يتهم اللبنانيون السنة قوات الأمن بالتعامل معهم بشدة.

جلست أم عمر في ركن مظلم بشقة بها أثاث متواضع، في منطقة باب التبانة بمدينة طرابلس اللبنانية، لكي تتأكد أن وجهها لا يظهر أمام الكاميرا.

أم عمر في منتصف الأربعينيات من العمر، وهي أم لثلاثة أطفال، لكن التجاعيد والنظرة الحزينة التي تبدو على وجهها تجعلها تبدو أكبر من ذلك بكثير.

وترغب أم عمر في سرد قصة ابنها، لكنها تخشى من انتقام المؤسسة العسكرية اللبنانية حال اكتشاف هويتها. ولذلك قمنا بتغيير اسمها.

اعتقل ابنها وعذب على مدار ثلاث سنوات ثم أطلق سراحه وهو في الرابعة والعشرين من العمر دون توجيه أية اتهامات له.

ويشبه حال أم عمر الكثير من المسلمين السنّة في منطقة الشرق الأوسط، وليس في لبنان فقط.

وتقول: "نحن ضحايا الحرب على الإرهاب"، مضيفة أن اللبنانيين السنة ليس لديهم قائد يحميهم حسب وجهة نظرها.

وتستطرد قائلة: "نحن مضطهدون. قيادات السنة تركز فقط على مصالحها ومكاسبها السياسية، ولا يحموننا. (زعيم حزب الله حسن) نصر الله يحمي المسلمين الشيعة، ووليد جنبلاط يحمي الدروز، لكن زعماءنا نحن السنة يدعون فقط للتسامح، في الوقت الذي نواجه فيه قمعا مستمرا من الحكومة"، منتقدة أجهزة الجيش والشرطة.

وتقول أم عمر إن الكثير من الشباب مثل ابنها، الذين اعتقلوا في سجن رومية سيئ السمعة، يتعرضون لخطر الانزلاق نحو التطرف، بسبب المعاملة القاسية التي تعرضوا لها خلال الاعتقال.

وأضافت: "هذه الممارسات تدفع الشباب نحو التطرف. فعندما نواجه هذه الأشياء نقول إن (تنظيم) الدولة الإسلامية أفضل من الدولة اللبنانية".

وقالت: "على الرغم من أننا نعلم أنه إذا جاء تنظيم الدولة الإسلامية إلى هنا فربما نكون نحن أول من يُقتل، لكن على الأقل سنُقتل مرة واحدة، وليس قتلا بطيئا كما يحدث الآن".

معاملة قاسية

يقع سجن رومية في قضاء المتن، شرق بيروت، ويعد واحدا من أسوأ السجون سمعة في لبنان.

وفي عام 2015، سربت فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر حراس السجن يضربون السجناء. وقام الكثير من السجناء بعدها بأعمال شغب، داعين إلى تحسين ظروف السجن.

لكن الأوضاع في السجن ساءت أكثر بعد اندلاع الحرب في سوريا المجاورة.

توجد في طرابلس مدينة غالبية من السنة، وبها يسود شعور بالاستياء والغضب إزاء الحكومة. ويقول الكثير من سكانها إن محاولات السلطات محاربة الإرهاب تأتي، فيما يبدو، بنتائج عكسية.

ويقول أحمد ستيتيه، وهو سجين سابق قضى عاما ونصف دون محاكمة: "أي شخص في أي مكان يواجه ظلما سيكون له رد فعل، على الأقل رد فعل نفسي تجاه من يظلمه".

واشتبه في أن أحمد ينضم إلى جماعة متطرفة، لكن أطلق سراحه في النهاية دون توجيه تهم إليه.

ويقول أحمد: "في عام 2007، بعد التوترات التي شهدها مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، اعتقل 50 شخصا وعذبوا واتهموا بارتكاب أعمال إرهابية. لكن أطلق سراحهم بعد ذلك دون توجيه تهم إليهم، وانضم أحدهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية".

ويعمل أحمد حاليا مع لجنة لدعم السجناء.

يشكل السنة غالبية السجناء في سجن رومية المزدحم.

ويقول: "سيلجأ عدد محدود جدا إلى رد فعل عنيف لمواجهة مثل هذا الظلم، لكننا نريد من الحكومة أن تتخذ الخطوات الصحيحة، لمنع رد الفعل هذا".

وأضاف: "يشعر الكثير من السنة أنهم مستهدفون، وأن الحكومة تعاملهم بطريقة مختلفة عن المسيحيين والشيعة. سجن رومية يعج بالسنة، لكن عندما يتعلق الأمر بالشيعة (مؤيدي) حزب الله، لا يمكن لأحد أن يمسهم بسوء، حتى لو ارتكبوا جرائم".

ومع حالة الانقسام داخل المجتمع اللبناني بين مؤيد ومعارض للرئيس السوري بشار الأسد، أرسل حزب الله اللبناني مقاتلين لدعم قوات الأسد.

وتقول أم عمر: "يعامل أعضاء حزب الله كأبطال عندما يعودون إلى لبنان، لكن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة للسنة الذين يذهبون للقتال".

وأضافت: "بينما اعتقل أولادي لدى عودتهم من سوريا، احتُفل بمقاتلي حزب الله باعتبارهم أبطالا".

"مشكلة كبيرة"

هناك شعور عام بين السنة بأنهم يدفعون ثمنا غاليا للحرب ضد الإرهاب وصعود ما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية".

ويشعر الكثيرون منهم أنهم يعاقبون على ما تفعله مجموعة صغيرة من المتطرفين.

ويقر محمد صائب، وهو مستشار بارز لوزير العدل، بأن هناك مشكلة فيما يتعلق بالطريقة التي يعامل بها السنة في لبنان.

ويقول: "سجن رومية يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للحكومة اللبنانية. يوجد بالسجن نحو 4 آلاف سجين، بينما يتسع السجن لألفين فقط".

وأضاف: "تتابع وزارة العدل هذه القضية، وتنسق مع وزارة الداخلية، لكن هذه الجهود غير كافية حتى الآن لإنهاء معاناة سجناء رومية".

وأشار إلى أن "الكثير من السجناء السنة يشعرون بسوء المعاملة، خاصة حينما يتعلق الأمر ببقاء بعضهم لعامين أو ثلاثة بلا محاكمة".

ويرى أن الأمور قد تحسنت في السجن، لكن هناك حاجة لفعل المزيد.

ودعا محمد الشعار، وهو رجل دين سني بارز في طرابلس، الحكومة اللبنانية لفرض سيادة القانون.

ويقول: "ليس لدي شك في أن سوء المعاملة والتحقيقات التي تنتهك حكم القانون، خاصة بالنسبة للشباب، قد وترت الموقف".

وأضاف: "احتجاز السجناء لسنوات دون محاكمة ينتهك حقوق الإنسان، ويمكن أن يحدث ذلك ردود فعل غاضبة، ويدفع الناس إلى الصدام مع الحكومة".

يمكن الشعور بحالة الاستياء على نطاق واسع بين السنة في بلد يعرف بانقساماته الطائفية.

ومع عدم الاستقرار في لبنان وفي ظل الحرب المحيطة به، يرى كثيرون أن هناك حاجة للإصلاح وبسرعة، لتجنب تفاقم التوترات.