مع تناول أبرز مقولات الفلسفة الماركسية المتعلقة بالنقد الثقافي كمفاهيم: البنية الفوقية والبنية التحتية، وصراع الأضداد، والوعي الطبقي والأيديولجيا، ثم ننتقل لتناول إسهامات مدرسة فرانكفورت وأصحاب النظرية النقدية في النقد الثقافي، مع بيان أهمية ألا يغفل التحليل الثقافي العناصر الجمالية والفنية للعمل المنقود، وصولاً إلى تقديم تصور حول كيفية تقديم قراءة ثقافية لشعر سعدي يوسف والآليات المنهجية التي استخدمناها في ذلك.
وفي المبحث الأول تناول د.رضا عطية "الاغتراب في المكان الأول"، الوطن، في تجربة سعدي يوسف، ابتداءً من الاغتراب الاجتماعي المتمثِّل في أنواع مختلفة من الاغتراب كالاغتراب الأسري والعائلي، وإحساس الذات بفقدان البيت الذي كان يضمها، ثم الاغتراب المديني الذي صاحبه حالة من التحنان للريف واستعادة الذات قريتها، منشأها الأول، ثم تتعرض الذات في انعطافة تاريخية ذات بعد إسقاطي لما عُرف بثورة الزنوج التي قادها علي بن محمد في العصر العباسي بوصفها رمزًا لثورة المهمشين ضد الاستغلال والاستبداد. ثم نتناول تجليات الاغتراب السياسي والأيديولجي المتبدي في إقصاء المثقف وتهميشه، ورفض الذات للهيمنة الأجنبية. وفي المقابل فقد رصدنا وقوع الذات بأثر اعتناقها الشيوعية في شرك الانسحاق الأيديولوجي والتبعية الساذجة للمركزية السوفييتية بتعليق أحلام عريضة على القطب الروسي بوصفه قوة ستعمل على تحرير العالم والنهوض به، مع تناول تمثلات معاناة الطبقة البروليتارية وتعرض الذات للقمع والملاحقة الأمنية، وختامًا تشبث الذات بالأمل واستمساكها بحلمها اليوتوبي في عراق سعيد ومدينة فاضلة.
أما المبحث الثاني "الاغتراب في المكان الآخر" تتابع القراءة تبديات هذا الاغتراب المتمثلة في شعور الذات بوحشة المكان وعزلتها فيه، تلك الوحشة المتبدية في عديد من المظاهر كإحساس الذات باللابيتية، وانكماشها بالمكان الضيق المنحسر كالغرفة، مع محاولاتها تخفيف عزلتها بتنافذها وإطلالتها على الخارج، ثم شعور الذات بوحشة المكان الخارجي أيضًا، ما يفضي إلى انكفاء الذات على نفسها وانقطاعها عن العالم وعزوفها عن وسائل الاتصال التكنولوجي. ثم تنتقل القراءة إلى تبديات الاغتراب الزمني لدى الذات في مكانها الآخر، حتى تصل إلى "الاغتراب الثقافي" الذي تعانيه الذات في المكان الآخر، المتمثل في إحساس الذات بعدم تقبُّل الآخر لها، وفي الاغتراب الماركسي مع إحساس الذات بأفول الماركسية وتراجعها على الصعيد العالمي في ظل وطأة الإحساس بطغيان الرأسمالية، في مقابل تمسُّك الذات بالحلم الشيوعي وهو ما يُفاقِم اغتراباتها.
أما المبحث الثالث تناول استعادة الذات لمكانها الأول، الوطن، بفعل التخيُّل والحنين، في عز اغترابها بمنافيها بالمكان الآخر؛ حيث تتبدى استعادات الذات لمكانها الأول، وطنها، في عديد من المظاهر كالصراع الهوياتي ومغالبة المكان الأول للمكان الآخر في وعي الذات، وعمل الذات على تمثُّل واستعادة آثار المكان الأول، كأماكنه البارزة ومدنه الرئيسية، فضلاً عن استعادتها أزمنة المكان الأول، ثم استعادتها أشخاصه بوصفهم علامات أيقونية دالة على الوطن، وصولاً إلى رثاء الذات وطنها وبكائها مكانها الأول بعد وقوعه تحت نير الاحتلال الأمريكي منذ 2003، مما أدى لتعرّض هوية الوطن للنسخ واستلاب الشخصية الجمعية العراقية.
وفي ختام دراسته توصل د.رضا عطية للعديد من النتائج ومنها:
أولا تأتي تجربة سعدي يوسف غنية في ما تُسفِر عنه من مقولات الاغتراب وتمظهراته، فالذات لدى سعدي يوسف تعاني غير نوع من الاغتراب سواء بمفهومه الماركسي الأيديولوجي، حيث عاينت معاناة العمال الكادحين وحملت الحلم الشيوعي الذي بدا متراجعًا مع الزمن، أو الاغتراب بالمفهوم الوجودي حيث تعاني الذات غالبًا من وحدتها الوجودية وعزلتها الكونية وما شاب ذلك الإحساس من حس رومانسي ونزعة تشاؤمية، أو الاغتراب بالمفهوم الهيجلي والنفسي بمعنى إحساس الذات الغالب بانشطارها وتناقضها الكينوني أحيانًا.
ثانيا أما على صعيد مكاني، فقد ظل الشعور بالاغتراب يلازم الذات سواء في مكانّها الأوَّل، وطنها، العراق، أو في مكانها الآخر، منافيها ومهاجرها، فيقول سعدي في أحدث ما صدر له من دواويين شعرية [حتى وقت الانتهاء من هذه الأطروحة] عن اغترابه المتمدد معه في المكان والزمان في قصيدة مدونة في (لندن، 24/ 10/ 2015):
أنْ تعيشَ هنا 
بينَ مَن لا يُطِيقون لونَكَ،
أو أن تعيشَ هنالكَ، مستفرَدًا
بينَ مَن لا يُطِيقون قولَكَ...
ذاكَ الصراطُ، إذًا، هو ما كنت تسمعُ عنه.
فيتبدى إحساس الذات بالاغتراب ورفض الآخر لها سواء في المكان الآخر بسبب (اللون)، أي الاختلاف العرقي، في تمييز إقصائي، أو رفض الآخر لها في مكانها الأول بسبب (القول)، أي أرائها السياسية التي تجهر بها وشعرها، فالإحساس بالاغتراب والشعور باللاانتماء يصاحب الذات سواء في مكانها الأول، الوطن، أو في المكان الآخر، المنفى والمهجر.
ثالثا كشفت تجربة سعدي يوسف عن الملامح الثقافية والقسمات المائزة للشخصية الجمعية العراقية وما مرت به من تحولات مصيرية كبرى على مدى ثلثي قرن من مناهضتها الإمبريالية في الحقبة ما بعد الكولونيالية إلى الكفاح اليساري المطالب بالحرية وحقوق العمال والكادحين وصولاً لتجربة الوقوع تحت الاحتلال الأمريكي ونسخ الهوية القومية العراقية وتشرذم العراق.
رابعا من خلال تجربة سعدي يوسف وما كشفت عنه من إحساس طاغٍ وممتد بالاغتراب يتبدى أنّ علاقة الذات بفعل الكتابة ذات أهمية قصوى للشاعر الذي يقول في قصيدة له بعنوان "ليس من تلاعب":
لِمن أكتب الآنَ؟
لا شأنَ لي بالعراقِ، ولا بالعواصمِ.
لا شأن لي بالصداقاتِ فاترةً
أو بالنساءِ اللواتي تَخَلَّيْنَ عني.
(...)
لِمن أكتب الآنَ؟
*
أكتبُ كي لا أموتُ وحيدًا. 
في ظل تمادي الإحساس الذي يُداخل الذات بالاغتراب والوحشة وفقدان آخرها سواء الآخر المرأة أو الصديق، ومع تنامي الشعور اللاانتمائي بعد انقطاع الذات أو حجبها عن مكانها الأول، وطنها العراق، فضلاً عن لاانتمائها للأماكن والعواصم الأخرى، إذ أمست الذات- بتعبير إدوارد سعيد- خارج المكان، يلوح أمام الذات السؤال الجوهري عن جدوى الكتابة ومبررها، فيتبدى أنّ ممارسة الذات للكتابة إنّما لمقاومة الموات وإحساس الوحدة، فكأنَّ الكتابة هي الملاذ الوجودي الأخير للنجاة من أخطار الموت والعزلة، وكأنّ الذات تقوم- في فعل تعويضي- بتأسيس عالمها البديل في الكتابة.
خامسا وعلى مستوى فني فقد مرت قصيدة سعدي يوسف بعديد من التحولات، فقد بدأ سعدي كلاسيكيًّا ومحافظًا وشديد الغنائية ويؤسس قصيدته أكثر على مرتكزات الموسيقى والإيقاع بحرصه على الإسراف التقفوي ثم ما لبث أن تخفف من ذلك في سبعينات القرن الماضي الذي شهد ابتكاره قناع "الأخضر بن يوسف" كذات ظلية لأناه وكتمثيل لانشطار الذات في وعيها الشقي.
سادسا تتمتع قصيدة سعدي يوسف برهافة عالية وحساسية متقدة سواء في تصويرها العالم في تفاصيله الدقيقة وأشيائه النثرية أو استبطانها دواخل الذات وجلاء تمثّلاتها النفسية مما يجعل لقصيدة سعدي إيقاعًا نفسيًّا مصاحبًا لإيقاعها المشهدي.
سابعا في كتابة سعدي يوسف الشعرية نجد استثمارًا للفضاء الكتابي والكاليغرافي حيث تعمل الصياغة الشعرية على استغلال الفراغات الطباعية والبياضات إلى جانب مساحات السواد في أداء المعاني الدلالية، فثمة اعتماد على الأداء الميتالغوي.
ثامنا في قصيدة سعدي يوسف استثمار لطاقات فنون أخرى خارج حقل الفن الشعري كالفن التشكيلي الذي جاء استثماره وتوظيف آلياته ربما للحمة التي ربطت شعراء العراق بحركة الفن التشيكيلي، وكذلك استثمار وسائل فنية وتقنيات تعبيرية من المسرح والسينما.
تاسعا تستثمر قصيدة سعدي يوسف لعبة الضمائر في حركاتها الالتفاتية، مع حضور لافت لضمير المخاطب إشارة للذات في حديثها المونولوجي لنفسها أو بالأحرى لظلها القرين وإبرازًا لانشطارها النفسي.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات