GMT 5:30 2016 الجمعة 29 يناير GMT 10:18 2016 السبت 13 أغسطس  :آخر تحديث
شواهد على أصولية دينية عراقية وتقاعس القوى المدنية

ملصقات في بغداد تحرم الغناء وتبرج النساء

إيلاف

تفاجأ سكان بغداد بملصقات علقتها جماعات متشددة على الجدران في اكثر من منطقة، تحرم الغناء وتمنع النساء من التبرج والخروج من المنزل الا بصحبة محرم.

محمد الغزي وعبد الجبار العتابي: انتشرت ملصقات في شوارع بغداد تحرض على تحريم الغناء وتمنع تبرج النساء وخروجهن من المنازل من دون محرم، وتمنع الرجال من مصافحتهن، في شعارات منفرة تكفيرية استفزازية كما وصفها ناشطون مدنيون. هذه الشعارات المتشددة علقتها جهات مجهولة على جدران تستخدم حواجز بالقرب من نقاط التفتيش في مناطق مختلفة من بغداد.

وفي تعليق على ذلك، قال الكاتب مازن لطيف لـ"إيلاف"، إن العراق ليس بلدًا إسلاميًا لتفرض فيه آراء أو يمنع فيه الغناء أو الخمر، "ففي العراق ديانات مختلفة يعيش فيه عدد كبير من غير المسلمين، وعندما يغيب القانون تظهر هذه الشعارات، وما خلفها من ترويع في المناطق السكنية الشعبية لاثارة الذعر بين الأهالي  والسيطرة عليهم".

هيبة الدولة

قال زياد العجيلي، رئيس مرصد الحريات الصحفية في العراق، لـ "إيلاف"، "نشر هذه اللافتات أو الشعارات في عدد من مناطق بغداد يعطينا اشارات واضحة بأن المتطرفين أقوى من الدولة، والاجهزة الامنية عاجزة عن فرض هيبتها امامهم، وبغض النظر عمن وزع هذه الشعارات التي تدرج غالبها احاديث لا وجود لها بالسنة النبوية، لكنها بكل تأكيد ستثير الرعب بين المدنيين وخاصة الاقليات ممن مازالوا متواجدين في العاصمة بغداد".

أضاف أنه أمر مستغرب بأن وزارة الداخلية وعمليات بغداد لم تتخذا أي قرار تجاه هذه الاحداث التي تعد بالنسبة للكثير من السكان المحليين "شعارات لا تختلف عن رايات داعش أو شعاراتها، لانه وبكل بساطة يمكن أن نجد رايات لداعش في يوم ما ببغداد بسبب تقاعس الاجهزة الامنية والقوات العسكرية حماية هيبة الدولة ومواطنيها".

أما رئيس جمعية مراقبة حقوق الإنسان العراقية مهند نعيم فقال لـ"إيلاف": "هذه اللافتات علقت في الشوارع العامة وبعض منها على جدران أبنية حكومية وليس في مجمعات سكنية".

 

وأضاف: "الاحاديث التي تضمنتها لا يوجد لها أي سند بل انها اخذت الطابع الشيعي رغم أن الملصقات لم تحمل أي اسم لأي جهة أو مؤسسة دينية".

واكدت النائبة شروق العبايجي أن جهات مختلفة تعلق هذه الملصقات، وقالت: "في بلد مثل العراق تسوده الفوضى والعقلية الذكورة المتجاوزة لأبسط مبادئ حقوق الانسان، وانعدام الحملات الوطنية الجادة لرفع مستوى الثقافة واستغلال الدين بشكل خاطئ، وهي السبب في ظهور مثل هكذا منشورات مضللة تقوم بها جهات مختلفة تحاول قدر الامكان استغلال هذا الفراغ القانوني لنشر خرافات تعزز الجهل والخوف باسم الدين واستغلاله بهذه الطريقة التي تسيء اليه ايضًا".

المثلية الدينية

قال الشيخ غيث التميمي لـ"إيلاف": "بدءًا لنؤسس قواعد تفاهم مع التدين الاصولي، بتصوري أن إمكان التعايش بين الدولة الحديثة المبنية على أساس المواطنة والمجتمع المدني وحقوق الانسان تكاد تكون مستحيلة، ذلك لأن أهم ركائز التدين الاصولي هو فرض التدين على الاخر وليس الاكتفاء باعتبار أن التدين علاقة فردية طولية بين الانسان وربه".

أضاف: "لذلك واحدة من آليات هذا النوع من التدين هو رفض الحريات الخاصة للاخرين وفرض ما استطيع أن اسميه بـ(المثلية الدينية) بمعنى أن المتدين لا يرى الآخر ويبحث فقط عن شبيهه".

وتابع: "اعتقد أن القوى السياسية المهيمنة على صناعة القرار السياسي في العراق عملت منذ عام 2011 إلى الآن على اغتيال التجربة الديمقراطية الناشئة في العراق"، منبهًا إلى انتشار ظاهرتي السلاح خارج حدود القوات المسلحة (الدستورية) وإعادة انتاج القبلية وترييف المدن في المجتمع العراقي.

 

قال: "يمارس رجال الدين دورًا مباشرًا في تغذية هاتين الظاهرتين بالتطرف والفكر الأحادي ومحاربة مظاهر التحضر والتمدن في المجتمع مثل الفن والموسيقى والسفور والاختلاط بين الجنسين وغيرها من مفردات هوية المجتمعات المتمدنة في العراق".

وتابع: "شخصيًا، اعتقد أن هذه الحملة ومثيلتها تصب باتجاه طرد مع ما يقوم به تنظيم داعش من أسلمة المجتمع العراقي وتغييب الوان الفسيفساء الاجتماعية، بل أن الأحزاب الدينية سعت خلال السنوات الخمس الماضية الى (قوننة) فرض التدين الاصولي في العراق، ومثال ذلك محاولة تشريع القانون الجعفري للأحوال الشخصية والمادة 26 في قانون البطاقة الموحدة".

فيه شكوك

اوضح الشيخ صالح مهدي العتبي أن سبب هذه الملصقات يكمن في غياب القانون. قال: "اعتقد أن الجهة التي وزعت هذه الكتابات معروفة، واعتقد انهم جماعة اليماني بل متأكد من هذا، لكنني بصراحة لا اعرف الغرض من وراء ذلك، لكن من المؤسف أن نجد مثل هذه الكتابات التي تثير المواطن وتستفزه، وانا لا ألوم احدًا لأن في البلد صار كل واحد يكتب ما يريده والسبب غياب القانون".

وأكد رجل الدين الشيخ عباس زرزور أن هذه امور شرعية قد لا افضّل الحديث فيها، لكنه قال: "ليس في الاسلام مثل هذه السلوكيات التي تشيع نوعًا من الخوف بين الناس ثم من هؤلاء الذين قاموا بهذه الافعال، فهم لم يكشفوا عن اسمائهم او جهاتهم، لهذا فالامر فيه شكوك، بل اسأل اين الدولة منهم لتكون الجدران العامة مساحات اعلانية لاشخاص غير معروفين ينشرون فيها ما يشاؤون" .

أضاف: "قد يكون ما يقولونه صحيحًا شرعيًا، وهو معروف وليس بخافٍ على احد، لكن ما الداعي إلى نشره بهذه الطريقة الغريبة، الامر برأيي لا يتعلق بكون هؤلاء يريدون اصلاح المجتمع او تنبيهه إلى مخاطر معينة بل لديهم غايات اكبر من ذلك وربما سياسية".

وتابع: "يقول الله جل وعلا (انا هديناه السبيل فأما شاكرًا اما كفورًا) ولا اعتقد أن مسلمًا لا يعرف معنى هذا، والكتب كثيرة في تعريف الحلال والحرام وما نبه الله تعالى إلى (فاجتنبوه) ولا أريد أن اتوسع في ما ليس محله فضلاً عن كونه حساسًا لكن الناس مجبولة على الاختلاف، فهناك متدينون وهناك من نسميهم علمانيين وهناك آخرون يعتقدون ما لا يعتقد غيرهم".

موقف وزارة الداخلية

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن لـ"إيلاف": "وضع مثل هذه الملصقات محاولة لثلم السلم الأهلي في بغداد وإساءة للتعايش السلمي، بغداد منذ الازل مدينة لجميع الاطياف والاديان وليست لطيف واحد، ولن يسمح لاي جهة أن تفرض طقوسها او شروطها في العيش خارج ما يفرضه القانون الذي تطبقه وزارة الداخلية والمؤسسة الأمنية وينص عليه الدستور".

أضاف: "مثل هذه الممارسات هي أفعال شخصية من جهات تحاول تصدير افكارها وهي ممنوعة ومرفوضة وإن حدثت في أماكن بالعاصمة فذلك تجاوز مرفوض وسيعالج، ووجهنا نقاط التفتيش ودوريات الشرطة لوضع حد لتلك الممارسات واعتقال من يخالف القانون في وضع الملصقات".

قال مدير تحرير صحيفة "المدى" علي حسين إن الجهات التي تعلق الملصقات معروفة، وهي تعمل في النور ولا تخشى أحداً بل أن مسؤولاً في الداخلية كان يعاتبني على اتهام وزارة الداخلية بالتستر عليهم بأن رجال الشرطة يخافون منهم وهذا يعني أن الجهات تتحرك بكامل حريتها، مشيرا إلى انه "ليست الجهات الشيعية وحدها صاحبة هذه الملصقات، فهناك أطراف سنية ايضًا تشجع على هذه المنشورات وجميعهم يحلمون بإقامة دولة الخلافة سواء بصبغتها السنية أو الشيعية او جعل بغداد صورة ثانية من قندهار".

قالت الناشطة ذكرى سرسم لـ"إيلاف": "هذه الملصقات ليست جديدة، فقد سبقت هذه الموجة حملات اشد وطأة مثل تصحيح الحجاب، حيث ملأت شوارع الكاظمية وإقامة منصة تصور نساء يحترقن في جهنم لأنهن سافرات".

أضافت سرسم: "بدا المشهد بالنسبة لي أقرب منه إلى فيلم كارتون ويقتصر تأثيره على الفئات ضئيلة التعليم، والتي تتم تنشئتها لتبقى حبيسة المنزل"، مؤكدة أن هذه الدعوات والموجات يمكن إخفاء تأثيرها الكبير على لبس المرأة حتى لاتكاد ترى اليوم موظفة في دوائر الدولة العراقية من دون حجاب الا ما ندر، وهو جزء من سياسة أحزاب السلطة التي تميز وفق الإنتماء الطائفي وتعطي اﻷولوية في تعيين النساء للمحجبات".

المسيحي لا يتكلم

لا تحدد سرسم المناطق التي علقت فيها تلك الملصقات لكنها تؤكد مشاهدة مثيلاتها في الكاظمية وقرب نقاط تفتيش كما تبين الصور. وعن أثر هذه الملصقات على المسيحيين في بغداد، تقول سرسم المسيحية: "بالنسبة إليّ، تعودت ظهور مثل هذه الدعوات بين فترة و أخرى".

لكن يوسف قاشا وهو أستاذ مسيحي قال لـ"إيلاف": "المسيحي آخر من يحق له الاعتراض لا يغرنكم دموع الساسة والمسؤولين عن المسيحيين فهم اول من شجع على تهجيرهم والسيطرة على بيوتهم ومعاملتهم كغرباء في هذا البلد".

وأضاف: "قبل فترة انتشرت غير هذه الملصقات صور تذكر بأن السيدة مريم العذراء كانت محجبة ويجب الالتزام بالحجاب، نشعر بالقلق كمسيحيين وبالتضييق على حرياتنا ومعتقداتنا، ولا نسمع للحكومة صوتًا بشأن هذه التدخلات السافرة في شؤوننا الخاصة".

وكان بطريرك الكلدان لويس ساكو اكد أن صور السيدة مريم العذراء ألصقت على أبواب كنائس وأديرة وبيوت المسيحيين التي تقع في أحياء ذات أغلبية شيعية.

سخرية مدنية

سخرت الناشطة المدنية في حقوق الانسان نداء عباس من اللافتات، قالت: "اتصور أن ما انتشر  لن يكون سوى بداية  لظاهرة ستتوسع لاسباب اهمها السجالات الساخنة في وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بين من يدعون الى دولة مدنية في العراق يوسمون بالعلمانية، وبين من يمثلون التيار الاسلامي في العراق والتي تعتبر من افرازات التظاهرات والاحتجاجات التي يشهدها العراق .

أضافت: "لنكن منصفين أن مثل تلك الشعارات كان يروج لها منذ انطلاق اولى الحملات الايمانية في العراق وبشكل خاص الدعوة الى ارتداء الحجاب، المشكلة أن مثل تلك الدعوات تلقى مما يسوغها اجتماعيًا في العراق بسبب جملة الاعراف والتقاليد والوضع الامني المتردي وانتشار الجماعات المتشددة من كافة المذاهب ممن ينظرون للمرأة من زاوية واحدة بأنها مجرد فتنة تسير على الارض، وهذا يوجب على الدولة تصنيف تلك الظاهرة كخرق للحقوق المدنية للفرد العراقي وحصر مسألة الارشاد والتوعية بالمساجد والجوامع والمراكز الدينية من دون ممارسة الضغط من أي نوع ومحاسبة أي جهة تقوم بالترويج لمثل هكذا افكار في الشوارع".

اما مجيد حميد الشمري، ا‏ل‏‏ناشط في حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني‏، فأكد أنه لا يعرف علاجًا لمثل هذه الظاهرة. قال: "المشكلة ان هنا الذي لصق الكتابات على اساس شرعي يقول انا اوصلت لكم أن الله يحرم هذه الافعال، ولو تسأل أي سياسي في الدولة ويقود كل المجتمع يقول لك انت حر في أن تتعامل وتتصافح مع العلم بأن الطرفين هما اساس في قيادة العملية الحكومية في الدولة".

تقفز فوق القانون

أما التربوي غضنفر لعيبي فقال: "من المفترض أن يعيش الانسان العراقي تحت مظلة الدستور الذي كفل للمواطن حق الحياة والتساوي بين الجميع من دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو المذهب أو العرق أو القومية أو المعتقد، إلا أن بعض الجماعات تحاول القفز فوق القانون تارة بإسم الدين وتارة باسم الاعراف الاجتماعية، ونعتقد انها مفاهيم متطرفة وطارئة على المجتمع العراقي وعلى الدين الاسلامي".

أضاف: "المجتمع العراقي يختلف جذريًا عن الدول الاسلامية المجاورة، ونؤمن بأن المسلمين هم الاغلبية في العراق، لكن يقر الاسلام ان (لا إكراه في الدين) لذلك فبعض الافعال التي تصدر من جهات دينية معينة تدعو للاستغراب وتتناقض مع الاسلام، والمناداة بتطبيق مبادئ الحريات العامة التي كفلها الدستور لا يعني خلق عداوات بين المجاميع المختلفة، بل هي محاولة لتأسيس علاقات انسانية متبادلة بين الجماعات المختلفة" .

وأوضح: "القانون هو الفيصل من خلال تطبيق المواد الدستورية التي تنص على إحترام حرية الآخر، وطالبنا في اكثر من مناسبة بقيام الدولة المدنية التي تضمن حماية جميع المواطنين بعيدًا عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، وتطبيق مبدأ المواطنة، وندعو الدولة العراقية إلى أن تساهم بنشر ثقافة التسامح وقبول الاخر، ومنع الانتهاكات والتأسيس لمبدأ المواطنة، وهذه المهمة تقع على عاتق المؤسسات الحكومية والمنظمات المختصة بحقوق الانسان، اضافة إلى المؤسسات الدينية المعتدلة التي يجب أن تؤدي دورًا أكبر بنشر مفاهيم الاسلام المعتدل".


في أخبار