GMT 12:00 2017 الثلائاء 26 سبتمبر GMT 11:44 2017 الثلائاء 26 سبتمبر  :آخر تحديث
اول مجموعة له تصدر في بغداد

"تلوين الأعداء" لعبود الجابري.. بحجم قبضة القلب

عبد الجبار العتابي
  صدر للشاعر العراقي عبود الجابري مجموعة شعرية جديدة تحمل عنوان "تلوين الأعداء"، عن منشورات أحمد المالكي في بغداد، وهي المجموعة الخامسة له والاولى التي تصدر من العراق مسقط حنينه وبلده الأم.
     تقع المجموعة في 103 صفحات من الحجم المتوسط وتضم بين غلافيها اثنتين وثلاثين نصا شعريا كتبها جميعها في العاصمة الاردنية عمان التي يقيم فيها منذ سنوات، لكنه يشعر بالسعادة ان هذه المجموعة خرجت من مطابع بغداد الغائب عنها فيقول (مكان صدورها يعني لي أمرا خاصا)، فهي أول مجموعة تصدر له من بغداد. ويضيف: "إنها بحجم قبضة القلب، لكنها تخفق كقلب مطارَد"، وعنوان المجموعة هو عنوان احد نصوص المجموعة .
 ليس في المجموعة اهداء او مقدمة لانه كما يقول لا يحب كتابة المقدمات في مجاميعه الشعرية، ووضع على الغلاف الاخير مقطع من نص شعري جاء فيه (صامت مثل تقي في جنازة / يحذف في كل خطوة بعضا من عاداته / وعندما يفلس من آثامه / يفكر ../ كيف يتسنى له ان يواصل الطريق /ملوثا بكل هذا البياض)،لكنه يفتتحها بنص قصير من دون عنوان يقول فيه (جميعهم ينظرون إليك ويبتسمون / هكذا سيطول انتظارك/ للطفل الذي يراك عاريا ثمَّ يبكي)، وهو هنا يستعير الرواية الشائعة عن الطفل الذي يكشف حقيقة الحاكم العاري، كأنه يريد ان يشير الى ان الحزن من واقع معاش من خلال لقطة مفعمة بالسخرية تحمل رمزيتها .
    يقول الجابري انّه يرى في مجموعته الجديدة نصوصا هي الأقرب الى نفسه من ناحية التكثيف اللغوي والبصري ومن حيث تناولها للهم الإنساني ومحاولة التواصل مع الذات التي يتنازعها توق عارم الى التصالح مع العالم،إضافة إلى خصوصية المكان الذي صدرت منه فهي أول مجموعة شعرية تصدر  له من دار نشر عراقية  .
ويضيف الجابري أن المجموعة الجديدة التي جاءت بحجم قبضة القلب لكنها تحمل أرواحا كثيرة تنتشر على مساحة صفحاتها المائة، وتلك الأرواح جميعها تمثله شاء ذلك أم أبى.
ويوضح : النصوص لاعلاقة لها بالمكان إلا بالقدر الذي يحمله مأوى الغريب،هي نصوص تحمل هموما إنسانية وحسب، نصوص المجموعة جميعها مكتوبة بصيغة المخاطب الغائب وهي مصادفة غير مقصودة في اختياره للنصوص، وربّما كانت هذه المصادفة كنوع من التمرّد الذي تشهره الذات في وجه ماتراه من تعسف وانكسار إزاء مايتعرض له الإنسان من اغتراب واضطهاد في كل  مكان، هي نصوص خشنة الجلد، طرية الروح وقد تصيب قارئها بخدوش .
  في نصوص المجموعة يتهجى الشاعر  تفاصيل من حياته اليومية وما تهيم به عاطفته، يجد ان هناك مساحات واسعة امامه لكي يرسم  الصور التي تعززها افكاره وتعطيه قدرة على ان يجعل الكلمات تتناغم بايقاعها على ما يشعره وما يريد ان يعبر عنه بالشكل الذي يجعله يحس ان مرآة نفسه تبدو صافية وهو يترك لافكاره حرية ان تتهادى ليتابعها الى ان تحط رحالها في اللقطة الاخيرة من الصور  حتى وان كانت مما يحزن او تراجيدية،لانه يعلم ان نصوصه نتاج روح انسانية تعيش واقعها وعليها ان تذعن لما يجري بينما هو بين ان يصفق لهذه النهايات او ينحني خشوعا لها :
(مثل من يريد أن يبيع أمّه
لا أبيعك بثمن زهيد
ولا أحد يشتريك بثمنٍ غالٍ
كأن هذا المثل 
مكتوب عن البلاد
في باب تعريف الخسارة) 
   هو لا يتورع في ان يشرح ما في صدره بامكانيته ذات القابلية على الاشارة وتوضيح المعنى  بقليل من التأمل،في ان يحعل القاريء يعود الى قراءة النص مرة ثانية او يتأمل المقطع الذي استوقفته فيه كلمات لم تثبت امام عينيه او صورة ما ليتمعن في الوانها، فاللقطة المكثفة الهادئة تصطخب احيانا في نفس القاريء الذي يذهب الى تأويل النص كي يخرج من متاهة الكلمات التي يشعرها لغزا يريد منه الشاعر ان يوصل رسالة معينة :
"يحذف أعضاء كثيرة من جسده
لكي يبدو أصغر حجماً 
يتضاءل لكي يرى بنصف عينٍ
فثمة من أخبرهُ 
أنَّ هناك أماكن لا تصلها العين كاملة
ولا تدركها الأصابع بجميع خواتمها
كأن تنظر من ثقب الباب
إلى حربٍ تشتعل في غرفة مقفلة
أو أن تحمل كأسا بعروة ضيقة
يتضاءل حتى يرى الرغيف مائدة
وأنَّ نملة تائهة
يمكن لها أن تكون أكثر سعادة
حين تنسلُّ تحت قميص حبيبته
يتضاءلُ 
كي ينظرَ من شرخ في الجدار
ويحتفل بالضوء شاسعا
حين يراه من بعيد".
   تحفل نصوص المجموعة بالهمّ الذاتي الذي يعتصر قلب الشاعر ويؤدي الى نزيف مشاعر  يرسخها الشاعر بلغته السلسة التي يعرف كيف يختار مفرداتها، ولكنه ذلك الهم العام الذي يجعل القاريء قريبا منه :
"أجمل البيوت
ذلك الذي لا عنوان له
هادئ كنسرٍ متعبٍ يهبط في مظلّة
وبعيدٌ مثلَ سهم 
ما من شارع صاخبٍ
يفضي إليه ويستريح في حديقته
وليس له تسمية مضحكة
في دفتر سعاة البريد
أجمل البيوت 
ذلك الذي تسكنه امرأة وحيدة
تنتظر رجلاً 
تخذله الأبواب والمدن
وحين يتعب، يسكنُ هانئا".
    يُذكر أنّ الجابري يقيم في الأردن منذ عام 1993، أصدر سابقًا أربعة مجاميع شعرية: "فهرس الأخطاء" (2007)، "يتوكأ على عماه" (2009)، "متحف النوم" (2012)، و"فكرة اليد الواحدة" (2015). وهو بالإضافة إلى كونه شاعرًا، يترجم من الانجليزية دراساتٍ ونصوصًا إبداعية ينشرها في الصحافة الثقافية.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات