GMT 11:44 2016 الأربعاء 18 مايو GMT 15:54 2016 الإثنين 23 مايو  :آخر تحديث
إعادة النظر في العمل الأممي

حظر الحرب والنزاعات المسلحة: من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة

دايفيد فرنانديز بويانا

خاص بإيلاف من جنيف: أصبحت الحرب جزءًا من المجتمع البشري منذ زمن طويل، وهي تسود السجلات التاريخية منذ قرون عديدة. تتناوب الحرب مع السلام تناوبًا دائمًا في حين يبقى السلام مشروعًا لا ينتهي. يشكل وجود معاهدات سلام دليلًا واضحًا على أن انتصار السلام انتصارًا مظفرًا على النزاع لم يتحقق حتى الآن، وأن السلام دائمًا في حالة مشروع ومنظور. 

خلال القرن التاسع عشر، بذل المجتمع الدولي مساعي بارزة للحد من معاناة الجنود الجرحى في ساحات المعارك والتخفيف من آثارها. في عام 1864، أُعدت أول معاهدة لحماية العسكريين من ضحايا الحرب وُقعت في جنيف. لم تكن المعاهدات والعهود الخاصة بالقانون الدولي، التي أُقرت طيلة القرن التاسع عشر، تُركز على المشكلات الحقيقية الناجمة عن النزاعات المسلحة أو القضايا المتعددة التي تثيرها الحرب، بل فقط على تلك القواعد المطلوبة لتوفير حماية أفضل لضحايا الحرب الضعفاء. 

اتفاقات لاهاي

في عام 1899، أقر ما يُسمى "مؤتمر السلام" الذي عُقد في لاهاي، اتفاقيات عدة واعلانات مهمة، بهدف تعزيز الآليات الدولية الرامية إلى التشجيع على تسوية النزاعات بالطرق السلمية وتنظيم قوانين وأعراف الحرب البرية والبحرية، أو منع بعض المقذوفات والمتفجرات. ولاحقًا، أقر المؤتمر الثاني الذي عُقد في عام 1907 في لاهاي أيضًا 13 معاهدة، ومهد ايضًا لمحاولات القرن العشرين من اجل التعاون الدولي.
 
ما زالت اتفاقيات لاهاي 1899 و1907 تشكل رموزًا للحاجة إلى فرض قيود على الحرب والرغبة في تفاديها اصلًا. بعد الحرب العالمية الثانية، وجد قضاة محاكمات نورنبرغ أنه بحلول عام 1939 كانت جميع الدول المتحضرة اعترفت باتفاقية لاهاي 1907 واعتبرتها اعلانًا لقوانين الحرب وأعرافها. 

 

لقراءة نص الورقة الثانية بالانكليزية
The outlaw of war and armed conflict: from the League of Nations to the United Nations

 

في 28 يونيو 1919، وُقعت معاهدة فرساي للسلام مسدلة الستار على الحرب العالمية الأولى. وبحسب توطئة المعاهدة، فإن تعزيز التعاون الدولي واشاعة السلام والأمن في العالم يجب أن يتحققا بالوسائل الآتية: أولًا، قبول الالتزام بعدم اللجوء إلى الحرب؛ ثانيًا، إقامة علاقات مفتوحة وعادلة وكريمة بين الأمم؛ ثالثًا، ترسيخ تفاهمات القانون الدولي بوصفها قواعد السلوك الفعلية بين الحكومات؛ ورابعًا، الحفاظ على العدل والاحترام الصارم لجميع الالتزامات التعاهدية. إضافة إلى ذلك، أُقر في مادتها الثامنة، انسجامًا مع مؤتمر لاهاي 1899 بأن "...الحفاظ على السلام يتطلب خفض التسلح الوطني إلى أدنى المستويات التي يتطلبها الأمن القومي، وتعزيز العمل المشترك بالالتزامات الدولية". 

حق الحرب

ما زالت توطئة عهد عصبة الأمم المتحدة بعيدة عن حظر ظاهرة الحرب حظرًا شاملًا. ولم يجرؤ مهندسو ذلك العهد على إدانة الحروب كلها لأنهم كانوا حتى ذلك الوقت ينظرون إلى الحرب وسيلة لتحقيق مصالح سياسية. وكان حق الحرب حقًا معترفًا به وللأسف حقًا مشروعًا في حالات معينة بموجب العهد.

لا يفرض العهد على الدول الأعضاء إلا احترام الالتزامات التالية قبل اللجوء إلى الحرب: إحالة النزاع إلى التحكيم أو إلى مجلس العصبة للتحقيق فيه، أو تشكيل محكمة دائمة للعدالة الدولية أو من خلال المساعي الحميدة للأمين العام. إذا قررت بعض الدول الأعضاء اللجوء إلى الحرب متجاهلة الأحكام السابقة، فإن العصبة بحكم هذا الواقع تدينها لارتكابها عملًا من أعمال الحرب ضد سائر الدول الأخرى الأعضاء في العصبة. 

كان يوم 16 يناير 1920 ايذانًا بميلاد العالم الجديد في التاريخ، لأن عصبة الأمم عقدت جلستها الأولى واستعاضت عن زمن القوة بحكم القانون. في 16 اكتوبر 1925، أقرت دول عدة معاهدة الضمان المتبادل أو ما يُسمى ميثاق لوكارنو الذي تعهدت في مادته الثانية بألا تهاجم أو يغزو بعضها بعضًا، أو تلجأ إلى الحرب ضد بعضها البعض إلا في الحالات الآتية: حق الدفاع المشروع، أو التحرك بموجب المادة 16 من عهد عصبة الأمم أو التحرك نتيجة قرار صادر عن جمعية العصبة أو مجلسها. 

الأنانية والاختيارية

مُنعت الحرب بوصفها أداة من أدوات السياسة الوطنية بنجاح للمرة الاولى في التاريخ عام 1928، بفضل جهود وزيري خارجية فرنسا والولايات المتحدة. تعهدت الدول الموقعة على ميثاق برييان - كيلوغ بألا تستخدم الحرب لفض النزاعات أو الصراعات. وإذ وُقعت الاتفاقية خارج اطار عصبة الأمم، فإنها ما زالت معاهدة ملزمة بموجب القانون الدولي، بل هي معاهدة دائمة لأنها لا تتضمن فقرة تحدد فترة لسريان مفعولها، ولا بندًا لإنهاء العمل بها أو نبذها. يترتب على ذلك أن إدانة الحرب كبند قانوني ما زالت إدانة سارية، وعلى هذا الأساس يجب أن يأخذها المجتمع في اعتباره. 

إن ميثاق مناهضة الحرب معاهدة من أقصر المعاهدات الدولية في تاريخ الدبلوماسية المعاصرة. فهو يتألف من مادتين فقط هما ادانة الحرب (المادة 1) والتزام الدول بتسوية نزاعاتها بالطرق السلمية (المادة 2). وحُظرت الحرب الأنانية والاختيارية حظرًا شاملاً بهذه الاتفاقية الدولية. ومع ذلك لن يكون استخدام القوة بموجب المعاهدة جائزًا إلا في حالة الدفاع عن النفس بين الدول الموقعة وغير الموقعة على المعاهدة. وبعد إقرار المعاهدة بصورة نهائية، التزمت بها 60 دولة، الأمر الذي يبين أن آمال السلام في ذلك الوقت كانت عميقة الجذور في العالم. 

تحريم العدوان

من أجل بناء عالم يسوده السلام، نص ميثاق الأمم المتحدة في مادتيه 1 و2 على تحريم اعمال العدوان، الانتهاكات ضد السلام، واقامة علاقات ودية بين الأمم، وحق الشعوب في تقرير المصير، وتمتين التعاون الدولي، وتعزيز حقوق الانسان والحريات الأساسية، وتسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية، ومنع التهديد بالقوة أو استخدامها ضد حرمة الأراضي الاقليمية لأي دولة أو استقلالها السياسي. 

تشكل هذه المبادئ التي نصت عليها المادتان اعلاه من الميثاق المبادئ التأسيسية الأساسية لجسم القانون الدولي بأكمله. وتضمنت أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بشكل صريح اعلان إعداد المجتمعات للعيش في سلام الصادر في عام 1978، واعلان حق الشعوب في السلام في عام 1948، واعلان ثقافة السلام لعام 1999. يضاف إلى ذلك أن قوانين السلام هذه كلها طالبت بتوجيه سياسات الدول نحو القضاء على الحرب واستئصالها وحظر الدعاية للحرب وتحقيق نزع السلاح.

غير مقبولة

ينص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على منع التهديد بالقوة أو استخدامها ضد دول أخرى. ومنذ عام 1945، لم تعد الحرب طريقة مقبولة لتسوية الخلافات بين الدول. ولكن الميثاق لم يحظر تمامًا استخدام القوة بل تحتفظ الدول بحق الدفاع عن نفسها، بصورة منفردة أو جماعية، ضد الاعتداء على استقلالها أو اراضيها ردًا على استخدام القوة (بصورة قانونية أو غير قانونية). ولا يشمل حظر الميثاق لاستخدام القوة النزاعات المسلحة الداخلية (او الحروب الأهلية). يجيز الفصل السابع من الميثاق للدول الأعضاء استخدام القوة في عمل جماعي للحفاظ على السلام العالمي والأمن الدولي أو إعادتهما. 

وإذ يؤخذ في الاعتبار أن الحريات الأساسية تتعرض لانتهاكات خطيرة في اوضاع النزاع المسلح، فإن أطراف النزاع يجب أن تحترم المعاهدات الدولية الرئيسية المصادق عليها لحقوق الانسان خلال المواجهات العسكرية، كما حددها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 66/99 حول آثار النزاعات المسلحة على المعاهدات، الصادر في 27 فبراير 2012.

كان المجتمع الدولي دائمًا يضع قواعد دولية تحد من آثار الحرب. وفي السنوات الأخيرة، شجعت حركات المجتمع المدني على إقرار اتفاقيات قانونية مهمة هدفها حماية السكان في اضاع الحرب والحد من تجارة أسلحة معينة واستخدامها. لدى المجتمع الدولي اليوم الموارد القانونية للتخلص بصورة مطردة من الحرب والنزاعات المسلحة في العالم من خلال احترام القانون الدولي وتعزيز ثقافة السلام والصداقة بين سائر الشعوب والأمم.

* ترجمة عبد الاله مجيد


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار