GMT 9:00 2016 الثلائاء 15 نوفمبر GMT 6:07 2016 الخميس 17 نوفمبر  :آخر تحديث
«إيلاف» تقرأ الكتاب الحدث «من الصحراء»

النعيمي وأرامكو وأوبك: حصاد العمر

إيلاف

خاص بـ «إيلاف»: كان الصحافيون يقفون ساعات في انتظار أن يخرج علي النعيمي، وزير النفط السعودي السابق، من أي اجتماع لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، في أي مكان في العالم، ليفوزوا منه بكلمة يمكن أن تدلهم إلى معلومات يرومونها، وما كانوا ليحظوا منه بأكثر من تعليق عام. لذا، أن يفرغ النعيمي ما في جعبته من مذكرات في كتاب، فهذا حدث جلل.

إيلاف تقرأ الكتاب الحدث «من الصحراء»
إيلاف تقرأ الكتاب الحدث «من الصحراء» (1)
هكذا صرفت أرامكو الوزير علي النعيمي

إيلاف تقرأ الكتاب الحدث «من الصحراء» (2)
النعيمي رجل التحديات ومعاصر الأزمات

إيلاف تقرأ الكتاب الحدث «من الصحراء» (3)
أراد النعيمي الراحة فعيّنوه وزيرًا

إيلاف تقرأ الكتاب الحدث «من الصحراء» (4)
النعيمي الصعب وشديد الاصرار

لذا، تقرأ «إيلاف» كتاب النعيمي «من الصحراء: رحلتي من بدوي متنقل الى مركز النفط العالمي» لما في الزوايا من خفايا.

الرجل الأهم

يستهل النعيمي كتابه باقتباس ما قاله فيه دبلوماسيون وخبراء الطاقة ووزراء. يقول شيرارد كوبر- كولز، سفير بريطانيا في الرياض (2003-2006): "النعيمي رجل ذكي ومنضبط، لكنه شرس في الدفاع عن مصالح بلده في المحافل الدولية. ومقارنة بوزراء الطاقة البريطانيين المتعاقبين، النعيمي عملاق أمام أقزام".

أما بيل ريتشاردسون، وزير الطاقة الأميركي (1998-2001) فيقول: «النعيمي أكثر مسؤول طاقة نفوذًا وتأثيرًا في العالم. رجل صادق وحذر وأنيق ويضع بلده أولًا وفوق كل شيء، ويقظ بما يتعلق بالعلاقة السعودية الأميركية».

بدوره، يرى كريستوف دي مارجيري، الرئيس التنفيذي لشركة توتال (2010-2014) أن النعيمي «يمتلك شيئًا لا يمتلكه كثيرون: الرؤيا والبصيرة». أما بالنسبة إلى ألن غرين سبان، رئيس الاتحاد الفدرالي (1987-2006)، فالنعيمي «أهم رجل في العالم لم تسمع به«.

الفجر الجديد

في الفصل الأول من كتابه، يصف النعيمي الخيم السوداء المتصلة وقصة الذئب الذي يفترس الخراف وكيف يرافق الكبار لاصطياد الذئب الشرس. العالم الذي ولد فيه النعيمي لم يتغير منذ مئات السنين، فكل جهود العائلة تركزت على توفير ما يكفي من الطعام. يتحدث عن قسوة البيئة والشمس الحارقة، يروي في مطلع الكتاب بعض تاريخ آل سعود والبيت السعودي والصراعات القبلية وتأسيس المملكة.

يتذكر أنه عاش أول ثماني سنوات من حياته بدويًا في الصحراء. ينتمي والده ابراهيم إلى قبيلة النعيمي ووالدته فاطمة الى عائلة عجمان.

يروي النعيمي في الفصل الثاني ما جرى في ربيع عام 1933. يقول: «في ذلك العام، منح الملك امتيازا لشركة ستاندرد أويل كاليفورنيا للتنقيب عن النفط. وكان يشار للشركة بالاسم المختصر سوكال. في النهاية، وبتاريخ 4 مارس 1938، تم تدشين البئر رقم 7 الذي أطلق عليه الملك عبد الله بن عبد العزيز لاحقًا اسم بئر الخير الذي بدأ ينتج 1500 برميل من النفط يوميًا».

نجحت المملكة بتحقيق نجاحات وخطت خطوات كبيرة. لكن الطريق مليء بالصعاب والمفاجآت حيث شب حريق في البئر رقم 12 في الدمام في 8 يوليو 1939، وأدرك الناس مدى خطورة مادة البترول حين تشتعل. ظهرت تقارير عدة تتحدث عن الجهود البطولية طوال عشرة أيام لإخماد الحريق.

 

 

ويوثق النعيمي الطابع المهم الذي بدأت العلاقة الأميركية السعودية تتسم به. في فبراير 1945، التقى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بالملك السعودي عبد العزيز على متن سفينة في منطقة قناة السويس، وكانت السعودية مقبلة على فجر اقتصادي جديد.

أرامكو وإفادة العمر

يستحضر النعيمي في الفصل الثالث بداية أرامكو وتدشين أول مدرسة تابعة لها. فقد فتحت مدرسة «الجبل« فصلًا جديدًا في حياة النعيمي. في الثامنة من عمره، كان مقربًا من أخيه عبدالله الذي يكبره بخمس سنوات، وكانا يذهبان الى المدرسة ذاتها. 

 

 

في عام 1947، زار الملك عبد العزيز المنطقة ووقع الاختيار على التلميذ علي النعيمي لإلقاء قصيدة أمام الملك. كانت هذه أولى مهامته الصعبة.

يتحدث النعيمي في كتابه عن اكتسابه مهارات في اللغة الانكليزية والرياضيات، الا أن أصعب ما عاناه كان موت اخيه عبدالله في السابعة عشرة من عمره بعد اصابته بالتهاب رئوي لم تتوافر لعلاجه في زمنه المضادات الحيوية.

تحمل قصة التحاق النعيمي بآرامكو في الثانية عشرة من عمره عناصر مضحكة، فبعد 9 أشهر على توظيفه، فصل من عمله بسبب قوانين العمل الجديدة التي تحظر من لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. إلا أن النعيمي تنقل بين عمل وآخر إلى ان نجح في النهاية في الالتحاق بأرامكو، بمساعدة طبيب يدعى الدكتور حسن الذي تعاطف مع النعيمي وزوده ورقةً تفيد بأنه في السابعة عشرة... وربما في الثامنة عشرة. بهذه الإفادة، عين النعيمي رسميًا بتاريخ ٦ ديسمبر 1947 في شركة أرامكو.

 

 

يختم النعيمي الفصل الثالث قائلًا إن لغته الانجليزية وصلت مستوى عاليًا بحلول عام 1948، ويتحدث قليلًا عن استاذ اللغة الانكليزية الاسكوتلاندي غليظ البنية وقصير القامة بلحية خشنة حمراء شعثة، وشارب كث، وصوت جهوري مرتفع.

سلاح النفط.. أول مرة

في الفصل الرابع، يتحدث النعيمي عن تطورات دراماتيكية بين عامي 1953 و1959. كان عام 1953 مهمًا جدًا في حياة النعيمي، إذ حصل على منحة للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم في كلية حلب، «تلك المدينة السورية الجميلة التي دمرها نظام بشار الأسد».

وعودة إلى السعودية، أضرب عمال مصفاة رأس التنورة احتجاجًا على أوضاع العمل والأجور الرديئة، فاضطرت أرامكو إلى رفع الأجور لإنهاء الاضراب. الا أنه لم ينته بهذا الاجراء، بل تبعته سلسلة من الاضرابات التي أجبرت الشركة على تحسين شروط العمل.

 

 

يروي النعيمي قصة قيادته السيارة وكيف تنقلب في الرمال. يتذكر الاعتداء الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي على مصر في 29 اكتوبر 1956، وتدخل الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور لايقاف الهجوم. وفي تلك الحقبة، تلجأ السعودية للمرة الأولى في تاريخها إلى سلاح النفط، وتتفق مع منتجي نفط آخرين على حظر تصدير النفط إلى فرنسا وبريطانيا.

في تلك الاثناء، التزمت أرامكو برنامج تطوير السعوديين وتعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم لأدوار مهنية محترفة في قطاع النفط. ويختم الفصل الرابع بالقول: ««لن تبقى الأمور كما هي».

الزمن الحزين

أما في الفصل الخامس، فيتحدث النعيمي عن حقبة استمرت ثلاث سنوات، بين عامي 1959 و1961، تبدأ بالصدمة الثقافية التي واجهها في الولايات المتحدة. يقول النعيمي إنه فكر بالعودة الى السعودية بعد أربعة أيام فقط، «لكني قررت البقاء وحضرت دورة توجيهية في جامعة بكنال في بنسلفانيا للتعرف على أميركا والتأقلم«، وهو الذي لم يكن معجبًا بإلفيس بريسلي، المغني الأشهر في اواخر خميسنيات القرن العشرين.

 

 

بعد شتاء أميركي قاس، نجح النعيمي في اقناع أرامكو بتوفير المال لشراء سيارة فولسفاغن بيتل. بعدها، حضر دورة دراسية وميدانية في جامعة وايومنغ في الجيولوجيا.

في أواخر عام 1960، كانت أميركا على وشك تغيير كبير، فانتهت ولاية ايزنهاور الرئاسية وبدأ عهد الشاب الديناميكي جون كيندي الذي ربح الانتخابات الرئاسية ودخل البيت الأبيض في يناير 1961. عام 1961 سيبقى في ذاكرة النعيمي، إذ خطف المرض والده من دون أن يتمكن من حضور الجنازة. فلم يكن لديه ما يكفي من المال للسفر الى السعودية ثم العودة الى الولايات المتحدة... كان زمنًا حزينًا.

الزواج والماجيستير

يتحدث النعيمي في الفصل السادس من الكتاب عن مغامرة جديدة عايش تفاصيلها في ولايتي أريزونا ونيو مكسيكو، حين كان يؤدي هناك مهمة تطبيقيةً ميدانيةً تتعلق بالمسح الجيولوجي للمياه الجوفية في الولايتين.

كان البرنامج ذاك تحت اشراف الأستاذ ستانلي ديفيز الذي أسدى النعيمي نصائح تتعلق بطموحه في إكمال دراسته والحصول على ماجستير في العلوم الجيولوجية. وقُبل النعيمي فعلًا في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا. 

يروي النعيمي حكاية بسيطة لكن مضحكة: ذهب إلى مطعم مكسيكي في مدينة ألبوكيركي في نيو مكسيكو. هناك، ظنت نادلة مكسيكية أنه مكسيكي بسبب ملامحه العربية، فقدمت له لائحة مأكولات باللغة الاسبانية. وعندما طلب لائحة بالانجليزية ظنت انه يمزح وتجاهلت طلبه واضطر أن يطلب مساعدة آخرين ليأكل.

بعد التخرج من جامعة ليهاي في ولاية بنسلفانيا، وقبل بداية عامه الثاني في برنامح الماجستير في الجيولوجيا في جامعة ستانفورد، تقدم النعيمي لخطبة فتاة من عائلة معروفة، وتزوج شريكة حياته التي سافرت معه إلى الولايات المتحدة. في 23 يوليو 1963، ولدت ابنته الأولى ريم. وبعد شهرين، كان يتم فرحته بالحصول على الماجستير.

عاد إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة ليودع الأصدقاء، واستقل الطائرة من المطار الذي سمي تيمنًا بجون كينيدي بعد اغتياله. هذا الاغتيال الذي هز العالم، والذي يقول فيه النعيمي: «عندما أنظر إلى تلك الحادثة الأليمة، تبدو لي تحذيرًا مسبقًا من أن عالمنا صار مكانًا خطرًا».

أبو رامي وأوبك

في الفصل السابع من مذكراته، يقول إنه كان بعدُ في التاسعة والعشرين عندما تبوأ أرفع منصب يمكن ان يتبوأه سعودي في دائرة الانتاج والاكتشاف في عام 1964، «ولفترة قصيرة، شغلت منصبًا في قسم الموارد المائية في وزارة الزراعة، وعلى الرغم من أهمية المنصب والراتب، قررت العودة إلى أرامكو بعد اشهر قليلة». 

في أرامكو، لم تكن الأمور سهلة. شكا النعيمي من البيروقراطية التي تعيق تنفيذ القرارات أو تؤخرها، ملاحظًا أن عوامل خارجية كانت تؤثر في اتخاذ القرارات في ارامكو ذاتها. 

في ذلك الحين، مر العام النفطي بنقطة تحول كبيرة، لا تزال تؤثر في السوق النفطية في يومنا هذا: تأسيس السعودية وفنزويلا والكويت وايران والعراق منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك». حفّز هذا التطور أرامكو على انتهاج علاقة جيدة وبناءة مع الحكومة السعودية واتخاذ خطوات إيجابية كتدريب عدد أكبر من السعوديين على جميع المستويات. 

بحسب مذكرات النعيمي، ظهر فجاة اسم معروف ومألوف هو اسم أحمد زكي يماني الذي خلف عبدالله الطريقي وزيرًا للبترول والمعادن في عام 1962. يتحدث عن علاقة عمل تربطه باليماني، ويذكر أنه قابل اليماني والطريقي في مؤتمر نفطي في القاهرة في عام 1965.

وفي عام 1966، ولد رامي، بكر علي النعيمي، وصار أبو رامي كما هي العادة في المجتمعات العربية. عرض عليه منصب في مدينة بقيق (65 كم عن الظهران)، وهي مفترق طرق أو مجمع شبكة خطوط أنابيب تربط حقول النفط الكبيرة. في عام 1969، عيّن النعيمي مديرًا مشرفًا في بقيق. وفي 1970، ولدت ابنته الثانية ندى. يقول: «هذه ايام حلوة في المنزل مع العائلة ولكنها مليئة بالاحباط في العمل». 

اتت التغييرات المزلزلة في سبعينيات القرن الماضي، مع مبادرة سورية ومصر بالهجوم على إسرائيل في اكتوبر 1973. رفعت «أوبك» أسعار النفط إلى مستويات عالية جديدة. وعندما قدمت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية واليابان العون لاسرائيل، أعلنت «أوبك» حظر التصدير لتلك الدول. وعندما أعلن الملك فيصل قرار الحظر خلق هذا بعض الارتباك في أرامكو التي يديرها أميركيون ايضا، فلم تكن أرامكو سعودية بالكامل بعد، وكانت مشاركة السعودية في آرامكو لا تتعدى 25 في المئة فقط.

في خريف 1974، رُقّي النعيمي إلى منصب مدير المنطقة الشمالية لإنتاج النفط وصار مسؤولًا عن أكبر 15 حقلا نفطيا.

مرحلة الخطط الخمسية

في الفصل الثامن، يقول النعيمي: «نشاطنا ازداد واتسع، حتى قبل أن ترتفع اسعار النفط ثلاثة اضعاف بسبب حظر التصدير. ارتفع طلب الولايات المتحدة واوروبا واليابان على النفط بشكل ملحوظ في أوائل السبعينيات». 

في الأول من مايو 1975، عُيّن النعيمي نائبًا لرئيس أرامكو. في هذه المرحلة، كان الاقتصاد السعودي قد انتقل إلى مرحلة جديدة بعد إطلاق الملك فيصل في عام 1970 الخطة الخمسية الأولى بمساعدة خبراء من جامعة ستانفورد، ما رفع دخل المملكة من النفط أول مرة لما يزيد على مليار دولار. 

وضعت الخطة الخمسية الثانية حيز التنفيذ في مارس 1975، وكان حجر أساسها مشروع الغاز الكبير وتكلفته بين 12 و14 مليار دولار، وهذا أكبر مشروع طاقة في تاريخ المملكة. من المحزن أن الملك فيصل لم يعش ليشاهد ثمار الخطة الخمسية الثانية بعدما اغتاله أمير منحرف عقليًا. 

في أواسط ديسمبر 1975، هاجم إرهابيون بقيادة كارلوس مقر "أوبك" في فيينا وأحتجزوا احمد زكي يماني وخمسة وزراء نفط عرب رهائن إلى جانب آخرين. 

أدار النعيمي مكتب أرامكو في مدينة لاهاي الهولندية 6 اشهر، وعاد بعدها الى المملكة ليعيّن أحد كبار نواب رئيس آرامكو في تموز 1978. يقول النعيمي: "كنت مستعدًا لمواجهة أي مهمات صعبة وتحديات في مجال العمل". 

لم يتوقف النعيمي عن الدراسة، فسافر في عام 1974 إلى نيويورك لمتابعة دورة دراسية في الادارة المتقدمة في جامعة كولومبيا، ثم ذهب في دورة ثانية إلى الجامعة نفسها بعد خمسة أعوام.

زمن الأزمات

في الفصل التاسع، يروي النعيمي حوادث حصلت بين عامي 1977 و1983، فالأزمات توالت: أزمة في ايران حيث توقف ضخ النفط الايراني في 25 ديسمبر 1978 وسط احتجاجات شعبية ضد الشاه الذي هرب في 16 يناير 1979، ليستلم الحكم آية الله الخميني، ثم عودة إنتاج النفط تدريجًا في ربيع 1979. حينئذٍ، عوضت السعودية نقص الامداد، فارتفع الانتاج السعودي إلى 10.50 ملايين برميل يوميًا.

يتذكر النعيمي أن الوزير أحمد زكي يماني كان يعارض استعمال النفط سلاحًا لأسباب عدة، منها تشجيع الدول المستوردة للنفط في الاقتصاد في استعمال الطاقة، والبحث عن طاقة بديلة.

اشتعلت الحرب بين العراق وايران في خريف 1980، وبقي سعر النفط فوق 40 دولارًا للبرميل. وتبعت كوارث أخرى كاقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز 63 اميركيًا رهائن، ثم الهجوم على الحرم المكي في أثناء موسم الحج في 20 نوفمبر 1979.

في عام 1980، تم انتخاب النعيمي عضوًا في مجلس ادارة أرامكو التي انتقلت ملكيتها إلى الحكومة السعودية بنسبة 100 في المئة. 

تطرق علي النعيمي لتطور آخر: تعيين نساء في مناصب مختلفة في أرامكو في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، أمثال نائلة موصلي، أول مهندسة بترول سعودية.

انتخب مجلس الادارة النعميي رئيسًا لأرامكو في نوفمبر 1983، وبدأ العمل في هذا المنصب رسميًا في يناير 1984. قال يماني إن النعيمي استحق هذا المنصب بسبب كفاءته.

القرار الخطأ

في الفصل العاشر، يروي النعيمي أن أواسط الثمانينيات كانت صعبة جدًا، إذ انهارت اسعار النفط في عام 1986، وتصاعد انتاج النفط في دول خارج اوبك، في ألاسكا وبحر الشمال والمكسيك. 

يعتقد أن موافقة السعودية لعب دور المنتج الترجيحي في أوبك كانت قرارًا خاطئًا، «فهذا القرار كلف المملكة ثمناً باهظاً، وفي النهاية خسر وزير البترول منصبه، فكلما ازداد الانتاج السعودي انهار السعر والعكس صحيح، وهذا مكلف وباهظ بالنسبة إلى السعودية». وأدت الأزمة النفطية في الثمانينيات إلى تجميد المشروعات وإيقاف أنشطة عدة.

اجتمعت اوبك في جنيف في يوليو واغسطس 1986 لبحث تطبيق نظام الحصص. يروي النعيمي: «كانت السعودية تريد سعرًا لا يقل عن 18 دولارًا للبرميل، وشعر البعض أن الوزير يماني لم يكن قويًا بما فيه الكفاية في دفاعه عن الموقف السعودي في المحافل الدولية، ولم يعكس وجهة نظر الملك بحزم». 

في العام نفسه، يعين الملك هشام ناظر وزيرًا للبترول محل أحمد زكي يماني، فيصير ناظر الرئيس العام لأرامكو، والنعيمي الرئيس التنفيذي. وفي نوفمبر 1988، وافق مجلس الوزراء على تأسيس أرامكو السعودية بعد التشاور مع هشام ناظر.

في أغسطس 1988، انتهت الحرب العراقية الايرانية بلا غالب ولا مغلوب. فرحنا بعودة الاستقرار للمنطقة... ويختتم علي النعيمي الفصل العاشر بالقول: «كم كنا مخطئين».

غزو الكويت

في الفصل الحادي عشر من كتابه «من الصحراء»، يتذكر علي النعيمي تفصيلات كانت مستورة من أزمة الكويت. فهو كان في مؤتمر في مدينة أسبن بولاية كولارادو الأميركية حين وصله نبأ اجتياح قوات صدام حسين الكويت في 2 أغسطس 1990، فقابل مارغريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، وطمأنته أن احتلال الكويت لن يبقى ولن يستمر. 

يقول: «أول مرة أشعر أنه منذ الحرب العالمية الثانية باتت حقول النفط والمنشآت النفطية السعودية مهددة».

اتخذت الدول الصناعية الكبرى قرارًا بعدم شراء النفط من العراق أو من الكويت، فحرم هذا القرار السوق من 4.8 ملايين برميل يوميًا وارتفعت، فارتفع سعر البرميل من 16 إلى 35 دولارًا.

بحسب مذكرات النعيمي، بدأت التجهيزات والتعبئة لتحرير الكويت تأخذ طابعًا عاجلًا. وفي 6 اغسطس، وصل نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إلى الرياض وعقد لقاء عاجلًا مع الملك فهد وولي العهد الملك عبدالله، "وخلال شهر من الزمان، تمت تعبئة 200 ألف جندي على الحدود العراقية. وبحلول بداية 1991 وصلت القوة العسكرية للحلفاء إلى 700 ألف عسكري و540 ألفًا منها جاءت من الولايات المتحدة".

في إطار الجهد العسكري الضخم، يقول النعيمي: "قمنا بإعادة تأهيل 146 بئر نفط، و12 محطة لعزل الغاز الطبيعي. ارتفع انتاجنا النفطي من 5.4 ملايين إلى 8.5 ملايين برميل يوميًا. وكما كان متوقعًا، هاجمت القوات العراقية منطقة خفجي الحدودية وتم دحر الهجوم.

بدأ هجوم الحلفاء الأرضي ضد جحافل صدام حسين في 24 فبراير 1991. هُزم صدام وحرّرت الكويت.

مستقبل واعد بالخير

في الفصل الثاني عشر، يقول: "بينما كنا نبحث عن فرص للنمو والازدهار لصناعتنا النفطية نرى أن الصين تجلس من دون أن يأبه بها أحد. وبدأنا بسلسلة زيارات للصين ابتداء من 1989. كانت لدينا رغبة شديدة في بناء علاقات عمل ومشاريع مع الصينيين، وكذلك مع كوريا الجنوبية". 

تشتري كوريا النفط السعودي منذ سبعينيات القرن الماضي، وفي 26 نوفمبر 1990، تم الاتفاق على بناء مصفاة بترول مشتركة مع شركة سانغ يونغ للتكرير. فهذه واحدة من شركات الطاقة الاكثر ربحية في كوريا. هذا المشروع كان مجرد وضع الخطوة السعودية الأولى داخل باب المنزل الكوري. وتطورت وتعمقت علاقاتنا مع كوريا مع مرور الأعوام. 

كانت السعودية المصدر الأكبر للنفط لكوريا، حيث بلغت الصادرات 820 ألف برميل يوميًا. وفي كوريا، التقى النعيمي وزير خارجية كوريا بان كي مون، الذي سيصبح مستقبلا الأمين العام للأمم المتحدة.

منحت جامعة سيئول الوطنية شهادة فخرية للنعيمي. لكن كانن هناك مفاجأة أخرى بانتظاره. يتذكر: "بعد أن حصلنا على حصة في مجمع أونسان للمصافي زرت الموقع تلبية لدعوة من الحكومة الكورية ووجدت أن شارعاً يحمل اسمي (شارع علي النعيمي) باللغة الانجليزية، حيث أطلقت الجهات المعنية بترقيم وتسمية الشوارع في كوريا الجنوبية اسم وزير البترول السعودي علي النعيمي على أحد الشوارع الهامة والقريبة من مصفاة النفط الكورية، ويأتي ذلك تقديرًا لدور المملكة وحضورها الدولي في عالم الاقتصاد والنفط، هذا فضلاً عن مكانتها العالمية بين دول العالم".

يقارن النعيمي بين طريقة التعامل في كوريا واليابان. يقول: "اكتشفت أن في اليابان كلمة نعم تعني اننا نسمعك ولا تعني الموافقة". ويروي لنا قصة المساومة في شرائه عقدًا من الماس في هونغ كونغ، ومن خلال التفاوض هبط السعر المطلوب من 35 ألف دولار لخمسة آلاف دولار فقط. لا نعرف اذا اشترى العقد أم لم يشتره، حيث قال لرجل المبيعات لو كان ألماسًا حقيقيًا لما هبط السعر إلى خمس السعر الرسمي.

محمد علي وأنجال النعيمي

التقت نجلته الصغيرة ندى الملاكم المشهور محمد علي الذي كان يقيم في الفندق نفسه، وكم كان محمد علي مبتهجًا عندما قال له النعيمي إن نجله يدعى محمد، واباه علي، لذلك فان اسمه ايضا محمد علي وقام الملاكم الاسطوري بتقبيل الطفل محمد النعيمي. 

العمل الدؤوب والجهود الكبيرة التي بذلت من اجل فتح الصين للنفط السعودي والمشاريع والاستثمارات حققت النجاح في 2007 حيث تم توقيع اتفاقات بين الشركة التابعة "أرامكو السعودية الصينية" مع شركائنا الصينيين شركة تشاينا بتروكميكل كوربورويشن للبتروكيماويات ساينوبك الصينية. الآن تزود السعودية تقريبًا 70 في المئة من النفط الخام لآسيا.

وقت الراحة

يتحدث النعيمي في الفصل الثالث عشر عن ارساله رسالة إلى وزير البترول هاشم ناظر في عام 1993 يطلب السماح له بالتقاعد بعد عامين. وضع ناظر الرسالة أمام الملك فهد الذي رفض الطلب. بعد زيارة ثانية للفيليبين في يونيو 1993، ذهب النعيمي إلى ألاسكا ليشارك برحلة لصيد سمك بدعوة وترتيب شركة بيكتيل التي تقوم بمشاريع بناء ضخمة في الخليج، ويقول النعيمي: "كنت أتشوق لرحلة صيد السمك والاسترخاء". وتبين في ما بعد أن هذا أمر غير وارد.

يستطرد النعيمي: "بينما كنت في رحلتي لصيد سمك السالمون في آلاسكا للمتعة والاسترخاء فاصطاد وأعيد السمكة إلى الماء بعد صيدها، وفي أثناء سيري في مطار صغير، تأهبًا لرحلة لموقع صيد السمك، سمعت نداء على نظام الاتصال الصوتي يطلب مني الاتصال برقم هاتف في جدة، تجاهلت المكالمة وواصلت الرحلة إلى موقع الصيد في طائرة صغيرة. اكتشفت في اليوم التالي أن المكالمة كانت من الشيخ ابراهيم العنقري، مستشار خاص للملك فهد. قلت له ماذا تريد يا شيخ ابراهيم انا مشغول في صيد السمك في ولاية ألسكا الأميركية".

اجاب: "تم تعيينك وزيرًا للبترول والثروة المعدنية، الرجاء العودة إلى المملكة الاربعاء وسيتم الاعلان عن ذلك التعيين رسميًا". واختار النعيمي عبدالله جمعة ليخلفه كرئيس تنفيذي لأرامكو. يقول النعيمي: "حاولت دائمًا أن افعل ما هو صحيح لأرامكو أو المملكة وليس لنفسي".

كارثة أوبك ومؤتمر جاكرتا

لعدة سنوات، كان معدل سعر النفط 18 دولارًا للبرميل، لكن الأسعار لمست 21 دولارًا في أكتوبر 1997 فترة قصيرة فقط قبل أن يتراجع السعر بسبب ارتفاع التخمة في السوق وتناقص الطلب. وبحسب أرقام وكالة الطاقة الدولية، بلغ انتاج أوبك اليومي 25.84 مليون برميل يوميًا في عام 1997 وارتفع إلى 28.53 مليون برميل يوميًا عام 1998.

في اجتماع اوبك في جاكرتا في نوفمبر 1997، كانت "أوبك بحالة من الفوضى والانقسامات واتخذت اوبك قرارًا كارثيًا، برفع الإنتاج وانهار السعر إلى 6 دولارات للبرميل. في عام 1998، هبطت ايرادات السعودية من النفط بنسبة 30 في المئة وارتفعت مديونية الحكومة إلى 100 في المئة من اجمالي الانتاج المحلي. وفي مارس 1999 تحدث ولي العهد الأمير عبدالله مع الرئيس الايراني محمد خاتمي واتفقا على ايقاف انهيار الأسعار، وفي 8 مارس عقد اجتماعًا مع وزير البترول الايراني بيجان زنغنة وتبع ذلك بلقاءات مع وزراء بترول الكويت وقطر وعمان وتم التزام الخطوات اللازمة لتخفيض الانتاج.

يقول النعيمي: "اتفاق 12 مارس 1999 ألزم أوبك ودولا منتجة للنفط خارج اوبك، كالنرويج والمكسيك وعمان، لتخفيض الانتاج بما يعادل 2.1 مليون برميل يوميا".

وبحلول مارس 2000 انتعشت الأسعار وارتفعت إلى 25 دولارًا للبرميل بينما كان المعدل 18 دولارا لعام 1999. وفي صيف عام 2000 رفعت السعودية انتاجها لتبريد حدة ارتفاع الاسعار التي وصلت إلى 30 دولارًا للبرميل. 

يختم النعيمي هذا الفصل بقوله: "أول 5 سنوات كوزير للنفط كانت تجربة بالنار ولكنني نجوت من الحريق. الأمر الأهم أن السعودية فرضت ذاتها كالمنتج النفطي القيادي ليس فقط في اوبك بل حول العالم، وكنت واثقا أن التحالفات والتفاهمات التي قمنا بتأسيسها اثناء الأزمة ستخدمنا جيدا عندما نواصل تخطيطنا للمستقبل". ربما أن هذا كان مجرد تمنيات فقط.

معجزة شيبة

في الفصل الرابع عشر، يتحدث النعيمي عن حقل شيبة أحد معجزات أرامكو التي حولت الصحراء إلى مدينة عصرية. فشيبة كانت الامتحان العسير بحسب رأي النعيمي. وهي تقع في صحراء الربع الخالي، المنطقة السعودية الصعبة مناخيًا وبيئيًا.

يفتخر النعيمي بتحقيق مغامرة تطوير حقول شيبة الصعبة جدًا، جغرافيًا وجيولوجيًا، فطواقم أرامكو استطاعت مواجهة التحديات البيئية القاسية وأنجزت هذا المشروع رغم كل التحديات التقنية.

تم بناء خط انابيب فوق الأرض طوله 645 كم من شيبة إلى بقيق وكلف المشروع 1.7 مليار دولار أي 800 مليون دولار أقل من الميزانية المخصصة للمشروع البالغة 2.5 مليار دولار. تم تشييد البنية التحتية الكاملة: مساكن لألف موظف، وتعبيد الطرق، ومطار. وما يدعو للفخر أن هذا انجاز سعودي بامتياز حيث أن اكثر من 90% من الفنيين والتقنيين والعاملين هم سعوديون. 

ليست أهمية شيبة في انها معجزة فحسب، بل إن نوعية النفط الخام الذي يستخرج من حقول شيبة ذات جودة عالية من النفط الخفيف للغاية وعليه طلب شديد من قبل المصافي لسهولة التكرير ومزجه مع أنواع اخرى. وينتج الحقل 500 ألف برميل يوميًا من الخام الخفيف.

مبادرة الغاز

في الفصل الخامس عشر، يقول النعيمي في كتابه: "بعد أقل من عامين من تعييني وزيرًا للبترول في عام 1995، انهارت أسعار النفط. في عام 1997، سألني الأمير بندر سفير السعودية في واشنطن كيف يمكن استعمال النفط لتقوية العلاقة الأميركية السعودية؟ قلت له يجب أن يتحدث مع بيتر بيجور الرئيس التنفيذي لشركة تكساكو آنذاك الذي قال عليكم فتح السعودية أمام الشركات. وكان رأيي أن على الولايات المتحدة أن توافق على السماح لنا بالعمل في مجالات وأنشطة التوزيع والبيع داخل الولايات المتحدة، أي ما يسمى عمليات داون ستريم في أميركا ذاتها. لكن الشركات العالمية تريد الدخول في مشروعات النفط والغاز الأولية السعودية أي عمليات الاكتشاف والانتاج أو ما يسمى آب ستريم".

من وجهة نظر النعيمي، آرامكو السعودية أكثر من قادرة على تطوير مصادر الثروة النفطية واستغلالها، والسعودية ليست بحاجة إلى شركات أميركية ودولية، "إنها مسألة كبرياء بالنسبة إلينا، فلماذا نسمح لشركات أجنبية أن تجني ارباحًا على حسابنا؟".

يتابع: "اتفقنا أن أي استثمار لشركات دولية يجب أن يكون مرتبطًا ببناء البنية التحتية الحيوية التي تحتاجها المملكة، وهذا اصبح يعرف بمبادرة الغاز، وتم اختيار 8 شركات للمشاركة في 3 مشروعات أساسية بقيمة 25 مليار دولار. واخذت اكسون موبيل الدور القيادي في مشروعين".

في نظر النعيمي، هذه الشركات الدولية غير واقعية في مطالبها لدرجة الطمع لأنها تطلب ضمانات بعائد سنوي بين 18 و20 في المئة، "ونحن لا نقدر أن نضمن اكثر من 10 إلى 12 في المئة. وربما كنت الصوت الوحيد على المستوى الوزاري اجادل ضد مطالب الشركات".

حاول السيد لي ريموند رئيس مجلس ادارة إكسون موبيل الأميركية العملاقة استغلال علاقته بوزير الخارجية سعود الفيصل للحصول على شروط أفضل. طلب مني الأمير سعود الفيصل أن اذهب وفريقي التفاوضي إلى كاليفورنيا لمقابلة ريموند. في اللقاء، قلت له: "تريدون الاستفادة بطريقة غير عادلة". 

ويختم: "في نهاية المطاف، منحنا الشركات الأجنبية مشروعات اكتشاف الغاز وإنتاجه. وشمل المشروع شركتي شل وتوتال. كما دخلت أرامكو السعودية في مشروعات مشتركة مع لاك اويل الروسية وساينوبيك الصينية وايني الايطالية وريبسول الاسبانية، وجاءنا دعم غير مشروط من ولي العهد الأمير عبدالله". 

إن شاء الله

في الفصل السادس عشر، يتحدث النعيمي عن تصادم الثقافات، فيذكر كيف أخذ اليابانيون كلمة إن شاء الله من الملك على انها موافقة رسمية، ما خلق ارتباكًا في صفوف مسؤولي أرامكو والشركة اليابانية. فيبدو أن رئيس الوزراء الياباني آنذاك ميزو أوبوشي تحدث سابقًا مع الملك، وعندما قال له الملك "ان شاء الله" فهمها رئيس الوزراء الياباني انها موافقة رسمية لمنح شركة نيبون أويل حقوق امتيازات في مجال النفط في السعودية.

زار النعيمي واشنطن في أبريل 2001 وعقد اجتماع مع ديك تشيني، وزير الدفاع الاسبق والرئيس التنفيذي لشركة هاليبيورتون، وناقشا الحاجة إلى زيادة الانتاج النفطي في ظل انفجار فقاعة الدوت كوم (فقاعة الإنترنت أو تكنولوجيا المعلومات)، وكانت فقاعة اقتصادية امتدت بين 1995 و2000. في هذه الفترة، نمت اسواق البورصة في الدول الصناعية إلى مستويات غير عادية في الصناعات المتعلقة بالإنترنت قبل أن تنهار وتنفجر وتسبب خسارات فادحة للشركات والأفراد المساهمين في تلك الشركات.

يشير النعيمي إلى أن وزير الطاقة الأميركي الأسبق سبينسر ابراهام قال إن السعودية حليف قوي وعضو هام في اوبك، "فعدت إلى السعودية متفائلًا أن إدارة الرئيس بوش ستكون حليفة جيدة لبلادنا".

وكانت الصاعقة في 11 سبتمبر 2001، والهجمات التي نفذها عناصر من القاعدة، أغلبيتهم من أصل سعودي. هبطت اسعار النفط دون 20 دولارًا ووافق اعضاء أوبك على أن هناك حاجة لتخفيض الانتاج، وكنا مصرين أن يشارك المنتجون خارج اوبك في هذا التخفيض، فوافقت النرويج والمكسيك وروسيا.

ويروي النعيمي أن ولي العهد آنذاك الأمير عبدالله زار الرئيس الأميركي بوش في مزرعته في تكساس، فاستقبلته في المطار مجموعة من المسنين الأميركيين من ذوي الشعر الأبيض، في سبعينياتهم وثمانينياتهم. ما أتوا احتجاجًا على الزيارة بل قدموا لولي العهد ورودًا وزهورًا وهدايا. وتبين أنهم موظفون متقاعدون عملوا في شركة آرامكو، الأمر الذي أثلج صدر ولي العهد، وكان مشهدًا يدفيء القلوب.

في عام 2004، تعافى الطلب العالمي وتقلص المعروض فارتفعت اسعار النفط إلى ما فوق 50 دولارًا للبرميل. وفي أول اغسطس 2005، نعت المملكة وفاة الملك فهد الذي كان سلّم مقاليد السلطة لولي عهده قبل سنوات.
وبعد اعصار كاترينا، أغلقت الآبار والمصافي والمنشآت في خليج المكسيك وارتفع سعر النفط إلى 70 دولارًا. ويقول النعيمي أن كل نظريات نضوب النفط او الاستغناء عن النفط اثبتت انها خاطئة. 

صعبٌ وشديد الاصرار 

في الفصل السابع عشر، يتحدث النعيمي عن حلم بناء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية الذي تحقق بين عامي 2006 و2009. فالملك عبدالله حقق حلمه في تأسيس جامعة مرموقة مميزة، وهذا المشروع مهم ومثير للنعيمي شخصيًا.

هناك جامعات عديدة في السعودية لتلبية حاجة الطالب التعليمية، لكن الملك عبدالله أراد جامعة من طراز "بيت الحكمة" المعاصر. وأخذت ارامكو على عاتقها تشييد الجامعة والبنية التحتية اللازمة. وتمت الاستعانة بمؤسسات بحوث ودراسات ومتقاعدين في مجال التعليم الجامعي وحصلت زيارات إلى جامعات عريقة مثل كامبريدج في بريطانيا وستانفورد وبيركلي في الولايات المتحدة. وبحسب رؤية الملك عبدالله، يجب أن تكون الجامعة مركزًا تعليميًا لاجتذاب الطلبة النابغين والاساتذة المرموقين، اي أن تكون مجتمعًا أكاديميًا رفيع المستوى.

في اكتوبر 2007، بدأت ارامكو السعودية ببناء الأساسات للجامعة وعقد احتفال كبير حضره الملك عبدالله و1500 شخصية هامة ولم يكن من حاجة للانتظار حتى اكمال عمليات البناء العمراني قبل البدء في النشاط الاكاديمي. 

وقع الملك توجيهًا لتخصيص 10 مليارات دولار في حساب الجامعة من ايرادات آرامكو وتبين أن هذا المبلغ غير كافٍ. وذهب النعيمي إلى الملك ليطلب 10 مليارات دولار اضافية، فقال له الملك: "انت رجل صعب شديد الاصرار"، ووافق. 

بدأت حملة مكثفة مدروسة لتجنيد اكاديميين وقادة جامعات من مختلف انحاء العالم، وكان تحديًا ضخمًا من النوع الذي يجلب الرضا والسرور.

السعودية تحت الضغط

في الفصل الثامن عشر من الكتاب، يتذكر النعيمي تخصيص ميزانيات ضخمة لبناء مدن جديدة وصناعات ومشروعات مشتركة مع سوميتومو اليابانية وشركة دو كيميكل الأميركية العملاقة للكيماويات في اطار تطوير التصنيع البتروكيماوي وتنويع الاقتصاد، وكذلك مشروعات ضخمة في الجبيل. كانت أسعار النفط مرتفعة، نحو 103.95 دولارات في 3 مارس 2008.

كالعادة، مورست الضغوط الدولية على السعودية لتقوم بعمل ما لتخفيض الأسعار. وزار الرئيس جورج بوش ووزير دفاعه ديك تشيني السعودية في اواسط يناير 2008. ما أثار استغراب النعيمي هو جهل قادة اوروبا وأميركا بميكانيكيات السوق النفطية، وقال إنهم يحتاجون إلى دروس ليعلموا كيف تعمل اسواق النفط على واقع الأرض وليس كما يتحدث المنظرون. يطلبون من السعودية زيادة الانتاج كي تتوقف الأسعار عن الارتفاع، لكنهم ليسوا على استعداد لشراء النفط الاضافي الذي سننتجه. 

عندما طلب رئيس وزراء بريطانيا الأسبق غوردون براون أن تقوم السعودية برفع الانتاج سأله النعيمي هل لديكم استعداد لشراء الكميات الاضافية؟ قال براون لا.

أعلنت السعودية انها سترفع الانتاج بحدود 200 ألف برميل يوميًا إلى 9.7 ملايين برميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 1981. 

تغير العالم مع افلاس شركة ليمان الاستثمارية والمالية في 15 سبتمبر 2008. وتبع ذلك هبوط أسعار النفط لأقل من 60 دولارًا للبرميل، ثم أقل من 40 دولارًا في ديسمبر. اوبك أجرت تخفيضات كبيرة، بحدود 4.2 ملايين برميل. انخفض الانتاج السعودي إلى 7.7 ملايين برميل يوميًا، وانتعشت الأسعار 2009 إلى نطاق 40 - 50 دولارًا، والى 60 دولارًا في يونيو 2009.

وتحدث النعيمي عن الطاقة البديلة، وقال إن السعودية تهتم في الطاقة الشمسية وحماية البيئة، "لكنها ليست الحل الكافي الوحيد، وتبقى المخزونات النفطية تحت الأرض الحل على المدى الطويل، ويجب أن تستغل السعودية التقنيات المتقدمة لتخفيف آثار ثاني أكسيد الكربون على البيئة وتستغل السعودية 800 الف طن سنويا من غاز ثاني اكسيد الكربون وغازات أخرى يتم نقلها عبر انابيب من منشأة الحوية لمرافقها لسوائل الغاز الطبيعي في العثمانية حيث يتم حقن الغاز للمحافظة على الضغط في آبار النفط".

ينهي هذا الفصل بالقول: "ظننت أننا سندخل مرحلة جديدة من الهدوء والتأمل. كم كنت مخطئًا".

تعلمنا الدرس

في الفصل التاسع عشر والأخير من الكتاب، يقول النعيمي إن نجاح الغرب الاقتصادي استند إلى توافر النفط، "لكنّ لدينا الآن عنصرا جديدا وهو الزيت الصخري، فأسعار النفط العالية فوق 100 دولار في 2009 فتحت ابواب الاستثمار في قطاع الزيت الصخري والرملي".

يتابع: "تستمر التوقعات أن السعودية ستقوم بتخفيض الانتاج لدعم الأسعار، وعانت السعودية وضحت الكثير في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته لمساعدة الأسعار، لكن بحلول عام 2014، تعلمنا الدرس. لم نقلق من الزيت الصخري بسبب توقعات بارتفاع الطلب على النفط ولا سيما من آسيا. لكن هذه التوقعات لم تتحقق".

يذكر النعيمي بعض الطرائف في التفاوض مع منتجين خارج اوبك مثل كازخستان وروسيا والمكسيك والنرويج. يسأله احد المرافقين عن فرص نجاح اقناع الاعضاء خارج اوبك بقبول التخفيضات، يقول: "رفعت يدي ورسمت له علامة الصفر". 

يتذكر: "حصل اجتماع آخر مع روسيا وفنزويلا في فندق بارك حياة فيينا بعيدًا عن اضواء الاعلام، دخلنا الفندق من مصعد خلفي واكتشفنا انه لا يتسع لأكثر من شخصين وهو مخصص لنقل الأمور المطبخية، ومشينا في وسط المطبخ إلى مصعد آخر يأخذنا إلى الطوابق العلوية. ولم يتم التوصل إلى اي اتفاق حيث قدمت كل دولة اعذارًا فنية للتهرب من التزام تخفيض الانتاج، فلملمت أوراقي وجهزت نفسي لمغادرة غرفة الاجتماع ودهش الحضور حيث كانوا يظنون أن السعودية ستقبل التخفيض وحدها وتتحمل عبء تنقيص الانتاج بمفردها. قلت لهم يبدو لي أن لا احد مستعدا ليخفض الانتاج لذلك انتهى الاجتماع". 

لاحقًا، في الاجتماع الذي اقتصر على اعضاء اوبك، عبّر وزراء البترول عن مواقفهم وعن الحاجة إلى تخفيض الانتاج. سألتهم واحدًا واحدًا: "هل بلدك على استعداد لتخفيض الانتاج؟ وكان الجواب بالنفي من كل واحد منهم". 

في الخلاصة، يقول النعيمي: "تبقى السعودية المنتج النفطي الأكثر موثوقية والمصدر الأكثر جدارة بالتعويل عليه لتزويد العالم بالنفط. لكن، ماذا عن المستقبل؟ قلت للصحافيين مرارًا: لو علمت ماذا سيحدث في الغد، لكنت جالسًا في كازينوهات لاس فيغاس أو ماكاو".


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار