GMT 17:17 2018 الإثنين 19 مارس GMT 9:43 2018 الأحد 25 مارس  :آخر تحديث

"في القطار" ضمن انطولوجيا القصة الالمانية (2/3)

منير العبيدي

 

القسم الثاني
 
القسم المخصص للكُتّاب الذين وردت اسماؤهم لأول مرة في انطولوجيا القصة الالمانية سُمّي "ريحٌ جديدة في عالم الأدب".  تضمن هذا القسم كما ذكرت 27 قصة قصيرة و 32 قصيدة. نتناول هنا القصص القصيرة فقط.
عدا عن اربعٍ من القصص كُتبت كـ (Fairy tales) أي حكاياتٍ اعتمدت الحدثَ الاسطوري و واحدةٍ مثلت تعاقباً صورياً بإيقاع خاص و ثالثةٍ اعتمدت بنيةً لغوية معقدة  ، فإن قصصاً نافت على العشرين اعتمدت السرد الذي مثّل الهيكل الاساسي لأغلبها، لكنه سردٌ يخرج في موقعٍ ما عن المألوف. 
فمثل قصة "في القطار" (التي سنُوردها كاملة في نهاية حلقات المقال) صِيرَ في الغالب الى استهلال القصة بحدث واقعي . في موقع من السرد نجد نوعا من اختراق الواقع بطريقة غير متوقعة و بحدث منافٍ للقوانين الطبيعة . هذا الاختراق مثّل الرغبة و الأمل اللذان اكتسبا قدرة على التجسّد . بهذا يُخرِجُ الكاتبُ نصَّه من رتابة الواقع الى عالم الدهشة.  اشير بشكل خاصٍ الى قصة الكاتبة الألمانية كورنيلا شارف شفيرد المُسماة "تحية من الماضي".
كُتبت القصة بضمير الانا . يقول مختصرها : 
"جاءني مع بريد الصباح طردٌ مربوط بخيوط . قلّبته فلم أجد اسم المُرسل. صعُبَ عليّ فتحُ خيوط الطرد بسبب الروماتيزم . كان زوجي يقوم بهذه المهمة و لكنه توفي في السنة الماضية. لم افتقد فقط مساعدته الساعة بل وجوده أيضا. شعوري بالوحدة جعلني انتظر اللحظة التي التحق فيها به. كان البيت بدونه اكبر. السكون الموحش جعلني اخاف من الأصوات حتى تلك التي اُحدثها أنا بنفسي.
فتحت الطرد فوجدت بين نشارة الخشب دمية دبٍ . كانت من الطراز القديم. و حين نظرت في عينيه انفتح لي بابٌ على الماضي.
كنت في الثامنة حينها و كانت الحرب الثانية ما تزال بعيدة. لم يكن لدينا داعٍ للخوف . لكن ذلك تغير فجأة. راينر الصغير اختفى و لما يبلغ الخامسة من عمره، فتشنا عنه في انحاء منطقتنا دون جدوى.
مر على الحدث يومان  و ذهبت اجوب الحقول مع دُبّي و أراقب الغربان . كان دبي بعين خضراء و اخرى حمراء . فقد احدى عينيه و بقيت حزينة حتى استبدلتها امي بزر احمر . فجأة سمعت صوتاً. كان الصوت يشبه تنهيدة  كتلك التي أسمعها مساء حين تهب الريح في بيتنا القديم . لكن هذه التنهيدة كانت بشرية. تتبعتها فعثرت على بئر قديم. اقتربت منه و ناديت " هالو" ... "هالو هل من احد هناك؟" جاءني رجع صدى صوتي مخيفا.  اقتربت من البئر ، لم استطع تبين شيء بسبب الظلام الذي لف عمقه. حتى سمعت انينا.
" هلو ؟ هل هناك احد؟ " كررت النداء ، فصعدت إليّ من قاع البئر همهمةٌ : "ماما ، ماما".  
عرفت انه راينر. قلت له: "سوف اتيك بمساعدة و سوف نخرجك من البئر" .
"لا تذهبي بعيدا " جاءني الصوت مخنوقا بالعبرات. "ابقي هنا" و تصاعد منه صوت غريب ادركت منه ان اسنانه تصطك. رميت دميتي و سمعت صوت طرطشة . قلت : " خذ دبي . سوف يعتني بك حتى اجلب المساعدة " وحين لم اسمع منه اعتراضا ركضت.
خلال ساعات اُخرج راينر من البئر . كان في وضع مريع ، شاحبا ، احاطت عينيه هالاتٌ داكنة ، شعره المتسخ التصق بجلدة رأسه و علِقت بملابسه فضلات البول و الغائط . كان مبتسما رغم هذا و قد ضغط دميتي على صدره. 
مات راينر بعد يومين بسبب التهاب رئوي.
عند قبره وقف الناس بالدور لتوديعه جاء دوري . دميتي التي اعيدت الي بعد أن تم تنظيفها كانت معي رميتها في حفرة القبر : " خذ هذه حتى لا تخاف في وحدتك" . دفن راينر و دميتي معا.
اجلس الآن . امرأة مسنة في مطبخي و امسك دمية بيدي و انظر في عينيها ، احداها خضراء و الاخرى حمراء . 
الآن فقط اكتشفت شيئا آخر في الطرد . كان ثمة ورقة صغيرة كُتب عليها " اعيدها لك حتى لا تخافي في وحدتك".
انتهت القصة 

تحليل
حادثة فقدان دمية الدب احدى العينين و استبدالها بأخرى حمراء كان جزءا مهما في بنية القصة لكي تكون الدمية متفردة و تتعرف عليها حين وصولها بالبريد ما جعلها تقول فورا : " و حين نظرت في عينيه انفتح لي بابٌ على الماضي".
ساعدت الدمية راينر في وحدته مرتين : مرة في البئر، كما و مرةً أخرى في وحدته الازلية مع الموت . جاء بعدها أوانٌ أصبحت فيه الفتاةُ التي عرفها 1مسنةً معزولة ، تقدمت في السن و فقدت زوجها و أمست بحاجة الى المساعدة. كانت تخاف حتى من الاصوات التي تحدثها هي بنفسها . خاف راينر وحدته في البئر و في القبر ، و امتنانا لها لأنها آنست وحشته بدميتها ، جاء الوقت لكي يرد لها الجميل فأعاد اليها دميتها في الوقت المناسب.
تقول انها حين قلبت الطرد لم تجد اسم المدينة التي تسكن هي فيها مكتوبا عليها بل اسمها فقط . فمن اوصل الطرد من عالم الأموات الى عالم الاحياء و كيف عرف "حامل البريد" انها هنا في هذه المدينة؟
القصة كثيفة. كل كلمة وُضعت في المكان المناسب . لا توجد نتوءات و تفاصيل غير ضرورية نجد أن كل كلمة و جملة شغلت مكانها و أدت وظيفتها بدون ترهل . هذا ينطبق على الغالب من القصص التي احتوتها المجموعة ، هذا ما دفعني للقول في القسم الاول من هذا الموضوع ان القصة القصيرة يجب ان تكون كثيفة و يعاد تنقيحها و الاقتصار على ما هو ضروري فيها. و رغم ان هذا الحكم عام ينطبق على ماضي القصة القصيرة كما حاضرها فإني ارى ان الامر اكتسب المزيد من الاهمية في عصرنا الراهن المليء بالمشاغل و البدائل.
القصة الثانية 
الموت يقف امام الباب
لكي يفهم القارئ القصة يجب ان يعرف ان صورة الموت في التراث الثقافي الغربي يتمثل في جسم بشري ، وجهُهُ جمجمة ، يرتدي معطفا اسود طويلا و غطاء للرأس و يحمل منجلا كبيرا.
كُتبت القصة ايضا بضمير الأنا
تبدأ بـ : 
يقف الموت امام بابي. يسعل ثم يقول "يا له من يوم ملعون" و يدخل.
اجيبه : تماما . و اعرض عليه قدحا من الماء . يهز رأسه رافضا و يشير الى قناني البراندي في الخزانة. " هذا سيكون افضل" . يسند منجله إلى الجدار نجلس مع مشروبنا في صالة الاستقبال . هو جلس بارتياح على الاريكة و مد ساقيه. و بقي لي ان اجلس على الكرسي.
"اذن .. اليوم هو اليوم المرتقب الذي تموتين فيه " 
ـ هممم
ـ همم ؟ ليس لديكِ ما تقولينه اكثر من ذلك؟
ـ ماذا ينبغي ان اقول . يبدو انكم مصممون. (صيغة الجمع للاحترام)
ـ يمكننا ان نتخاطب بصيغة المفرد.
ـ" همم " كيف يمكنني مخاطبة الموت باسمه الاول؟
ـ بصراحة أنه مريح لي أن تقولي فقط "هممم". في العادة ينخرط الجميع في العويل. يريدون ان يودعوا احدا . انهم يتمردون و لا يرغبون في المجيء معي ! ماذا علي ان افعل في مثل هذا الحالة؟ هكذا تجري الامور ، كل يفكر في حاله. أعني ، هل فكرتِ انتِ مثلا و لو لمرة ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟ 
هززت رأسي نفيا.
لا عليك . لست الوحيدة. الكل يشتكي من الحياة و ليس غيرها سوى الموت ، و عندما يأتي ، فكل جهد لدرئه عبث. بعد هذا كله لا ابدو جيدا ؟ على الاقل انتم لديكم حياتكم ! و انا على الضد من ذلك علي ان اقوم بالمهمة نفسها كل يوم.  علي ان اسمع يوما بعد يوم ، بل دقيقة بعد دقيقة نفس الهراء. في الاساس جميعكم متشابهون.  لديكم ما تشتكون منه. و انا ؟ هل حدث في يوم انني أخذت مثلا اجازة مرضية؟ أو اعلنت اضرابا؟ او حتى اشتكيت؟ و في النهاية انا غير مرحب بي. فأنا لست سوى ذلك الغبي بصحبة منجل و معطف طويل ، هادم اللذات. الجميع يسخر مني اثناء حياته ، لكن حين اظهر امامه فجأة ، يتملكه الخوف. و آخ من أولئك الذين يعظون الآخرين : "الحياة لا قيمة لها بدون الموت ، و يجب اعتبار الموت صديقا". الفردوس ... هها! كما لو ان احدا سيصدق ذلك.
تعاطفاً ناولته كأسا آخر من البراندي و سألته : 
حقاً ، ماذا سنجد بعد الموت؟
بعد تفكير قال: " ليتني اعرف . انا لم امت قط و لن اموت أبدا".
ثانية حلت لحظة سكون حدق فيها الموت بكأسه الموضوعة على ارضية الغرفة ثم قال:
" تعرفين ، احيانا احسدكم و اتمنى ان اكون انسانا. فأنا افتح كل صباح خزانة ملابسي و اجدها فارغة عدا معطف اسود طويل . اسود ، طويل و ممل . هذا كل ما لدي. انه يدمرني ، هذا المعطف الغبي . لم اعد اشعر بالحزن و انما بالفراغ. عندما كنت صغيرا لم يرغب احد باللعب معي ، لم يحبني احد. فقط امي هي الوحيدة التي دافعت عني و لكنها ماتت."
خيل إلي ، ربما بتأثير الكحول ، اني شاهدت دمعة تسيل على خده العظمي . شعرت نحوه بالرثاء وقفت ، ملت عليه و عانقته. فقط لبرهة ثم استقمت. 
بارتباك مسح الموت خده بردن معطفه و قام : "لا اود ان ازعجك أكثر". و مشى في الرواق . 
قال
ـ"مرة اخرى اشكرك على كل شيء ".  وقف الموت لحظة مرتبكا أمام باب مسكني ثم فتح الباب ، خرج و اغلقها خلفه.  عندها اتكأت على الباب و انزلقت نحو  الاسفل و اغلقت عيوني.
رن الجرس .  مرة اخرى وجدت الموت امام الباب . قال:
"عند الكبر يصبح المرء كثير النسيان" و ابتسم لي.
تقدم في اتجاهي خطوة ، اجتازني و أخذ منجله و اختفى.

تحليل
الحوار مع الموت و ما طرحه من شكوى عن معاناته و حياته المملة ذو اصالة ، بل انه حميمي ، رغم انه الموت لا غير. للموت المجسد هنا فلسفته الناقدة للبشر. عنده حق : كلنا يتذمر من الحياة و لكننا نفزع من الموت الذي ليس سوى النقيض لما نتذمر منه. لقد حاكم الامر وفق المنطق البشري ، منطق الحياة : إن من يتذمر من الحياة عليه ان يرحب بالموت باعتباره البديل الآخر، أو بالأحرى الوحيد. هذا اذا توخينا المنطق.
مرة اخرى القصة مبنية بناء محكما و ضمن ذلك نجد ان قوة السطور الاخيرة حاسمة بقدر ما هي مضللة ، ضلال من يدخر المفاجأة. فحين يغادر الموت بيت السيدة و تظن انه نسيها ، نسي ان يأخذها معه الى عالم الموت، يعود قائلا انه اصبح كثير النسيان بسبب تقدمه في السن. هنا خطر ببالها كما ببالنا انه جاء ليقبض روحها. هذا ما ينبغي ان يكون نساه وفق السياق المتوقع و لكنه ببساطة  نسي المنجل ليس الا.
في القصتين كما في القصة التي سوف اعرضها لاحقا "في القطار" تكاد تكون جميعها عديمة المكان لانها تعالج المصير الانساني اينما كان . انها قصص زمن العولمة و اندماج عالمنا معرفيا و ثقافيا عن طريق وسائل الاتصال التي تساعد على التواصل في خلق عالم ذي هاجس موحد ، هاجسِ المصير الانساني . القصتان الاولى و الثانية (بالصدفة ) موضوعهما الموت و الثالثة ذات شأن آخر . التعاطف مهما كان شكله اخذ قوة التجسد . و سنعرض لذلك. هناك قصص تسير مثل نسمة خفيفة ، انسانية بطريقة اخرى و لكنها تندرج رغم هذا في نفس السياق . اي استبدال المواقع بين الواقع و الخيال بطريقة سلسة و مقنعة. 
القصص المذكورة اوردت مختصرا لها و هو ما يعطي فكرة عن خصائص القصة عدا ان ترجمة معتمدة تحتاج ترخيصا . و لكن ما اورته اجده يساعد على تكون صورة عن الاتجاه العام للقصة الالمانية ، بل لربما للقصة المعاصرة .
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات