GMT 14:00 2018 الأربعاء 30 مايو GMT 13:35 2018 الأربعاء 30 مايو  :آخر تحديث

شوقي مسلماني: أوراق من دفتر كنغر عربي

إيلاف
 
1 (محلاّت الشرق)   
لم يكن الدكّان الصغير "محلات الشرق للسمانة والخضراوات" في "أرنكلف" من ضواحي سيدني _ سبعينات القرن العشرين _ هو الدكّان اللبناني والعربي الوحيد في منطقة سانت جورج وحسب، بل أيضاً كان ملتقى أبناء الجالية اللبنانيّة والعربيّة، حيث يتمّ التعارف وتبادل المعلومات المحليّة واللبنانيّة والعربيّة. كانت في ذلك الوقت "مشكلة خطيرة" إذا حدثت وفاة، أين يدفن اللبناني الأصل ميتاً له رغبته أن يُدفن في لبنان، وهي رغبة أغلب أبناء الجالية اللبنانيّة والعربيّة عموماً، وفي آن مطار بيروت مغلق بسبب الحرب؟. حدثتْ وفاة وما من معلومات. ذهبنا إلى دكّان "محلاّت الشرق". تيقنّا، واستزدنا، فالمتوفّي، رحمه الله، هو من هو، وأولاده هم من هم، من بلدة "كذا" اللبنانيّة. كان في الدكّان خليل "أبو نبيل" صاحب الدكّان، وكان صديق يعمل في مصلحة سكك حديد ولاية نيو ساوث ويلز، وثالث أعرفه شخصيّاً.. كان سائق تاكسي في "أيّام لبنان" هو عاطل عن العمل الآن، بالإضافة إلي. وبعد أخذ وردّ، وهذا يُدلي بدلوه وذاك أو ذيّاك يفعل مثله، قال موظّف سكك الحديد: "كلّ كائن سيموت. لا يخلّد إلاّ الله". ولتوضيح ما يقصد أعطى مثالاً لم يحد عن واقع مهنته، قال أنّ القطار القديم النحاسي اشتغل على "الخطّ" أكثر من مئة سنة، تعبَ، احتمله الناس، تدهورت حاله، احتملوه، ترهّل، صار كثير الأعطاب.. لا بدّ من إحالته إلى التقاعد، إلى المتحف، واستبداله بالقطار الفضّي الجديد. لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، هو أعطى وهو يأخذ". سائقُ التاكسي في زمان لبنان، وهو العاطل عن العمل الآن، استشعر إمكان أن يقول شيئاً مشابهاً، ولكي يبدو أنّه محدِّث قال: "المتوفّي، رحمة الله عليه، كان طاهراً، نحن جميعاً مؤقّتون". وأوضح أنّ محرّك السيّارة، خصوصاً إذا كانت عموميّة _ تاكسي _ يتعب بسرعة، بسبب من العمل المتواصل، نصلّحه، وتزيد أعطاله، نصلّحه، ويترهّل، ونعمل له "نصف موتور" _ "سكمان" إلاّ أخيراً لا بدّ أن يتقاعد. هذه هي أحوال الأحياء، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم". صاحب المحلّ السيّد خليل ظلّ يستمع صامتاً، ولكن كلّما يبدو في عينيه كلام، فلا بدّ أن ينطق، هو مفوّه بعين نفسه مثل زميليه فكيف لا يدلي مثلهما بدلوه؟ فماذا ينقصه؟. إنّ ما جرى به لسان موظّف القطارات والآخر سائق السيّارات لا أسهل منه ويمكنه أن يأتي بمثله وأحسن. واستوقفَنا، وقد رآنا نهمّ بالإفتراق، وهو على ارتباك. قال: "ولو، مثل ما سمعتكم اسمعوني"!. قلنا نسمعه. قال بعدما التفت إلى جوانب المحلّ يميناً وشمالاً، وبعدما توقّفتْ عيناه لسبب سندركه على صندوق كوسى: "كان المرحوم من النوعيّة الطيّبة، ولكن ماذا يكون الإنسان؟ هو مثل صندوق صحّارة الكوسى هذه". وأشار إلى صندوق كوسى خربان وأضاف: "تنضرب" كوساية "فتنضرب" أختها، وهذه الأخيرة تصيب ثالثة، ودواليك حتى ينضرب صندوق الكوسى بأكمله، وماذا نفعل؟ نحمل الصندوق المضروب إلى مثواه الأخير، إلى صندوق  المهملات الأزرق الكبير ونرميه فيه"!. كان موظّف القطارات ينظر إليه غير مصدّق ماذا يسمع؟. يلجم نفسه بكلّ قواه عن القهقهة، واضعاً كفّيه فوق بعضهما على فمه، فيما سائق التاكسي لم يكن له من الحزم ما لموظّف القطارات. استند إلى رفّ من رفوف الدكّان وضغط بيديه على صدره لجهة قلبه كأنّه يرأف به من الإنفجار، ضاحكاً من كلّ قلبه. وتشجّع موظّف القطارات وغرق بالضحك مثله. صاحبُ المحلّ عيناه تغزلان في محجريهما متنقّلة بتساؤل بين الزميلين، ما هذا الهرج والمرج؟!. ماذا في كلامه ليثير هذا الضحك العجيب؟!!. وأنا، والحقّ، صمدتُ صمود بطل دون المشاركة في هذا الصخب، وإن كنت منه قاب قوسين أو أدنى. ألحّيتُ على الزميلين أن نغادر المكان دونما إبطاء، محتجّاً أنّ "ابن عرب" قد يدخل إلى المحلّ وقد يكون من ذوي الفقيد، ولا يليق بنا أن يرانا هكذا غير مسؤولين، ولا نشارك الناس مصابهم، فهذا عيب. 
 
2 (خديجة وخليل)  
هو مهاجِر إلى أستراليا منذُ مطلعِ العقدِ السابعِ من القرنِ العشرين، وصاحب أوّل محلّ سمانة يفتتحُه "ابنُ عرب" في أرنكلف _ سانت جورج _ جنوب سيدني، وله طفلان مِنْ زوجة فاضلة، ارتضتْه وتحتمل تبعات ارتضائها بصبر، تجمع ما هو يفرِّق، تضيف ما هو يُنقِص، على قدرِ عِلمِها وحلمِها. اسمه خليل. اسمها خديجة. أمّا أماندا، الأستراليّة _ البريطانيّة الأصل، السمينة، البيضاء، الشقراء، فقد علِقتْ خليلاً السخي حدّ الإفراط إذا علِق. "ما ألذّ هذا العنب"، "ما ألذّ هذا التفّاح". وقبل أن تصل أماندا إلى شقّتِها في محلّة بانكسيا المجاورة تكون صحّارتا العنب والتفّاح قد سبقتاها إلى الشقّة. وعلى هذا النحو بدأت أرباح المحلّ الأسبوعيّة تنقص. تعمل خديجةُ أنّها تصدِّق،  خصوصاً حين يقول زوجها أنّ السوق: "يطلع وينزل"، فيما نظراته وكلّ حركاته تكذّبه تكذيباً، فما أوهاه على الكذب. وقعتْ خديجةُ أخيراً بالصدفةِ _ على ما هي أكّدت _ على بطاقة صغيرة، لونها زهري، في جيب سترة زوجها، مكتوب فيها، وبحرف عربي وخطّ رديء، "أموندا"، أي "أماندا"، والخطّ هو عين خط خليل، وتحت إسم "أموندا" رقم هاتف مكتوب بخطّ جميل، وهو ليس خط خليل قطعاً، وتحت الرقم.. شفتان مكتنزتان حمراوان مطبوعتان. أكّدتْ "آماندا" بعد اتّصال من خديجة، وبعد إعلامها أنّها تخرّب لها بيتها، وإن زوجها بسببها صار يضربها، ولم يعد يرى الأطفال _ وكلّ هذا غير صحيح قطعاً _ أنّها لم تعرف أنّ "كارل" _ خليل هو زوج وأب، وهي لا ترضى بعمله الوحشي الذي تسمعه.   وعلى رغم صدق اللهجة فإنّ خديجة لم يبرحْها القلق. وبعد أيّام هاتفتْه أماندا: "هل ستأتي الليلة يا كارل _ خليل"؟. كلّ جوارح خليل متعطّشة. أضافت: "هل لديك صديق من أصل لبناني"؟. ما أكثر أصدقاء خليل. تابعت: "أرجو أن تختار واحداً لصديقة تحبّ ذوي الأصول اللبنانيّة". اتّصلَ خليل بصديق قال: "أنا لها ولو هي على حافّةِ قبرها". قرعا بابَ الشقّة: واحد كبير الجسم، مليء الخدّين، أشعث، جاحظ العينين، هو خليل، وآخر طوله "شبر" وأرفع من خيط!. فتحتْ أماندا البابَ واحتضنتْ خليلاً، واحتبستْ مشاعرَها وهي ترحِّب بصاحب صديقتِها الفرِح والمرتبِك في آن. سكبتْ لهما كأسي نبيذ، على رغم أنّهما لا "يشربان" استقبلاهما بغبطة، وبعد "سلام وكلام" سأل خليل: "أين هي صديقتكِ، ألم تأتِ بعد"؟. قالت: "هي في الداخل ترتدي ملابسها، كانت تستحم، سأناديها". وهما يعتدلان في مقعدَيهما نادت باتّجاه الغرفة المجاورة: "كاديجاا"!. اتّسعتْ عينا خليل. نادتْ أيضاً من دون أن تلتفت إلى خليل وصديقه: "كاديجااا". سألَها خليل حذراً: "أرابيك - عربيّة"؟. قالت: "ليبانيز _ لبنانيّة"!. وبعدَ شهر من هذا اليوم المشهود في حياة خليل، وفيما "حربُ السنتين" في لبنان كانت لا تزال على قدم وساق، أقلعتْ طائرةٌ مِنْ مطار سيدني إلى الشرق الأوسط، ومِنْ ضمن ركّابِها خليل مع طاقم أسرته جميعاً. وعلى رغمِ استواء الطائرة وافتكاك الأحزمة كان خليل لا يزال مُحزَّماً، وبأدبٍ جمّ يرتشف مِنْ كوبِ عصيِ برتقال في يدِه. 
 
3 (المرحوم حي يُرزَق)  
غادر خليل أستراليا سنةَ 1977 مع أسرته إلى وطنه الأمّ لبنان، أي في "عزّ" أيّام الحرب الأهليّة اللبنانيّة". وفي سنة 1990، وبعد اتّفاق الطائف، وبعد عودة الإستقرار النسبي إلى لبنان، رجع إلى سيدني، كبرت عائلته، نزل ضيفاً على أحد الأقارب في محلّة "أرنكلف" _ سانت جورج _ سيدني. في صبيحة اليوم التالي خرج يتفقّد أحوال المحلّة التي خبرها قديماً، وله فيها أيّام، ولكي يرى إلى ما آلت إليه، وأيضاً لكي يبحث عن بيت يستأجره. لاحظ أنّ المحلّة لم تتغيّر سوى أنّ اللبنانيين ازدادوا، وإلى يسار دكّانه السابق "محلات الشرق للسمانة والخضراوات" الذي لا يزال على حاله قامت ملحمة حلال على يمينه، ونشأ مطعم مأكولات لبنانيّة: "حمّص، فول، فلافل، بابا غنّوج" على يساره. ووجدَ أنّه وجهاً لوجه مع صديق قديم إسمه اسماعيل، يرافقه شخص يمسك عكّازاً، والشخص هذا إسمه: عصام،  وكنيته: أبو أمين. تحاضنا، خليل واسماعيل، تباوسا، سأل اسماعيل: "مَن مَن مَن؟. خليل أبو نبيل"؟. تحاضنا مجدّداً، تباوسا مجدّداً، شدّا على أيدي بعضيهما مجدّداً. وقدّم اسماعيل صديقَه قائلاً: "عصام أبو أمين" عوّضني الله عنك صديقاً طيلة غيابك". كانت عادة في خليل أقوى من الزمن، إذا التقى شخصاً، ولو لأوّل مرّة في كلّ حياته، يعمل للطافته أنّه يعرفه منذ أزمنة. قال لإسماعيل: "ولو، تُعرّفني على أبي أمين"؟. الحبيب أبو أمين بيننا معرفة قديمة"!. وأخذ أبا أمين بالأحضان، بوّسه، شدّ على يديه، وسأله بلهفة عن حاله وحال "أم أمين" وحال ابنهما المحروس أمين الذي "لا شكّ صار شابّاً الآن". قال أبو أمين متفاجئاً، وهو الذي لم يلتق خليلاً يوماً، وهو متأكّد من ذلك، وإن سمع عنه من اسماعيل: "الحمد لله، فالجميع بخير"!. لم يكتف خليل، بل نظر إلى العكّاز في يد أبي أمين. وأبدى اهتماماً بالسوال: "ما هذا العكّاز يا أبا أمين؟. لم تكن "تعكّز" من قبل"!. قال أبو أمين راضياً: "عمليّة في العمود الفقري". قال خليل: "اطمئن، التقيت والدك يا أبا أمين في بيروت قبل أسبوع، وهو بصحّة جيّدة، وحمّلني سلاماً إليك". ارتبك أبو أمين، ومع ذلك قال بابتسامة متعثِّرة: "أنت مشتبه، لربّما أنت تعرف شخصاً آخر غيري، أبي أعطاك عمره قبل عشر سنوات"!. قال اسماعيل لخليل مستدركاً ما هجس به لقدم معرفته بخليل وبحركاته وسذاجاته المفاجئة التي يبدو هي طبع فيه لن يبدّله الزمن: "إنّه يقول لك الحقّ، قد تكون تعرف شخصاً آخر يشبهه تماماً صورة وإسماً، وهذا طالما حصل ويحصل". وعلى رغم كلام اسماعيل المطمئن، أبدى خليل استغراباً واضح الإصطناع ممّا يسمع. رجعَ خطوة إلى الوراء. قال مستنكراً: "ما هذا الذي تقولانه، قولا أي كلام آخر، كيف والد أبي أمين، رحمةُ الله عليه، يموت قبل عشر سنوات.. وأنا قبل كم يوم التقيته في بيروت"؟. وأكّد لأبي أمين: "قلتُ لأبيك، رحمة الله عليه، أنّي مسافر عائداً إلى أستراليا، وسألته أن يوصِّيني بأي شيء، فأوصاني أن أسلّم عليك، وأن أعلمك أنّه بعافية، ولا ينقصه سوى قلّة مشاهدة وجهك"!. وقعتْ عين خليل على عكّاز أبي أمين مجدّداً، أوحت له مهرباً هو الأسلم من الورطة التي هو فيها، أو ورّط نفسه بها كالعادة. قال: "الآن انتبهت. والدك، بالعلامة، بساق واحدة، أليس والدك رحمة الله عليه بساق واحدة"؟!. وإلى هذا الحدّ يكون السيل عند أبي أمين قد بلغ الزبى. "فقَسَ" كأنّما ليفضح نوعيّة أصدقاء اسماعيل. رمى العصا _ العكّاز من يده بعنف، وقال رافعاً يديه إلى السماء: "أقول له "تيس" يقول لي "احلبه". وسط ذعر المارّة الأستراليين وفرارهم منه في كلّ اتّجاه، ليتابع وباللغة العربيّة ويقول: "يا عالم، يا ناس يا هو، يا أهل أرنكلف اسمعوا، أبي مات قبل عشر سنوات، بيديّ هاتين دفنْتُه، عملتُ له "أسبوعاً" و"أربعين" وذكرى سنويّة، اسمعوا ماذا يقول الأخ: أبي الميّت قبل عشر سنوات حيّ يرزق، وبالعلامة هو بساق واحدة، ومشتاق لرؤية وجهي"!. وعبثاً استرضاه اسماعيل لكي يهدأ، وكان خليل قد اختفى أو هرب. 
Shawki1@optusnet.com.au 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات