GMT 9:53 2018 الجمعة 1 يونيو GMT 10:07 2018 الأحد 10 يونيو  :آخر تحديث

عن كارل يونغ.. الذي اتهمه فرويد بتمنّي الموت له!

هايل شرف الدين
مثَّل كارل يونغ (مؤسّس علم النفس التحليلي) شخصيةً إشكاليةً ومتمرِّدة في مدرسة التحليل النفسي الفرويدي، وقد رفض اقتصار اللاوعي على الغريزة والإشباع، واستشهد بمراحل نمو الشرنقة ليعطي أدواراً أخرى غير الدور الجنسي في النمو. وقد دخل في صراع علمي طويل مع رائد مدرسة التحليل النفسي ومكتشف اللاشعور سيغموند فرويد، حتى أن فرويد اتهمه بتمنّي الموت له والإفصاح عن ذلك بطريقة غير مباشرة من خلال محادثة جرت بينهما على متن قطار تحدّث فيها يونغ عن الآثار والقبور وعظام القدماء وهذا ما أثار حفيظة فرويد!
رأى يونغ أن عقدة الأب (أوديب) ليست إلا إعادة إحياء لصورة "يهوه" المبجَّل، لكنه هاهنا يزور حفلة التحليل النفسي بثياب تنكُّرية.
بنى يونغ (1875 – 1961) علمه الجديد، علم النفس التحليلي، بعد اختلاف في الأساسيات مع فرويد وبعد انشقاقه عن مدرسة التحليل النفسي، وأهم اختلاف كان زعم يونغ بأن النفس هي شيء من الصوفية التشاركية وهي ليست عضوية ومصدرها الخارج. 
كما أنه رأى بأن العصاب (المرض النفسي) هو محاولة تكيُّف فاشلة من قبل الأنا بغية تحقيق التوازن ما بين الواقعين الداخلي والخارجي. ورأى أيضاً بأن الخيال مساوٍ لليقين ما دام فاعلاً مثله بقوله الشهير: "كل ما يفعل هو فعلي" بصرف النظر إن كان هذا الفاعل واقعاً حقيقياً أو خيالاً مختلقاً، فالأهمية تكمن في أنه يسيطر ويستحوذ على السلوك. ومن هنا تأتي قوة وتأثير "الخرافة" على العقل البشري بالرغم من كونها أشياء غير علمية.
تحدث يونغ عن الإنسان القديم، وهو برأيه غير آبه بالمنطق العلمي، فهو بالأصل كائن غير نفساني يعني تشاركي ولا يحمل أفكاراً موجَّهة. ولقد تأثر هنا بنظرية "الأفكار الجماعية" لـ ليفي بروهل التي يقول فيها: "إن الأداء النفسي في الأفكار الجماعية واحد إذا ما قارناها بالمنطق العلمي، لكن الاختلاف يكمن في المسلَّمات". 
دأب يونغ، كفرويد، على محاولة تفسير أحلامه الخاصة. وفي أحد مناماته التي شاهدها واعتبرها مفصلية في أفكاره رأى نفسه يسافر عبر باخرة إلى البحار الشمالية وهذا ما أوقظ في ذاته مخاوف الإصابة باغتراب عقلي، وبعد أيام من هذا الحلم اندلعت الحرب في أوروبا (الحرب العالمية) واكتشف بأن مخاوفه كانت عامة ولا تخصّه بالذات، ومن هنا جاء بتقسيمات ثلاثة لللاوعي: الراق الأول يمثِّل اللاشعور الشخصي وهو الأرشيف المرضي والسوي والتجربة الشخصية للفرد، والراق الثاني هو اللاشعور الجمعي كمناخ مشترك يربط البشرية جمعاء ببعضها، والراق الثالث هو اللاشعور الغرائزي (الفرويدي). 
أوجد يونغ ما أسماها الرموز الكبيرة التي تنبثق عن الأنماط البدئية وأبرزها الرموز المذكرة والمؤنثة. أهم رموز الذكورة: الشمس والأب والنار والقضيب، وأهم الرموز المؤنثة هي الماء والأرض والجبل. وتحدَّث في أعماله الكثيرة كيف يولد الرمز وكيف يحتجز معه الحالات الانفعالية للإنسان وكيف يظلُّ يمارس استقطابه على الجنس البشري. على سبيل المثال: إذا ما أخذنا إنسان العصر الحالي وانتزعنا منه جواله وسيارته وأجهزته الحديثة ووضعناه في الغابة لمدَّة ليلة واحدة، فما هو شعور هذا الإنسان (الحديث) طيلة تلك الليلة؟ إن أكثر ما سيحلم به هو الشمس وصعودها في السماء لما تمنحه من نور ودفء وطرد لأشباحه وتهيُّؤاته، وهذا كان حال الإنسان القديم الذي عبدَ الشمس في كل عباداته وقدَّس صعودها في كل معتقداته وحتى في اختراعاته وإبداعاته. 
في بداية حياته كان يونغ قارئاً نهماً لأهم الأعمال الفكرية، وقد صدمه في حينها كتاب "فاوست" لغوته. صدمته حقيقة أن غوته قد أخذ شخصية الشيطان بجدّية، و قد أبهره من الفلاسفة الفيلسوف شوبنهاور الذي اعترف بوجود الشر ومنح معاناة العالم وبؤسه صوتاً.
درس يونغ في جمعة بازل، في  سويسرا. ثم درس في باريس مع عالم النفس الشهير "بيير جانييت". وخلال فترة تواجده في باريس كرّس الكثير من وقته للرسم ولزيارة المتاحف، واهتم بالفن القديم وعلى وجه الخصوص التحف المصرية وأعمال النهضة في التصوير. 
يصفه "سونوشامداساني" بأنه "شخصية أساسية في الفكر الغربي المعاصر، وتتسم أعماله بإثارة الجدل. لقد لعب أدواراً  مهمة في تشكيل علم النفس، والعلاج النفسي، والطب النفسي المعاصر".
يونغ هو أول من استخدم تقنية "الحلم المستثار" في جلسات العلاج، وابتكر فيما بعد طريقة "العلاج النفسي الرمزي" والذي يلعب فيه الخيال المحفّز دوراً كبيراً في عملية الشفاء. 
طوّر يونغ مفهوم اللاشعور وأخرجه من إطار اللاشعور "الغوريلا" -إن صح التعبير- إلى لاشعور أعلى يتَّصف بالتشاركية واحد لدى جميع البشر.
لكارل يونغ نظرية في الطباع تحت عنوان "تصنيف يونغ" يميّز فيها ما بين الإنسان الانبساطي والإنسان الإنطوائي. وعن ذلك يقول ما معناه إن الناس كالنباتات، فهناك نبات يعيش في الشمس وتحت الضوء، وهناك نبات يعيش في الظلّ.
غيَّر يونغ مفهوم اللاوعي، إضافة إلى أنه مكتشف الأنماط الأولية، وعن ذلك يقول بيير داكو في كتابه المعنون "انتصارات التحليل النفسي" (ترجمة وجيه أسعد): "الأنماط الأولية بحسب يونغ هي كوكبات نجوم في اللاشعور الجمعي، كوكبات مشعة، فاعلة، تتفجر بالطاقة. فلنفكر على سبيل المثال بالنمط الأولي للإله - المغروس في لاشعور الناس الجمعي خلال الأزمنة جميعها، ونلاحظ قوته خلال الحركات الإنسانية الواسعة، الفنية والحربية والدينية والأخلاقية... التي أثارها انطلاقاً من هذا النمط الأولي الإنساني بصورة أبدية، ثم مزج الملايين الملايين من الناس. وإذا أسقطنا هذا النمط الأولي على الشمس، الإله الشمس الذي ينير، ويخصب، ويشع، ويهدي، فإننا نلاحظ أنه يثير أيضاً حركات كبيرة دينية وفنية وغيرها خلال جميع العصور". 
من أهم أعمال كارل يونغ: النماذج الأصيلة لللاوعي الجمعي، تطوُّر الشخصية (علم نفس الطفل)، الروح في الإنسان والفن والأدب، مقدمة إلى علم النفس التحليلي، الأحلام، التنقيب في أغوار النفس، تحوُّلات الليبدو ورموزه، مشكلات الإنسان الحديث في البحث عن الروح، وآخرها "الكتاب الأحمر" ذائع الصيت والذي احتاج يونغ لإنجازه 16 سنة.
 
(*) باحث سوري في مجال علم النفس.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات