GMT 13:35 2017 الأربعاء 20 سبتمبر GMT 15:51 2017 الثلائاء 3 أكتوبر  :آخر تحديث

الشاعر خليل الخوري رحلة الإيمان والالحاد

عباس الحسيني
ربما كان العام ١٩٨٧، حين إلتقيت، ولأول مرة بالشاعر السوري المبدع والمتفرد خليل الخوري، كانت المصادفة سيدة الموقف، حيث كنت وقتها، صديقا لابنه البكر اسعد، وقد اصطحبني يوما الى شقتهم، في مجمع الجادرية ببغداد، لأكتشف عالما من الأدب وتفاصيل دقيقة عن الشعر الفرنسي ، ممتزجا بالشعر العربي عمودا، ونثرا، وحرية مطلقة، للتحكم بدقائق الشعر، كمنظومة فكرية إنسانية، لا تقدم على أية خطيئة، سوى مديح الطغاة ربما .
كانت حقبة الثمانينات عالما غامضا، تحكمت به فرص التحول الكوني التكنولوجي، وتأثرت به أيضا، قوى الشباب العربي الجديد، على الحرية والتحول، وهو ما كان يذكر به الشاعر السوري الراحل خليل الخوري، الذي احبني، بعدها كابن له، وصار يطلعني بدهشة، على مشاريعه، في ترجمة ازهار الشر لبودلير.
ومحاولة اعادة قراءة ارثر رامبو، بعمق وفهم معاصر، وكذلك قراءاته، لايف بونفوا وسان جون بيرس. كانت فكرة الخلود والتطهير لمسيحي وعسكري ومترجم وشاعر، كخليل الخوري، شبه مستحيلة، فلم يكد يُؤْمِن ويصلي يوما، حتى يخر باكيا بصمت المكابر، في الْيَوْمَ الثاني مذكرا انه فعل فعلته في التعبد، للحفاظ على إيمان أسرته وتراثهم الذي احبه بعمق ، ثم يعود فيبرر ويحاسب نفسه، على انه خائن لضمير الانتماء الإنساني، وقناعات الاختيار الحر .
في الابحار اللغوي، تبرز لغة المؤمن المغلف، ولغة المتحرر الناطق بكل فصاحة، فقد كان خليل الخوري، وكما يصف نفسه حاذقا، الى درجة لعب الطابة، على حد وصفه، في اللغتين الفرنسية والعربية، على حد سواء، مع الإصرار على فك طلاسم اللغة الشعرية المضببة بالإدلجة، واعتماد لغة القريحة والفطرة الانسانية الاولى، كلغة عذراء للتعبير الشعري .
بدت الثورة التكنولوجية كعامل خلخلة للإيمان الديني، لعموم أهل الارض، فقد ذكر احد الأطباء الأميركيين يوما، ان علماء الطب هم الأهم من بين جميع الأنبياء، مذكرا بالاعداد الخرافية لضحايا النزاعات الدينية عبر التاريخ.
يبدو الإيمان الديني مجرد نشاط ذهني متوارث، للهرب من رعب مواجهة ما بعد الموت، لكنه سرعان ما يتحول الى بهجة تخدير، تأتي مزجاة ضمن نشاط اجتماعي، وهو ما ذكر به، الفيلسوف كارل ماركس، بذهابه الى ان الدين - أفيُــون الشعــوب. - وذلك حين تتحول الطقوس والممارسات الدينية الى ما يشبه الواجب المقدس المتقدم على قيم وقدسية الأرواح البشرية وفرص الابتكار والتعليم والارتقاء. مات الشاعر المعلم خليل الخوري، وحيدا بعيدا عن سوريا الامل، و التي احبها حد جنون الشعر، وقدم لها ولبغداد أيضا، دواوين هادرة، مثل: لا در في الصدف، واعترافات في حضرة البحر، وأغاني النار، ورسائل الى ابي الطيب المتنبي .. واعتبرت ترجمته لديوان ازهار الشر، للشاعر الفرنسي بودلير، من اهم الاعمال التي نقلت رمزية بودلير، برمتها، اذا صح التعبير، الى اللغة العربية، وبرهافة ودقة ووعي شعري أخاذ ، ورحل الخوري أيضا في قلق عميق من ان يكون الإيمان محصلة لمغفرة قادمة، مغفرة تجريدية المصدر، حتمية الحدوث، ورحل في هم انساني كبير، وقلق آخر في ان تعيش مكابدة الضمير، في خيمة طاغية يتاجر بالجلود البشرية
يبدو الإيمان الديني الْيَوْمَ في أسوأ حالاته، فكل تعصب وتوحش وتدهور وارهاب، في التفكير الجمعي، والسلوك المتوحش، ما هي الا ادلة على انهزام المؤمن المزيف، وانكشاف لزيف قضيته وتخلخل مركزيته، وطهور لفقر عناصر تكوينه اما المؤمن الحق، فهو الانسان المنتج للمعرفة بكل شموليتها وإنسانيتها، حيث تدرك الثورات الانسانية الكثير من الجراح، وتحقق العظيم من الأماني، وتقترب من الرب بطهارة الجمال وجوهر الإبداع، في الوقت الذي تنهزم فيه دساتير الزيف وخرائط الموت، وغطرسة السذج والمحتقنين .
فينيكس

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات