GMT 16:15 2005 الأربعاء 14 ديسمبر GMT 18:01 2005 السبت 17 ديسمبر  :آخر تحديث

ماجدوى الشعراء: خاتمة الأجوبة

إيلاف

 استفتاء إيلاف الشعري
ما جدوى الشعراء في زمان البأساء والضراء؟ (3)

 لمعرفة السؤال وقصيدة هولدرلن وأجوبة: صلاح حسن/ جمال بدومة/ عبدالكريم كاصد/ محمود عبدالغني وإبراهيم نصرالله، انظر: ماجدوى الشعراء: أجوبة أولى

وانقر هنا ماجدوى الشعراء: ثاني الأجوبة  لقراءةأجوبة نصر جميل شعث/ باسم المرعبي/ إبراهيم المصري/ محمد جميل أحمد/ سلمان مصالحة/ عبدالله بحري/ شوقي مسلماني/ محمد حسن أحمد

وانقر ماجدوى الشعراء: ثالث الأجوبة    لقراءة أجوبة: غادا فؤاد السمان/ هاتف الجنابي/ / ميلود حميدة/ نصيف الناصري/ عبدالعظيم فنجان/ شربل بعيني

والأن إلى أجوبة الحلقة الأخيرة:

سعد جاسم (شاعر عراقي): نحنُ ننزفُ... إذن نحن ضروريون

إنطلاقاً من يقين نوراني له جوهره ومعناه العميق بجدوى
الشعر في عالمنا الطاعن بالخراب والدم والالم؛ فانني اعتقد ان الشعراء واعني: الشعراء الحقيقيين هم ضروريون حقاً في هذا الوجود؛ لأنهم اكثر انتباهاً من الاخرين "للظل الذي لا ينتهي" والشعر الحقيقي والسامي ليس،في الصميم، الا هذا وليس له من مسعى سوى الابقاء على "الطرق الكبيرة التي تقود مما نراه الى مانراه" مفتوحة؛ حسبَ تعبير "موريس ماترلنك".
وهكذا نجدُ لدى الشعراء الحقيقيين في ازمنة البأساء والضراء بيتاً هنا... وبيتاً هناك...وسط احداث متواضعة او دامية من ايامنا العادية او ايامنا الملتهبة... وهذا البيت
ينفتح؛ فجأةً؛ على شئ عظيم.
وفيما يعنيني شخصياً؛ فقد ايقنتُ ومنذ بدايات هوسي وولعي
بالشعر؛ ايقنت بمقولات ومفاهيم اصبحت بالنسبة لي قناديل هداية في ليل العالم وسخامه الثقيل.
ومن هذه المقولات؛ قولة هولدرين الفذة "مايبقى يؤسسه
الشعراء" ومقولة "هنري ميللر": (في الشاعر تتخفى
ينابيع الفعل) ولذا فأنا اسعى واشتغل على ان أُفجّر ينبوع
الفعل الشعري الذي يمور في ذاتي ويتفجر قصائد ونصوصاً
احرص ان يكون لها وقعها وأثرها في ذات المتلقي التوّاق
الى قراءتها وتمثّلها ويشعر من خلالها بقوة وجوده وضرورته هو الاخر في هذا الوجود الشائك.
ولا اتوانى عن القول بأنني اشعر ان متلقين كثر يرون
ويشعرون بأننا نحن الشعراء كائنات ضرورية حقاً
في أزمنة البأساء والضراء؛ لاننا نعمل من اجل ان ننحت في اعماق الحياة، وان نفتح ابواب العالم الاخر؛ وبالقرب من هذه الابواب، نرى نحنُ ويرى الاخرون وقرب هذه الابواب نحبُّ نحن ويحبُّ الاخرون.
ونبقى نحلم جميعاً مع "هولدرين" بتأسيس مايبقى
ولكن السؤال هو:
هل ثمّةَ ماسيبقى ؟
ربما...!!!
نحنُ ننزفُ...إذن نحنُ موجودون
 ونحن ضروريون
( أنا انزفُ في الكلامِ
  أنا انزفُ في الوجودِ
  ومامقامي
  في المنافي
  إلا:
كمقامِ صالحٍ في ثمودِ )*
* مقطع من نصي "رقيم الشهوات الأولى"

***

صبري يوسف (شاعر سوري): الشعر ولادةُ طفلٍ على إيقاعِ زخّاتِ المطر


وما ذنب الشعراء في زمنِ إنشراخِ رؤى ساسات هذا العالم إلى أعتى درجاتِ الوباء؟!
وما ذنب الشِّعر ممَّا يحيطه من سمومٍ مشرشرة في نصاعةِ الدِّماء؟!
ص.ي.
الشعراء قناديل مضيئة في هذا الزمنِ الأهوجِ، منارة الرُّوح الشامخة في أعالي الجبالِ، بحار مزدانة بأعشاب الخلاصِ، والشِّعرُ حفيفُ نحلةٍ غارقة في ولادةِ العسلِ من رحيقِ الزُّهورِ، موجةٌ وارفة فوقَ أرخبيلاتِ العمرِ، شعاعاتُ فرحٍ منبعثة من تكويرةِ النَّهدِ، ولادةُ طفلٍ على إيقاعِ زخّاتِ المطرِ، لونُ البداياتِ وضياءُ النَّهاياتِ، جنّةٌ مزدانة بالغزلانِ والبلابلِ المغرّدة تغريدةَ الرَّحيلِ، حوارُ الأرضِ مع قبّةِ السَّماءِ، حلمٌ معبّقٌ بأريجِ الطُّفولةِ، ابتساماتُ ورودٍ غافية فوقَ نهودِ التِّلالِ، شلالاتٌ هائجة مثل إهتياجِ البراكينِ، صوتُ الإنسانِ المتسامي فوقَ حافّاتِ الغمامِ، نداوةُ زهرةٍ مكحَّلة بدموعِ الشَّوقِ، الشِّعرُ صديقُ روحي وبهجةُ خلاصي من ضجرِ الحياةِ، هو صديقتي الأزلية الشهيّة مثل أريجِ الغاباتِ، نورُ العتمةِ التي أعبرها على ايقاعاتِ حفيفِ اللَّيلِ، حبقُ النّعناعِ المستشري في صحارى الرّوحِ، أجنحةُ حمامٍ مرفرفة فوقَ ينابيعِ الخيرِ، مهارةُ سمكةٍ تعبرُ أعماقَ البحرِ لانتشالِ محارةٍ مكتنزةٍ ببخورِ العيدِ، خلاصُ الإنسانِ من ترّهاتِ الحياةِ، رحلةُ اخضرارٍ في ظلالِ العمرِ، موسيقى هائمة فوقَ وجنةِ الحلمِ، فوقَ أرجوحةِ الحنينِ، لغةُ نديّة من لونِ الشَّفقِ القزحيِّ، مناجاةُ الرُّوحِ للحميمياتِ المختطفة من وجنةِ الحياةِ، حوارُ القلبِ معَ سكونِ اللَّيلِ، معَ خريرِ السَّواقي، معَ أغاني الغجرِ الصادحة في أعماقِ البراري.
الشِّعر هو الغدُ الآتي المسربل بالقرنفلِ، بسمةُ عاشقة متلألئة اهتياجاً فوقَ أمواجِ البحارِ، هو سديمُ الذَّاكرة المتلألئ حولَ مسقطِ رأسي، غفوةُ طفلِ بينَ أحضانِ أمِّهِ، خيوطُ الضُّوءِ المنبعثة من مروجِ السَّماءِ، ذكرى معبّقة بعناقيدِ التِّينِ، بأيامِ الطُّفولة المزدانة بالأعشابِ البرّية، حنينُ المجرّة إلى وهادِ الأرضِ، طراوةُ ليالي الحصادِ المكتنزة بالسَّنابلِ، هو باقاتُ الحنطة المبعثرة على وجهِ الدُّنيا، هو دالياتي الخضراء، عناقيدُ عنبِ "البحدوْ والدارْ كفنارْ" التي قطفتها في صباحات ديريك الباكرة، هو شوقي العميق إلى أزقّتي الطِّينيّة، صوتُ المدفأة وهي تنشدُ أنشودةَ الدُّفءِ في ليالي الشِّتاءِ الطَّويلة، دبكةُ "باكيّة" في ليلةٍ منعشة محفوفة بالقهقهاتِ.
الشِّعرُ عشقٌ لا يقاوم، صوتُ فيروز في صباحاتي الباكرة، براعمُ شوقي العميق إلى أصدقائي الّذين تعفّرتْ وجوههم بضبابِ غربةِ هذا الزَّمان، هو حالةُ تجلٍّ متسامية مع هلالاتِ النُّجومِ، ارتعاشاتُ عشق القمرِ لخدودِ البحرِ في ليلةٍ قمراء، شوقُ الجندي المرمى على خطوطِ الموتِ إلى أحضانِ الحياة، هو كلمة متراصّة بالمتاريسِ في وجهِ جلاوزةِ هذا الزَّمان، في وجهِ طغاةِ هذا العالم، هو تجلِّياتُ صعود الرُّوحِ فوقَ موجةٍ هائجة تحنّ إلى الارتماءِ بين أحضانِ الغسقِ، نقاوةُ الثلجِ وهو يهطلُ فوقَ جفونِ المساء، حديقة وارفة بالفرح، وداعُ الإنسانِ لوجهِ الثرى في ليلة مكتنفة بالآهاتِ، آهات عبورنا للحياة، وآهات الرّحيل، هو دمعةُ أمٍّ قبلَ أن تودِّعَ غمائمَ الحياة.
الشِّعر حلمي المفهرس بأغصانِ البيلسان، هو أنثى معفّرة ببهجةِ الحياةِ، صديقةٌ غافية على خاصرةِ الرُّوحِ تنتظرُ نسائمَ البحرِ في ليلةٍ عذراء، هو قارئ مجهول يحبُّ حرفي وينتظره مثلَ طفلٍ ملحاح لمشاهدةِ هدايا العيدِ، هو وردةٌ متفتّحة عند الضُّحى على إيقاعِ أجراسِ الرَّحيل، حالةُ إندهاشٍ على مدى رحابِ العمرِ، هو رحلتي الفسيحة في سماءِ غربةٍ مترجرجة بتدفٌّقاتِ لظى الاشتعال، هو غربتي العميقة في الحياةِ، أنشودتي الأزلية التي أغفو فوقَ خدودِها كلّ يوم، هو شهقتي الأولى عندما ولدتني أمِّي بين باقاتِ الحنطة وقمَّطتني بالسَّنابلِ لهذا أحنّ إلى اخضرارِها حتى في رحابِ الحلمِ.
الشِّعرُ صديقُ الكائنات كلَّ الكائنات، صديقُ اللَّيلِ والنَّهارِ، صديقُ البساتينِ والبحارِ والأنهارِ والصَّحارى المحفوفة بالرِّيحِ الهائجة، صديقُ البراري الوديعة والذئاب المروّضة على عبورِ البحرِ في عتمِ اللَّيلِ، هو أغنية مفتوحة على خاصراتِ الأماسي الغافية فوقَ أحلامِ البحارِ، هو عناقُ عاشقٍ لعاشقة من لونِ السَّماءِ، هو سيمفونية مكتوبة على إيقاعاتِ حفيفِ الرِّيحِ، هو بسمةُ طفلٍ في صباحٍ ممطر، هو لونُ البدايات والنّهايات، هو أسطورة مبرعمة في أعماقِ المغائرِ المنسيّة، هو صوتُ الضَّمير الحيّ في قلبِ الإنسان، هو محبّة الطَّبيعة والمروج المنعشة للروحِ، هو روحٌ هائجة متمرِّدة تعبرُّ ضجر الحياة بهمّةٍ لا تلين، هو صوتُ الحنينِ الغارقِ في أعماقِ الذاكرة، هو الذاكرة المتلألئة في بحيراتِ المحبة، هو أمُّ الأمّهات وخصوبةُ الخصوبات، هو ترتيلة عشقٍ منبعثة من ضياءِ النُّجومِ، هو نجمةُ الصَّباحِ في ليلة مهتاجة بالفرحِ، هو قصيدةُ حبِّ مفتوحة على شهيقِ الحياةِ!
الشِّعرُ هو شوقُ أختي المغموس في غربةِ الرُّوحِ، هو وداعةُ الحمامِ المبرعمة في قلبِ الطُّفولة، هو تنهيدةُ أبٍّ فقد ابنه الوحيد على خطِّ النارِ، هو تحدّي عميق الأغوار لجلاوزة هذا الزَّمان، مهمازٌ مرفوع في وجهِ حروبٍ طائشة، في وجه مجانين هذا العالم، حروفٌ متلألئة بشهيقِ السماءِ، بسمةُ الهلالِ في ليلةٍ قمراء، هو حنينُ الرُّوحِ إلى ضفافِ الأمانِ، هو الفجرُ المفهرسُ بحبّاتِ الحنطة، أنشودةُ الغجرِ الصادحة بين رحابِ المروجِ، مشاعرٌ حيّة متلألئة في تجلِّياتِ الخيالِ، وشمٌ ناصعُ البياضِ رغمَ المراراتِ، سموُّ الروحِ فوقَ أنينِ الآهاتِ، اهتياجُ أمواج البحرِ في وجهِ البلهاء، ما جدوى الحياةِ من دونِ الشُّعراء، من دونِ فيروز وهي تغنّي غناءً يبلسم الرُّوح ويعطي نكهةً لوجهِ الضياء؟! الشِّعرُ صوتُ وديعُ الصافي المتعانقِ مع صفاءِ الوفاءِ، لواءٌ مرفوع في وجهِ حروبٍ معفّرة بكلِّ أنواعِ الغباءِ؟! الشِّعرُ ذهبٌ مصفّى يتناثرُ بريقه فوق تعبِ الفقراءِ، نصيرُ الجياعِ في رحابِ الارتقاءِ، صديقُ العصافيرِ وزرقة السَّماءِ، خفقةُ طائرٍ يغرِّدُ تغريدةً من لونِ الصَّفاءِ، حفيفُ الرِّيحِ المكتنزة بنداوةِ الماءِ، صديقُ الطبيعةِ المزدانة بأبهى أنواعِ العطاءِ، نارٌ متأجّجة في وجهِ الجفاء، تربة خصبة متماهية مع قلوبِ الأبرياءِ!
الشعر حلم الزمنِ الآتي، حلمٌ مبرعمٌ من خيوطِ الشَّمسِ، من هبوبِ النَّسيم، رحلةُ فرحٍ في محرابِ الأصدقاءِ، صرخةُ طفلٍ في وجه حمقى هذا الزَّمان، بواّبةٌ وارفة حبلى بالخيرِ، حدائقٌ يانعة مقمّطٌة بالمحبّةِ، رسالةُ حكمةٍ منقوشة على أغصانِ الزَّيتونِ، أغنيةٌ متراقصة مع حبّاتِ المطرِ، مع عتمِ اللَّيل وضياءِ النّهارِ، حنينُ الرّوحِ إلى اخضرارِ الأزهارِ!

***

عثمان حسين
وكذلك قال محمد "وفي كل وادٍ يهيمون"، أعتقد أن المنظومة القيمية التي حكمت هذا القول لا تبتعد كثيراً عن منظومة كهّـان ديونيزيوس مع الفارق البسيط في الرؤى النبوية. أما الراهن فمحكوم بمنظومة تختلف جوهرياً عن المنظومتين السابقتين، وبالتالي فإن ما يحكمنا كشعراء ينتمي إلى الراهن بفانتازيته الصارخة. ومع ذلك، فإن الشعراء ما زالوا يحملون المصابيح في عز الظهيرة وبعضهم يعاني من انفصامية حادة، وأضحى آخرون جزءاً من هذه الفانتازيا نفسها.
حالات التشظي مبررة ورغم اختلاف الثقافات، فإن تكوينات الشعراء الحقيقيين المسكونين بأحلام ذات طبيعة نبوية ما زالوا موجودين بيننا، رغم مصادرات المجتمع لهذه الطبائع النبوية.
اختلفت الأدوار على مسرح الحياة، أدوار الشعراء، لكل عصر دوره، إلا أن الأدوار الراهنة أكثر قسوة ومرارة حيث الأصوليات تتخبط وتأخذ في طريقها كل الجماليات والشعراء على رأس القائمة.

****


- عابد اسماعيل، شاعر سوري
لعل الربط الحرفي بين القصيدة والعالم كان سبباً في خلق وهم المسؤولية، وشيوع مفهوم الالتزام بمعناه الضيق. فالقصيدة التي لا تتحدث عن الوطن في عالمنا العربي باتت ضرباً من ضروب التنجيم أو الفانتازيا المجانية، ولطالما اتهُم أدونيس مثلاً بالنخبوبة والغموض لأنه يتطرق في شعره إلى مواضيع فلسفية وجمالية خالصة. كما أن نقاداً كثر اعتبروا أنسي الحاج مجرّد شارح لجمل إنجيلية، يعيد صياغة مضامينها شعراً، فكان أن صُنّفَ من شعراء النخبة، المنقطعين عن شرطهم التاريخ.

الشاعر محمود درويش نفسه مرّ بمرحلتين، في الأولى كان لصيقاً بالجملة المقاتلة، المباشرة، الملتزمة، وقيل عندئذ إنه شاعر "القضية"، لكنه عندما صعد بخطابه الشعري إلى آفاق شعرية جديدة، كما في دواوينه الثلاثة الأخيرة، بدأ بعض النقاد يتحدّثون عن ابتعاده عن هموم وطنه، وجنوحه إلى الغموض.

طبعاً لم يطرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته لأنه كان يكره الشعر، بل لأنه كان يصرّ على أن تُوضع القصيدة في خدمة الأخلاق، وأن تكون وفية للحقيقة. ونعلم أن أفلاطون هو فيلسوف المثالية، حيث يرى أن عالم الحقيقة، أو الواقع، ليس سوى صدى لفكرة المثال الأول، وبالتالي فإن الحديث عن الواقع، أي واقع، يعني بالضرورة معانقة ظلال وأصداء بعيدة، لا يمكن مقاربتها بالحواس الخمس فحسب، فكان لابد من البحث عن حاسة سادسة، قد تكون الحدس، وبالتالي الدخول مباشرة إلى حقل الفنّ أو الشعر.

ما أريد قوله في هذه المداخلة البسيطة، وجاباً على سؤالك، هي أنني كشاعر لا أجد دوراً مباشراً للقصيدة في التأثير على أي حدث يجري، ولا أنتظر منها هذا الدور، خاصة إذا كان الأمر متعلقاً بالأحداث السياسية. القصيدة بالنسبة لي هي وقفة فنية وجمالية بالدرجة الأولى، والتزامها مرهون بسلامتها الفنية أولا وأخيراً، وليس برسالتها الأيديولوجية التي تريد نقلها، أو إيصالها إلى لقارئ.

بكلام آخر، لندع السّاسة يخوضون حروبهم، ولننسحب، نحن الشعراء، إلى أبراجنا الشعرية، لا لكي ننسى متعة الوجود في الواقع، وقضايا العدالة والإنسان، كلا بالتأكيد، بل لكي نرتقي بهذا الواقع العربي، المتدهور والمأساوي أصلاً، إلى مرتبة المثال الأفلاطوني الأول، لعلّ شيئاً من نور الحقيقة يظهر أخيراً في نهاية النفق المظلم.


***

محمد بسعود – قاص جزائري –

إذا كان الشعر مجرد ترفيه،

و الشعراء مهرجون
فلا حاجة لنا به أمام آلام البأساء التي تسري في العروق سريان الدم..
و إذا كان غير ذلك : أداة لرفع الضيم ربما،
لكشف المستور ربما،
لفرض الجزية على البأس ربما،
لقول الحقيقة بكل أشكالها ربما،
فلننظر إلى أي مدى يمكن لنا أن نتصور ماهيته..
و لننظر على أي وجه سيكون الشاعر
و لننظر أيضا في قيمة تواجده


***

علاء الدين كاتبة (شاعر فلسطيني)

لا أشك بدءاً بسيري نحو المختلف عن وجهة السؤال الأخير، وقاك الله منه " لو طُرح عليك..."!  وأدعو النفسَ، أسائلُها، إن أكان الشاعر الرومانسي هولدرلين حقاً يسأل نفسه عن جدوى الشعراء، وما قد ينثرون في الطرقات من شعر، أم أن السؤال عنده لم يأتِ في القصيد إلا عبوراً إلى فتح ما يليه؟!.. لا أرجو في السطور من بعد، إلا وأن تلهج حرائرُها بالعافية لصاحب هيغل، إذ أزاح عنّي مشقّة السعي إلى وأدِ السؤال، و لم تخنه فطنتُه حينما أناب عن غيره بالسؤال عن الجدوى، فلم يمكث بثوب السائلِ إلا بخلخلة الزمانِ على رافديه، ولا أراه يلبث إلا وقد خلعه حتى عن السائل نفسه. هو ذا الشاعر هولدرلين يطأُ شوكَ السؤال بقدميه، لا تحولُ – إن لم يخب ظنّي – ظرائفُ محيطٍ بينه وعرفانِه بنفسه هائماً في ليالٍ قدّس باخوس ( أي ديونيزوس ) بدرُها.. يخبّ بها السير إلى معشوقته " روزيتة "، ولا بأس عليه إن لاح بثوبِ الكاهن على أرض الخرافة، فلا أحسبُ لُبسَه فيه إلا ذريعةً للسالكِ في دروب العشق، درءاً له بالحبر المهدورِ على أطرافه من شرّ السؤال.

أجل، لم يكن هولدرلين الفتى بحاجةٍ لشكوى النفسِ الأمارةِ بالجدوى، حسبُه ومن كان معه، أن خرجوا من وطأة الحرفِ إلى هدأةِ الفراغ. قد أخطأ العاثرُ بسؤله على ميلِ من لم يجد بالزمانِ إلا بأساً وضرّ، فالشاعر لا يُسأل يا صاحبي عند منابتِ الشعرِ عن جدواه.

هذا، وقد بلّغت..

***

خليل إبراهيم حسونة (شاعر فلسطيني)

نعتقد أن البأساء والضراء في رأي هولدرن، هي تراجع المعرفي والثقافي أمام هجمة التطور الصناعي والرأسمالي. فالتوحش والتسيـّد التقني وعناوينه الكبرى سحق الثقافة أو تطويعها هو البأساء والضراء. ونحن نعرف ما عانته ألمانيا – بلد هولدرن- من عذابات امتدت من حروب العسكرية – البروسية. وحتى محاولتها الانفراد والهيمنة على أوروبا.
الشعراء في رأي هولدرن في زمن الرداءة ومثالها الخرب الأرضي كما جاء في قصيدة إليوت (الأرض اليباب)، مثل هؤلاء الذين يهيمون على وجوههم دون دراية كما جاء في الأسطورة. فكهـّان ديونيسيوس إله الخمر والخصب كانوا بلا روية- يهيمون في كل اتجاه وقطر.. هذا هو التفسير الهولدرني. وأنا قد أختلف مع رأي هولدرن في جزئية واحدة وألتقي به في غالب ما طرحه.
فمن جانب غياب الشعراء/ الشعر وتراجعه أمام الهيمنة والتوحش العالمي الإمبريالي، وتراجع الثقافي أما الاقتصادي والسياسي جعل الشعراء هائمون/ في حالة غياب. لهذا تأخر الشعر مما جعل هذا الزمن – زمن الرواية- بشكل واضح وكأن الشعر ليس أكثر من طقس وبرستيج لبعض الحفلات والنقـّاد، يُطلق ويُقطف كعشبة برية جميلة وحزينة.
ولكن ولأنه يرتبط بالمشاعر الإنسانية، ولأنه صورة لانسكاب عصير الأرواح للنفوس البشرية، لا يمكن شطبه والاستغناء عنه بالمطلق، فهو باقٍ ولكنه غير متقدم الآن.
وباعتقادي أن دورة الحياة المادية وجفافها ستعيد دورته إلى الحياة في المستقبل، ليرتقي إلى السـّدة الهرمية من جديد.
                
***

د. بهجت عباس (صيدلي وشاعر ومترجم عراقي)

أولاً من هم هؤلاء الشعراء وأين هم؟
وإنْ وجُدوا، ولو قليل منهم، فهل هم متحررون (داخلاً) و (خارجاً)؟
من سيطرة النفس النرجسية (الداخلية) ومن تأثير السلطات (الخارجية) التي تلعب دوراً في حياتهم ومعيشتهم؟
وهل نسمّي مدَّعي الشعر شاعراً، وهو لا يفهم من لغة الشعر شيئاً ولا حتّى أبجديَّـتَـها؟ ويسعى لتهميش ومحو كل من يتفوق عليه بكلّ ما يستطيع من هرج وضجيج وفحيح، وإلاّ فيومه مثل ليله حالك السّواد ولن تغمض عين له دون أن يشفي غليله؟ فما دمنا في مثل هذه الظروف التي اختلط الحابل والنابل فيها وأصبحت (الكَرعة) مثل (أم الشَّعر) والعملة السيئة تطرد العملة الجيدة، كما يقال، فهل ستكون للشاعر (الحقيقي) مكانة وهل له جدوى في الزمن الرديء؟ سأترك الإجابة للقارئ الكريم. وما دام السيد عبد القادر الجنابي قد أورد قطعة شعرية من رائعة هولدرلين )خبز وخمر)، التي سآتي عليها بعد قليل، أورد أيضاً مقطوعة لهولدرلين قد يكون لها صلة بالعنوان المذكور أعلاه، أو بالأحرى تجيب عنه قبل مائتيْ عام تقريباً، ذاكراً واجب الشعراء في ذلك الوقت، ألا وهي:


إلى شعرائنا الكبار

سَمِـعتْ شواطئُ نهر كانجه*بانتصـار إلـه المرح،
عندما تغلب على الجميع من أقاصي الهند
جاء الشاب باخوس**، مع النبـيـذ المقـدَّس
مُـوقِـظاً الناسَ من الرقاد.

أنتم، أيّها الشّعـراءُ، أيقِـظوهم أيضاً من االنوم،
إنّهم لا يزالون نيـاماً الآن، أعطـُوا القـوانـين،
أعطـونا الحـياةَ، أعلنـوا إنتصارَكم!
أنتم فقط، مثل باخوس، لكم حـقّ الإنتصار.

* نهر في شمال الهند يعتبر مقدساً عند الهندوس
** باخوس، أو ديونيسوس Dionysus في الميثولوجيا
       الرومانية – اليونانية، هو إله الخمر والمرح، وهو إبن
       زيوس كبير الآلـهة.

فهل يستطيع (شعراؤنا) تلبية هولدرلين؟ قد تكون نكتة!

والآن آتي على مقطوعة هولدرلين -7 من ( خبز وخمر) ترجمة الدكتور عثمان أمين، التي هي ترجمة قد تبدو جميلة لقارئها وقد تكون، ولكن مع الأسف، ورد فيها ما وجب تصحيحه أو تعديله أو تحسينه، حسب اجتهادي ومعرفتي، وأرجو أن أكون مخطئاً. ولكنّ حرصي على أمانة الترجمة ودقتها جعلتني أخوض في غمارها، لتبيان ما أراه واجباً. وأرجو أنْ يصحِّحَ لي من وجدني على غير صواب، فالغاية هي الفائدة في الترجمة الصحيحة. ترجمة الأستاذ عثمان أمين، التي أعتقد أنها بحاجة إلى تعديل، ستكون بالخط الأحمر، وترجمتي بالخط الأزرق، أو بين قوسين (  )، وما بينهما النص الألماني.

"ولكن أيّها الصديق، لقد جئنا (بعد فوات الأوان متأخرين)
صحيح أنّ الأرباب يحيون؛
ولكن فوق رؤوسنا، في عالم آخر

Aber Freund! wir kommen zu spät. Zwar leben die Götter
    Aber über dem Haupt droben in anderer Welt.
( بعد فوات الأوان، ومتأخرين يؤديان المعنى عينه، فحذف أحدهما حسن).
ولكن يا صديقي! أتـينا جِـدَّ متأخرين.
ومع أنَّ الألهة تحـيا،
لكنْ فوق الرأس، عالياً في عالم آخر.

بلا نهاية هنالك يعملون ويلوح أنّهم لا يبالون
بحياتنا إلاّ قليلاً، (من فرط عنايتهم بنا.)

Endlos wirken sie da und scheinens wenig zu achten,
    Ob wir leben, so sehr schonen die Himmlischen uns.

الجملة فيها غموض وليست دقيقة والترجمة الحرفية تقريباً تقول:

إنها تعمل هناك إلى ما لا نهايةَ لتحافظ جداً على بقائـنا
ويظهر أنّـها لا تبالي ( تهتم) إلا قليلاً،
فيما لو عِشـنا.

 
(لأنّ وعاء هشّاً سريع العطب
لا يستطيع أن يحتويهم دائماً.
في لحظات وجيزة من الزمان
يتحمّل الإنسان عبء الوجود الربّاني.)

Denn nicht immer vermag ein schwaches Gefäß sie zu fassen,
    Nur zu Zeiten erträgt göttliche Fülle der Mensch.

النقطة (.) بعد ( دائماً ) جعلت المعنى باهتاً، ذلك أنَّ الترجمة أعلاه صنعت جملتين منفصلتين عن بعضهما بواسطة هذه النقطة التي لا توجد في الأصل، بل كانت (فارزة)، فالجملتان في الواقع مرتبطتان ببعضهما، لذا تكون الترجمة كما يلي:

لأنَّ وعاءً رقـيقاً لا يستطيع أن يحتـويها دوماً،
إلاّ عند أزمـنة فقط يتحمّل فيـها الإنسانُ العبءَ الإلهيَّ.

(والحياة ما هي إلاّ حلم من أحلام هذه اللحظات.
ولكنّ الجنون، كسِنة من النوم، عون لنا؛
وإنّما في الشدائد والليلة الظلماء قوّة.)

فإلى أن يحين وقت يشبّ فيه من المهد الحديدي أبطال
تكون لهم كما في الزمن الغابر قلوب قويّة كقلوب الأرباب

Traum von ihnen ist drauf das Leben. Aber das Irrsal
    Hilft, wie Schlummer und stark machet die Not und die Nacht,
Bis daß Helden genug in der ehernen Wiege gewachsen,
    Herzen an Kraft, wie sonst, ähnlich den Himmlischen sind.

وبعد هذا فالحياة هي حلم منها. ولكن الجنون يُسعِـفُ، مثلَ سُـباتٍ،
ويجعلنا الشَّـقاءُ والليل المدلهمّ أقوياءَ،
إلى أنْ يترعرعَ أبطال من المهد الحديد،
تكون لهم قلوب قوية، كما كان مألوفاً من قبلُ، تضاهي قلوبَ الآلهة.

(ثم يجيئون تسبقهم الوعود والبروق،)
إلى أنْ يحين ذلك اليوم كثيراً ما يخيّل إليّ
أنّ النوم خير لنا من أن نكون هكذا بغير رفاق.
(أفأظل على هذه الحال؟ وماذا أعمل في الانتظار)
وماذا أقول
لست أدري: وأسأل نفسي:
ما جدوى الشعراء في زمان البأساء والضراء؟
ولكنّك تقول: إنّهم مثل كهان ديونيزوس
(يهيمون على وجوههم) من بلد إلى بلد
(في الليلة المقدسة.")

Donnernd kommen sie drauf. Indessen dünket mir öfters
    Besser zu schlafen, wie so ohne Genossen zu seyn,
So zu harren und was zu tun indes und zu sagen,
    Weiß ich nicht und wozu Dichter in dürftiger Zeit?
Aber sie sind, sagst du, wie des Weingotts heilige Priester,
    Welche von Lande zu Land zogen in heiliger Nacht.

ليس في الأصل (وعود وبروق)، ولا أدري كيف أتى المترجم بهما؟ ثم إنَّ ( يهيمون )، إضافة إلى كونها فعلاً ماضياً وليس مضارعاً في النص الألماني، فهي ليست ترجمة دقيقة لكلمة ((zogen، و(الليل)، في رأيي، يجب أن يكون بدلاً من (الليلة).

ربما تكون الترجمة أدق وأحسن كما يلي:
 
ومن ثمَّ يأتون راعدين. ولكنْ في غضون ذلك أفكّر غالباً
أنْ أنام أفضلَ من أنْ أكونَ بلا رفاق،
منتظراً دوماً، ماذا أعمل خلالَ ذلك،
وما عسى أن أقول، لا أدري، وما فائدة
الشعراء في زمن عَجيف؟
ولكنك تقول
إنهم مثلُ كهّـان إلـه الخمر المقدّسين،
الذين تجَوّلوا في ليل قدسيّ من مكان إلى آخر.


في